|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة في كتاب (الإيديولوجيا والوعي المطابق) للباحث عدنان عويِّد ـــ فاضل السفّان نمطٌ جديدٌ من الدراسة الجادَّة يطالعكَ بها الباحث المجتهد (عدنان عويّد) تتلمس من خلالها فلسفته وتتقرّى منحىً جديداً لاكتمال الرؤية واستقلالها, في وجه من وجوهها (الإيديولوجية) إذا صح التعبير, بعد أن تجاوز مرحلة التجميع المعرفي بشكل ما, في تجاربه السابقة التي تضمَّنتها مؤلفاته: (الديمقراطية, إشكالية النهضة في الوطن العربي, التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب, معوقات حركات التحرر العربية في القرن العشرين). ولعلَّ الباحث أراد أن يخفِّف على القارىء عبْءَ الاستنتاج في الوصول إلى محاور دراسته الموضوعية, فلخَّص في مدخل مركزٍ ما أراد طرحه, وفي هذا المدخل (التحليل السوسيولوجي للوعي الاجتماعي) تحدَّث عن مكوِّنات الوعي البشري وعن دور اللغة واستقلالية الوعي, وأثر ذلك في تطوُّر المجتمع, وعن الوعي عبرَ سيرورته التاريخية, وعن مستويات انعكاس الوعي ودرجات الوعي الاجتماعي منتهياً إلى فكرةٍ مفادها (أنَّ حياة المجتمع المادية هي التي تحدّدُ الحياة الفكرية, أي أنّ الوجود الفكري انعكاس للوجود المادي) ص17. ثم يدخلك إلى مضمون بحثه في خطوطه العريضة مبتدئاً بالمفهوم وإشكاليته, معترفاً بصعوبة تحديد معنى دقيقٍ لتعريف الإيديولوجيا لكنّه يعود إلى القول (إلاّ إننا نستطيع أن نقدِّم تعريفاً أولياً لها, هو اعتبارها نسقاً من الآراء والأفكار والنظريات السياسية والحقوقية والدينية والأخلاقية والجمالية والفلسفية... الخ, وهي في سياقها العام تشكّل جزءاً من الوعي الاجتماعي تتحدّدُ طبيعته بناءً على طبيعة ظروف حياة المجتمع المادي) ص22. ثم يتحدّث عن السياق التاريخي للإيديولوجيا منوهاً برؤية الفيلسوف والمفكر الإنكليزي فرنسيس بيكون (1560 ـ 1626) متأثراً بالقول (إنّ أهم ما في رؤية بيكون هذه, هو أنه أرجع بعضَ المعتقدات الفكرية إلى عواملها الاجتماعية, وتلك هي الإرهاصات الأولية أيضاً في الطريق إلى تصورٍ ملموس لمفهوم الإيديولوجيا) ص23. ومن ثم يستعرض رؤية "ماركس" و"أنجلز" و"لينين" في هذا المجال (لقد بين كلٌّ من ماركس وأنجلز إن إنتاج الأفكار والتصورات والوعي تختلط بادىء الأمر بصورة مباشرة ووثيقة بالنشاط والتعامل المادي بين البشر) ص27. أما "لينين" ـ بنظر الباحث ـ فقد (استطاع أن يكمل ما كان قد أغفله مؤسسا الماركسية في هذا الاتجاه, إضافةً إلى ذلك, هو رفع الشحنة النضالية للإيديولوجيا من خلال ربطها ببنيةٍ تنظيمية, حزب وأداة ـ حامل اجتماعي ـ لتحويل التاريخ تحويلاً ثورياً) ص28 ومن ثم ينتقل إلى تحديد معنى الإيديولوجيا في المنظور الليبرالي ليصل في النهاية إلى القول "على العموم لقد تعدّدت الآراء عند الفلاسفة ومفكري الغرب تجاه الإيديولوجيا, فجاءت