جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

"زقاق المدق" لنجيب محفوظ من منظور النقد المرحلي ـــ د.فاروق مغربي

هذه الرواية واحدة من الروايات التي صنفها النقاد ضمن المرحلة الاجتماعية الواقعية, وقد رأى النقاد جميعاً في هذه الرواية عملاً فيه الكثير من النضج الفني.‏

لقد ارتبطت أحداث هذه الرواية, بأحداث الحرب العالمية الثانية, وعكست الآثار الكبيرة لتلك الحرب على المصريين بل إنّ السبب في "عبقرية" هذه الرواية يرجع إلى التصادم بين الزقاق والحرب, فمن خلال هذا التصادم برز المعنى اللا أخلاقي للحرب, والقيمة السامية للسلام(1).‏

من المعروف, والمجمع عليه, أنّ الزقاق نفسه يشغل دور البطولة الحقيقية لهذه الرواية, ولكن شخصية "حميدة" لها مكانة خاصة عن باقي الشخصيات في الرواية كلها, وقد اختلف النقّاد حول هذه الشخصية بشكل لافت للنظر, وهذا دليل غنى هذه الشخصية, فالناقد "رجاء النقاش" يرى أنها رمز لمصر كلّها(2). ولكن هذا التأويل قد رفض من أكثر من ناقد, فهذا "الزعم لا يمثّل خطأ في تفسير الرواية وتحليلها فقط, ولكن يسيء إلى مصر أيضاً, خاصة والمؤلف يذكر في الرواية أنّ حميدة "عاهرة بالسليقة(3)". والدكتور طه الوادي يرى أنّه "قد تكون حميدة رمزاً لمصر المحتلة, فهي مصدر عطاء وسعادة للمحتل الغاصب بينما حرم منها أصحابها الشرعيون....(4)". ومع هذا فإنّ الناقد لا يحبّذ هذا الرأي لأنّه لا يجد ما يقوّيه في الرواية(5), وبالتالي فإن مجموع الضياع الحاصل في الرواية رمز لضياع أكبر هو ضياع وطن بأسره(6).‏

إذا كانت هذه حال الشخصية الرئيسية في الرواية, فما حال بقية شخصيات الرواية؟ يرى الناقد "بدر" أنّ هذه "الشخصيات تكتسب صفاتها منذ مولدها وكأنها تكتسبها بما يسميه المؤلف بالفطرة, وهي ترث هذه الصفات عن أبويها بصورة شبه آلية, أو ميكانيكية, جسدياً, ونفسياً, وتسيطر عليها صفة وحيدة تصلح تفسيراً وتبريراً لكل أعمالها, وضياع الأب بموته أو غيبته أو تعطله عن العمل يرشح الشخصية آلياً إلى الضياع, وإذا أدرك الباحث هذه الثوابت الآلية في تصور نجيب محفوظ للشخصية الإنسانية بصورة عامة, مضافاً إلى ذلك مفاجآت القدر وضرباته الخفية, والقسمة الثنائية بين الجسد والروح, إذا أدرك الباحث هذه الثوابت أصبحت شخصيات نجيب أشبه بكتاب مفتوح من الصفحات الأولى من الرواية, بحيث يصبح الباحث غير معرّض إطلاقاً للإحساس بالدهشة أو الخصوبة في مواجهته لأفعال هذه الشخصيات وأقوالها(7)". وعلى الرغم من أنّ بعض النقّاد قد أثنوا على الشخصيات الثانوية في هذه الرواية وبخاصة شخصية "زيطة", و"المعلم كرشة" إلا أنّ الناقد نبيل راغب يرى أنّ هذه الشخصيات "قدّمها الكاتب لكي يخدم الإطار الاجتماعي الذي رسمه للزقاق, لا لكي تسير طبقاً للحتمية الفنية التي يفرضها الشكل الفني(8)". وكان الناقد قد أشار قبلاً إلى مثل هذا الأمر عندما قال: (إنّ الباحث ليصاب "بخيبة أمل عندما يتقمّص المؤلف دور الباحث الاجتماعي, فيصف تفاصيل الزقاق لا لكي يخدم البناء الدرامي العام, ولكي يمنح القارئ صورة فوتوغرافية صادقة لما يدور في الزقاق, كأنّ الصورة هي هدف في حدّ ذاته(9)". ونحن لا يسعنا إلا مخالفة الناقد فيما ذهب, فالشخصيات الثانوية في هذه الرواية تحديداً, من أخصب الشخصيات وأكثرها شهرة في روايات نجيب محفوظ كلّها, وكانت تمنح الزقاق حركته التي أورد الروائي أن نعرفها, لقد كانت لبنات رئيسية في البناء العام للرواية, ولا يمكن الاستغناء عن واحدة بل يهيأ إلينا أننا لا نستطيع حتى تغيير اسم واحدة منها, ذلك أنّها رسخت في ذهن القارىء, واحتلت مساحة من تفكيره.‏

