جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

"ركام الزمن... ركام امرأة" تخصيب الحدث الروائي ـــ سعد الدين خضر ـ العراق

ما من شك في أن الشاعرة والروائية أنيسة عبود امتلكت القدرة على صوغ خطاب الرواية بتمايز إبداعي, وبمعمار تقني مستوعب لجنسانية النص النسوي بعيداً عن صيغ السرد الحكائي ـ الإخباري أو الإثارة الايروسية, ودون إغفال معطيات الكينونة الأنثوية كذات إنسانية, أعني ذات الكاتبة والذوات النسوية في الرواية..., هكذا قرأنا (النعنع البري) و(باب الحيرة)... وقد أضافت الكاتبة إليهما منجزها الروائي الجديد (ركام الزمن... ركام امرأة)(1) الصادر مطلع خريف 2005م.‏

وإذا شئنا أن نبدأ قراءة النص ـ الرواية من العنوان الرئيس أو العناوين الداخلية, فإن تخوم (الركام) تمتد إلى (المرأة) و(الزمن) و(اللازمن) و(أنا) و(بيته) و(ذات غروب) و(مدينة الأسرار) و(ليلة باردة) و(البهت) و(غبش) و(ركام الصمت) و(زمن النهايات),... الخ من (42) مقطع من الرواية التي أخذت 256 صفحة من القطع المتوسط... (ركام الزمن... ركام امرأة) رواية اتصلت أجواؤها الدرامية بـ (النعنع البري) وشكلت في بعض فصولها امتداداً لها..., نقرأ في الروايتين فنحسب فصولها متصلة متداخلة لاسيما وأن المسافة الزمنية التي تشدهما واحدة!! وأن الفضاءات المكانية واحدة: القرية, الحاكورة, البحر, الساحل, المدينة الساحلية, العاصمة, الشيخ ضاهر [مزار القرية الذي تسلل من "النعنع البري"], أريج الاكاسيا, والزعتر واليود البحري... الخ ولكأنما (ركام الزمن... ركام امرأة) تقودنا إلى أجواء (النعنع البري) وبأبطالها وحقولها وثوراتها: ثورة الشيخ صالح العلي, وثورة عز الدين القسام في فلسطين... والشهداء من قرية (عين الورد) وقرية (جبالا) وسواها من قرى الساحل السوري, هكذا نجد أنيسة عبود تكرر الإشارة إلى أحداث عظام في روايتها.‏

أبدعت الكاتبة في توظيف تكنيك (ألقص الداخلي) في (ركام الزمن) إذ وضعت في ثنايا السرد عناصر درامية مستقلة, لقد أحسنت تضمين القص داخل القص, كما في تراجيديا الشيخ عفيف وهو يحاول الاعتداد على الصبية سلوى (ص21 ـ ص27) حيث صورت الكاتبة (هستيريا الشعوذة) التي يمارسها البعض في مجتمع محدود يتقبلها, عبر طقوس من السحر والدجل لخلق حالة من الرهبة والغيبوبة تقود إلى فجيعة الأنثى التي تعاني من وطأة العذاب النفسي والجسدي وتتطلع إلى الخلاص..., وعلى ذلك السياق نقرأ مأساة بنت عبد الله العبد الله المسكينة التي زفوها بعرس كبير إلى مصيرها المحتوم (ص28 ـ 31) وهكذا تواصل الكاتبة التفجيرات الدرامية التي تفاجىء بها القارىء المستغرق في النص إذ تأخده قليلاً خارج سياق السرد العام للرواية (حكاية سلوى وأمجد) ومسألة (الحرية) التي كانت قضية محورية في الرواية, رغم أن النص لم يصرح بها, لأن أمجد حين خسر خمسة عشر عاماً من حريته, فقد خسر أيضاً زوجته وأولاده وعمه الجنرال وحياته العائلية وخصوصياته وطموحاته وأفقد العائلة وسلوى بالذات كل حياتها ولذلك آثر العودة إلى السجن في ختام الرواية لأنه لم يجد في (الحرية) تلك الحياة التي عاشها من قبل,... لم يجد زوجته وأولاده لم يجد الدفء والمحبة في بيته... ولكأنما خرج من سجن صغير إلى سجن كبير, حياته بمداها أصبحت سجنه الأكبر.‏