كلُّ هذه التعدديّةِ لتنصبَّ بهذا الشكل أو ذاك في نظريةِ التفريغ الإيديولوجي" ص30. ويرى بمنطق ذكي "لاشك بأنّ هذه التعددية في الآراء والمفاهيم تجاه الإيديولوجية من قبل مفكري الإمبريالية, تأتي في معظمها بالمحصلة لتصبّ في رغبةٍ واحدة وطموح واحد ألا وهو رغبة البرجوازية الاحتكارية في إقناع الآخرين ونفسها أيضاً بأنها تتطلّع إلى غاياتٍٍ عالمية بدفاعها عن مصالحها الخاصة... هي اختراع عدالة عليا يصبح الظلم باسمها مبرراً) ص31. ولعل من الإضاءات الجميلة في هذه الدراسة, رؤيته في تكون (اليوتوبيا) حين يقول (إنّ القوى الاجتماعية الجديدة تقوم أيضاً بإدخال الخيال في مستوى نشاطها, فإنّ حالة التناقض أو التفاوت بين رغبتها في الوصول إلى السلطة وتحقيق أهدافها المنشودة, تدفع هذه القوى لوضع أهداف أو تصورات متخيلة مسبقاً ـ ولكن تخيلاً واقعياً ـ لتجاوز هذا التناقض عبر نشاطها النضالي, هنا يكمن نعت هذه الأهداف أو التصورات المتخيّلة أو المعاشة ـ كذا ـ بأنها مثال أو يوتوبيا) ص42 وفي حديثه عن الفكر المطابق يرى (أنّه الفكر الحيُّ المتجدّدُ القادر عَبْرَ حامله الاجتماعي وعبر الممارسة من قبل هذا الحامل في الواقع على اكتشاف آلية الواقع وقوانينه التي تتحكم بسيرورته وصيروته, ثم تتغيره لمصلحة الإنسان) ص51. وهو يدرك بنظرة متعمّقة طبيعة إيديولوجية البلدان المتخلفة خلال مرحلة كفاحها مع المستعمر بقوله (على العموم ظلّتْ إيديولوجيات البلدان المتخلفة خلالَ مرحلة كفاحها ضدّ المستعمر إيديولوجياتٍ كفاحيةً, وغالباً ما اتخذتْ صيغةٌ وطنيةً أو قومية مناهضةً للمستعمر ومبررة لهوية ووحدة وتراث الأمة) ص55. وينتهي متأثراً برأي ماركس حين يقول: "إن الإيديولوجيا هنا ليست مجموعةً من الأفكار فحسب بل هي دليلُ عملٍ وهدف أيضاً" ص57. وفي محور ثان لدراسته الموثّقة والتي قال عنها: "قراءة نقدية في بعض منطلقات الخطاب التنويري" تلمس تأثره الواضح بماركس في رؤيته حيث يقول: "إن الإنسان حرٌّ ولكن حريته مشروطة. والوعي عامل فعّال في نمو التاريخ ولكنْ لا يتضمن بحد ذاته هذا النمو, والوعي ضروري لكي تتحقق الثورات, ولكن عندما تكتمل شروطها المادية, فعند اكتمالها ـ حينئذ ـ يرتبط الوعي الثوري بالتجربة والواقع, ولن يكون مجرّدَ شبحية" ص70. وهو على الرغم من إعجابه بالمتنورين من أمثال رئيف الخوري وشبلي شميل وأديب إسحق وأمين الريحاني, حين يقول: "إنَّ من يلقي نظرة أولية على ما طرحه رئيف الخوري وأديب إسحق والشميل والريحاني, يلمس عبرَ ما طرحوه تلك الرؤية العقلانية والفهم العميق حول الثورة وآلية تحقيقها". ثم يضيف في الصفحة ذاتها معقباً ومشيراً إلى خمول رؤيتهم وقصورها عن تحقيق حلمهم بالثورة حين يقول: "إن الخطاب التنويري الذي طرحه هؤلاء المتنورون العرب لم يستطع أن يؤسس لقيام ثورة حقيقية لنهضة عربية تتجاوز فيها الأمة كل أشكال