في ختام كلامنا على هذه الرواية, نريد أن نقف عند بعض الأحكّام التي أدلى بها الناقد "بدر" باعتبار أن دراسته من أكبر الدراسات, وأكثرها جدية فالناقد يلوم الكاتب على أنّه يستطيع أن يأتي بالحوار حياً ساخناً من قبل القواد وهو جانب شرير يكرهه نجيب محفوظ نفسه, بينما يأتي حوار عباس الحلو مملاً رتيباً, فيقول: "فرق بين وصف هذا الحب الذي يتجه فيه المؤلف إلى المبالغة والتعميم والخطابية, وبين وصفه البارع للمناورات التي تمت بين حميدة والقواد جسدياً ونفسياً والتي تجعلنا نشعر برغم محاولات المؤلف أنّ القواد أذكى, وأخف دماً عشرات المرات, وأقدر على التعامل مع المرأة من عباس الحلو(10)"؟!! ونحن في الواقع نستغرب هذا القول!! فهل يريد الناقد من الروائي أن يجعل القواد "المحترف" ساذجاً في تعامله مع المرأة, بينما يكون عباس الحلو الرجل الذي ليس له تجارب "زير نساء", إنّ الروائي, في رأينا, قد وفق جداً في هذه القضية, بل إننا نستغرب من عباس الحلو كيف ودّع حميدة "بقبلة" بعد اتفاقهما على الزواج, وهو في طريق ذهابه للتطوع بالجيش الإنكليزي. أمر آخر نأخذه على الناقد عندما يقول لائماً الروائي في أثناء حديثه عن حميدة" "ويتدخّل مرة رابعة بصورة تجعل الأمور تختلط عليها بقوله: "كانت تعتمد ألا تلوي على شيء". أن يسير الإنسان بغير هدف فهذا أمر مقبول, أما أن يعتمد أن يسير بغير هدف فأمر يبعث على الدهشة, وإذا تعمّد أن يسير بغير هدف, ثم اتّضح أنه يسير كل مرة حسب خطة مرسومة منحدراً من الصنادقية إلى الغورية ثم إلى السكة الجديدة فالموسكي, فهذا أمر يبعث على الحيرة حقاً(11)".‏

وواضح اللبس هنا, فالمقصود بهذه العبارة أنّها تسير إلى هذه الأماكن دائماً دون غاية محدّدة, وإنما لمجرّد التنزه حتى أصبح هذا الأمر عادة لا شعورية. كذلك نأخذ على الناقد دراسته اللغوية التي كان يعتمد فيها على فقرة أو اثنتين, فتخرج هذه الدراسة أقرب إلى الإسقاط منها إلى التحليل, فقد كان يأتي بها ليقرّر شيئاً معيناً مثل: كلاسيكية التعبير, سيطرة البلاغة الشكلية, الخلط بين الأسلوبين: القديم والحديث... الخ(12).‏

من خلال ما مرّ معنا من آراء نقدية حول هذه الرواية, نستطيع أن نبيّن أنّ الخط البياني العام لنجيب محفوظ, ما زال في تصاعد, فكل رواية كانت تحقق صعوداً فنياً إضافياً على ما سبقها, وهذا ما نلاحظه في الروايات الأخرى.‏

هوامش المقال:‏

(1) انظر: تأملات في عالم نجيب محفوظ, 41.‏

(2) انظر: أدباء معاصرون, ص12, ويؤكد هذا ص70.‏

(3) الرؤية والأداة, 363.‏

(4) صورة المرأة, 265.‏

(5) انظر: المصدر نفسه, 265.‏

(6) انظر: المصدر نفسه, 264.‏

(7) الرؤية والأداة, 373.‏

(8) قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ, 106.‏

(9) المصدر نفسه, 104.‏

(10) الرؤية والأداة, 378.‏

(11) المصدر نفسه, 385.‏

(12) انظر: المصدر نفسه, 384, وذلك في تحليله للفقرة الخامسة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244