وتعرض الرواية نماذج إنسانية من ضحايا النظم الاجتماعية.. ومن ضحايا التخلف في مجمعات مغلقة, ضحايا السحر والشعوذة, ضحايا القهر الاجتماعي وهيمنة الرجل... رغم أن الرواية لم تقدم الرجل في صورة واحدة... لقد اعتمدت الكاتبة الإيحاء وابتعدت عن المباشرة وتجاوزت النمطية ـ كما في معظم نصوصها... حتى الشعرية والقصصية ـ ولكنها تعمدت تقديم تشابك الأزمنة والأجيال والأحداث, ففي الرواية تداخل بين الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد... عبر فنية متقنة تقود إلى حيرة القارىء العابر حين تضطرب أمامه الأدوار والأجيال وحين تتصل الأزمنة الراهنة والغابرة [إني أرى جدي كل يوم يخرج إليّ عجوزاً] ص127 ولعل القارىء المهتم بالنص يرى في (ركام الزمن... ركام امرأة) رواية تزدحم بدراما الحزن والغضب والحيرة..., رواية تتوالد عبرها العقد النفسية والحالات السيكوباثية التي تصيب شخصياتها, تلك العقد التي تؤكدها وتعبر عنها مشاهد الهلوسة والهذيان ومخاطبة الذات في ثنايا السرد والحوار والتداعيات التي تحكم شد الحبكة الدرامية وتؤكد شغف (أمجد) و(سلوى), و(عبلة), و(وطفي) و(حسن), و(عمران) بالمكان, البيت, القرية, الشقة, المزرعة, بمقام الشيخ, البحر, المدينة, بالحياة التي أحبوها... الخ.‏

ورغم أن شخصيات محورية في الرواية قد عانت لفترة من ازدواج الشخصية (الشيزوفرينيا) ومن حالات سيكوباثية أخرى: [لعل نادية تعرف شيئاً؟؟ قالت سلوى بصوت عال فسمعها أمجد وسألها ماذا تقولين؟ قالت لم أقل شيئاً]ص98 ثم مشهد أمجد وهو يؤدي التحية للملك في التلفزيون ص99 وسلوى تخلع ثيابها ص118 [فجأة يغضب من نفسه ويردد همساً عيب يا شيخ حسن... تلفت إليه ركاب المقعد المجاور شعر بالخجل وغاص من جديد في المقعد وفي أفكاره] ص147 [كان أمجد يصرخ أحياناً أمام المرآة] ص152 [وقفت الجارة تراقب أمجد وهو يركض في الشارع بالسروال القصير] ص153 [يصرخ في نومه فيستيقظ على صراخه اذهبوا ابتعدوا عني أنا بريء] ص201 [إنه الآن يعيش فصاماً مخيفاً] ص205 هذه وغيرها من المواقف والأحداث التي تعرضها الرواية... أقول رغم ذلك فإن أنيسة عبود لم تحرك شخوصاً في متاهات الوهم, ولم تفك ارتباط أبطالها بالواقع, بالمكان الذي حاولت تشكيل ملامحه استطراداً مع فضاءات روايتها السابقة (النعنع البري) كما قلنا... وكانت الرواية أقرب إلى الوقائع الجارية في مطلق قرية عربية أو مدينة, وأستطيع أن اعترف دون مبالغة بأن الكاتبة قدمت رواية متوهجة تذكي جمرات فعلها الروائي السابق, أعني نصها (النعنع البري) الذي سبق أن تناولناه في مقالات سابقة نشرتها بعض الدوريات الثقافية العربية.‏

بيد أننا حين نبحث عن الفروق الفنية بين الروايتين فلن نجد الكثير منها, لأن البنى السرية التي تتشكل منها كل من الروايتين تكاد تتصل في الجوهر, فقد تنوعت أساليب السرد بين سرد مباشر يتوفر على الحوار الداخلي والتداعيات الذاتية, السرد المباشر الذي يجيء تارة على لسان الساردة وتارة على لسان شخصية روائية: سلوى, أمجد, عبلة, حسن, فداء..., أو السرد غير المباشرة الذي جاء متوازناً مع السرد المباشر في مختلف مقاطع الرواية لاسيما في تحولات القص وتحولات الحدث, ولا يخفى أن الكاتبة اعتمدت الموروث الشعبي والميثولوجيا في الروايتين, ولكن ميزة (ركام الزمن... ركام امرأة) إن الكاتبة خففت من وطأة اللغة واستخدمت المفردة الواضحة والجملة المشذبة دون أن تدع النص يفقد عمقه اللغوي في نسيج السرد المحكم.‏

وفي الرواية بعض التمويه, التلقائي أو المصنوع, تمويه لحقيقة شخصية سلوى, هل كانت زوجة مخلصة أم خائنة!؟ ثمة مشاهد وأحداث تفوح منها روائح الخيانة!؟ ثم هل أحبت سلوى أمجد أم ما زالت تحب علي!؟ هل اختارت أمجد لأنها توهمت الرفاهية والأسفار والحياة الحافلة!؟؟‏