الظلام الذي فرضته الدولة العثمانية عليها عبر قرونٍ أربعة" ص73. ومن خلال تحليله للخطاب التنويري العربي ينتهي إلى نتيجة محبطة في قوله: "إن الفكر التنويري ـ الاجتماعي ـ السياسي ـ الذي طرحته الصفوة آنذاك لم يكن في الواقع قد حقق نضوجه أو اكتماله بعد, فالمتنورون العرب ساروا على الطريق التي عبدها الغرب وجرّبها قبلهم, لذلك لم يستطيعوا أن يبنوا نظاماً أو أنساقاً معرفية فلسفية ونظريات اجتماعيةً وسياسية خاصة بهم, ففلسفة الأنوار وأفكار الثورة الفرنسية ظلّتْ تقريباً هي مصدر أفكارهم الريادية, لكونها أقرب من حيث التوجهات إلى البنية الفكرية والروحية لهم, خاصة وأنهم حاولوا أن يعملوا على تكييف هذه الأفكار تبعاً لظروفهم المحلية, إلا أنهم لم يستطيعوا لأسباب كثيرة".. ص 80. وينتهي في حديثه عن السمات التعبيرية للخطاب التنويري العربي في عصر النهضة إلى وجود تيارين هما: التيار الليبرالي العلماني والتيار الإصلاحي الديني وقد التقيا في أمور كثيرة أبرزها: تطبيق مبادىء الحرية والديمقراطية والتركيز على الحرية الفردية والدعوة إلى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية وفصل الدين عن الدولة, إلا إنهما أخفقا في الوصول إلى الغاية وذلك لأن (تخلف الواقع العربي أو اتساع فسحة الظلام فيه لم تسمح له أن يستوعب كلَّ ما تبناه المتنورون العرب من الخطاب التنويري الغربي) ص88. وفي تحليله الموضوعي لمقولة الأمة ووعي الذات, وفي نقلة استنتاجية يصل إلى قناعة ترصدها في قوله: "على العموم إنّ الذي مارسته الدولة العثمانية من تخلف على الوطن العربي أولاً, ثم ما قام به الغرب من اختراقات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية لبنية الدولة العثمانية منذ اكتشاف رأس الرجاء الصالح حتى إنهاء الدولة العثمانية نفسها على يد الغرب ثانياً, ساعد كثيراً الغرب نفسه ممثلاً بالطبقة البرجوازية الإمبريالية على إعادة هيكلة الوطن العربي ودول العالم الثالث, بما يتناسب ومصالح رأس المال الاحتكاري الغربي, ولم تكن المسألة الشرقية في إطارها العام إلا التطبيق العملي لهذه الهيكلة" ص98. وحين استعراضه للمشروع القومي يقول واثقاً: "أما أول تنظيم ثوري استطاع أن يتعامل مع المسالة القومية بتلك الرؤى المتأتى عليها أعلاه فهو حزب البعث العربي الاشتراكي منذ عام 1947" ص106. وبعد استعراضه لجملة المعوقات التي حالت دون تحقيق النهضة العربية, يفيدك بحقٍّ طبيعة الهجمة بخبرة مدركة وشفافية في العرض حين يقول: "فإضافة إلى ما قمنا بتوصيفه وتحليله للظروف التي تعيشها الأمة العربية, فهي تتعرض الآن في ظل النظام العالمي الجديد إلى حالةٍ من الهيكلة بطريقة تتناسب مع حركة رأس المال الاحتكاري العالمي, فإعادة الهيكلة للوطن العربي في مضمار النظام العالمي الجديد تهدف إلى إلغاء مقومات وجود الأمة العربية عبر اختراق