أما ما حفلت به الرواية من اللامعقول فواضح في مساحات معقولة من بنية السرد ومن تفاعلات الحدث, فانتازيا واضحة مثلاً في حكاية الأولاد الذين يولدون نصفهم بشر ونصفهم وحوش [اسمعي يا وطفى... أنت حامل وستنجبين أولاداً نصفهم بشر ونصفهم وحوش إلى أن تتوبي عن رميهم في البحر] ص141 وحادثة حصان الأغا الذي يواقع سلمى ص125 وكذلك تلك الغرائبية في [الآن تذهب وتضع رأسك على شجرة السنديان فتأخذ الشجرة ألم رأسك] ص127, ومشهد تساقط أوراق نعي (علي) على زجاج السيارة ص177... وغيرها.‏

ومن السهل أن نفهم أن أنيسة عبود قدمت في (ركام الزمن... ركام امرأة) رواية تحولات ـ كما أشرنا ـ تحولات تسردها وتؤكدها [إنها تحولات ذات مفعول رجعي إلى آلاف السنين] ص239, ففي الرواية ـ كما في الحياة ـ كثير من التبدل والتحول: زواج أمجد من فتاة صغيرة, أمجد يهجر سلوى, العملية التجميلية لسلوى في لندن ومأزق ابنها عدنان وزوجته (ماريا), عدنان الذي أصبح (ماكس) وارتد عن عقيدته, تحول رهيب... [لماذا يا عدنان هذا ارتداد عن الدين] ص241... الخ أنيسة عبود قدمت شخصيات من الحياة العادية وعرضت من خلالها ومن خلال علاقاتها تناقض الطبائع البشرية وتناقض العواطف وتبدل المواقف كلما تبدلت المصالح والمنافع, لقد وضعتنا الكاتبة أمام نص محكم مشوق ننفعل به ومعه ومع أحداثه وشخصياته وتنويعاته الدرامية..., ولا يقلل من أهمية وحيوية النص, ذلك الغموض الذي أحاط ببعض شخصياتها, فالقارىء مثلاً قد لا يفهم الظهور المفاجىء لـ (فداء) ص146 ولا يحيط بتفاصيل حياتها وشخصياتها, وكذلك ثمة إبهام وتعتيم على شخصية (ريم) الطالبة في المرحلة الإعدادية التي ذهبت ضحية وعود معسولة من (المسؤول) الذي أفقدها عذريتها ثم تركها وراح يتهرب منها حتى انتحرت غرقاً في البحر [لقد وجدوا جثتها طافية على البحر فما كان من أهلها إلا السفر خارج البلاد, أما الرجل المسؤول الذي كان بعمر والدها فقد صمت قليلاً عندما سمع بالنبأ وهزّ رأسه ثم قال: "للأسف... البنت جميلة إلا أنها كانت شبه مجنونة"]ص195 وكذلك قدمت الرواية شخصية (نادية) صديقة سلوى الحميمة بدون تفاصيل, رغم أنها مستودع أسرار سلوى [كل التأكيد يا ناديا, اشتقت إليك... تعالي... لدي ما أخبرك به] ص237.‏

يتحول السرد إلى سرد مباشر, حين تخاطب الكاتبة القارىء وجهاً لوجه!! [ هل لك أنت أيها القارىء أن تتصور إن حسن... حسن الثوري... إن سلوى وجدته في مقام جده!!؟] ص248 وبهذا تعيدنا أنيسة عبود إلى حقبة (الحكواتي) أو (القصة خون) كما تسميه في العراق... وكأنها تتلو علينا ملاحم (عنترة) أو (أبو زيد الهلالي) أو (المياسة والمقداد)... الخ ومهما يكن فإن الكاتبة أفصحت في هذه المفارقة السردية عن لفتة حكائية تبعد عن القارىء رتابة السرد, وفي الرواية أيضاً كثير من اللعنات وقليل من الأمنيات..., الأمنيات المحبطة, شأن ما نواجه في حياتنا العادية, فالرواية أقول رواية حياة, حياة مفعمة بالانكسارات والهزائم الذاتية والعامة كما هي مفعمة بالخيال الروائي الذي عرض لنماذج من الناس الحالمين بالحياة اللذيذة وبالآمال العريضة نلمسها في ثنايا السرد والحوار والتداعي والهذيان.... لأنهم يدركون سعة الهوة بين الواقع والحلم.‏

1 ـ أنيسة عبود ـ ركام الزمن ـ ركام امرأة رواية ـ دار السوسن/ دمشق ـ ط1 2005م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244