قيمها, ليس المادية منها فحسب بل والمعنوية أيضاً, مركزةً في هذا الاتجاه على قيمها الأخلاقية وعاداتها وسلوكياتها لتسييد نمط آخر من القيم والعادات, هو نمط المجتمع الاستهلاكي" ص120. ومن خلال استعراضه لأفاق معرفية, كالليبرالية المعاصرة, والمجتمع المدني ودول ما قبل الدول. يصل إلى تعريفات منصفة من خلال التحليل والاستنتاج, ففي تعريفه للمجتمع المدني يقول لكَ بثقة "والمجتمع المدني, بكل أشكاله الإيجابية والسلبية هو تحولات تاريخية طويلة تمر بها المجتمعات البشرية, هو نتاج آلية عمل كل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وتعقيداتها, إنه إفراز لهذه الآلية" (ص146). وفي استعراضه للثقافة الغربية وسماتها يشير إلى مواطن ذات رؤى دقيقة حين يؤكد أنّ: "هذه الثقافة ولّدتْ في المقابل ظلماً وقهراً واستلاباً وتشييئاً للإنسان وتدميراً للطبيعة, بسبب أنانية الرأسمال الذي شكل قاعدة هذه الثقافة ومنطلقتها" ص159. وعن المدينة يقول: "إنَّ المدينة ليستْ شكلاً أجوفَ ولكنّها نشاطٌ حيٌّ وفي اللحظة التي تبدأ فيها بفرض شكلها على الآخرين تأخذ مجاريها ومؤثراتها الفعالة تعمل فيهم, ثم تخلع على اتجاهاتهم العقلية شكلاً معيناً, ولكن ببطء ومن غير أن يلحظوا ذلك" ص160. وقد لخص لك الباحث غايته من الدراسة بكل أبعادها وهو يستعرض أبواب كتابه بقوله: "إن ما قمنا بعرضه في هذه الدراسة, يشكل بالنسبة لنا مواقف فكريّة أوليّة, أردنا أن نسلّط الضوء من خلالها على مسألة حيوية, يشكل بالنسبة لنا مواقف فكريّة أوليّة, أردنا أن نسلّط الضوء من خلالها على مسألة حيوية, هي مسألة النهضة وتأكيد الذات العربية في وقت نحن بأمسِّ الحاجة فيه إلى كل الجهود المبذولة في هذا الاتجاه" ص30. وهذا الملمح يصدق على مجمل الدراسة. ويبقى أن نقول ونحن نتابع تحليل هذا الباحث المجتهد على مدى مئة وتسعين صفحة من القطع الكبير, يشدّنا في موضع, ويثير استغرابنا في موضع آخر, نلتقي هنا, ونتحاور هناك, نقول إن الباحث (عدنان عويّد) يبقى مجلياً في رؤيته ورؤاه معبراً عن سعة إطلاعه وقدرته على استشفاف ما يرتئي بنبرة عالية من الخبرة. ولا يفوتنا أن نذكر تأثر الباحث ببعض المفكرين من أمثال ماركس ورئيف الخوري وأضرابهما, لكننا نؤكد على بروز السمة العروببة في توجهاته, فهو يسعى جاهداً إلى تعميم ما يراه صائبا والتحذير مما يراه ارتكاساً, وهنا تأتي الرؤية الشخصية حكماً في تجنيد الفكرة وقد بدا هذا الأمر واضحاً في تصويره للواقع العربي المعاصر, ضياعاً وتشتتاً وفي الختام أؤكد تقديري للجهد اللامحدود الذي بذله الباحث في استنباط ما توصل إليه من أحكام وأنصح في اقتناء هذا الأثر النفيس والاستفادة من مضمون ما طرحه من قيم وأفكارٍ جادّة. مشيراً إلى أنّ الكتاب من مطبوعات دار التكوين في دمشق للعام 2005. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |