جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هويتمن والاحتفاء بالحياة وبالآخر "قراءة في مطولته الشعرية "أغنية نفسي" ـــ خليل البيطار

ما الذي يمنح الحياة البهجة؟ الخضرة أم قطرات الندى الصباحية على الأوراق؟ العصافير الملونة المتقافزة أم تغريدها المتناغم؟‏

ابتسامات الآخرين أم حدبهم الواثق؟ قراءة الكتب أم اكتشاف الحقائق الجديدة؟ قراءة القصائد أم الإصغاء إليها بأداء مبدعها؟‏

وما الذي يمنح الشعر هذا التأثير على النفوس وتلك القدرة على بناء جسور التواصل بين البشر؟ لعلها قدرة الشاعر على التوغل عميقاً في الواقع والرؤية الشاملة للعالم والعودة الدائمة إلى الذات في عملية دائرية تتكىء على جماليات اللغة وسحر الأساطير وجرأة التجريب.‏

وولت هويتمن, الشاعر الأميركي الأبرز في القرن التاسع عشر, يمنح قارئه متعة الكشف والمشاركة والتوغل إلى الأعمال, ويطوف به في منعطفات الواقع وتعرجات المشاعر, وتغدو المشاهد اليومية والتفاصيل العادية جديدة تحفزنا على الاحتفاء بالحياة.‏

ولد هويتمن عام 1819 في ويست هيل قرب نيويورك, وانتقل مع عائلته إلى بروكلين عام 1823 وعمل بعد إنهاء دراسته في حرفة الطباعة, ثم عمل مدرساً في لونغ آيلاند, وانتقل بعدها إلى الصحافة, فعمل محرراً في الأسبوعية الأدبية المسّماة لونغ آيلاندر, وفي المجلة الشهرية "ديموكراتيك ريفيو", ثم عمل في جريدتي (الفجر) و(طائر المساء), ثم أدار مكتباً للطباعة وصدرت له الطبعة الأولى من مجموعته الشعرية "أوراق العشب" عام 1855, ثم عمل محرراً رئيسياً في مجلة (التايمز) في بروكلين, وانتقل بعد الحرب الأهلية الأميركية عام 1861 إلى فيرجينيا, وشهد التنصيب الثاني للرئيس لنكولن, وتألم لاغتياله عام 1865, وكتب مرثية عنه بعنوان "عندما أزهر الليلك على بابه لآخر مرة).‏

أصيب هويتمن بشلل مفاجىء أوهنه عام 1873 وانتقل إلى نيوجيرسي, ثم تعافى تدريجياً وألقى محاضرات في جامعات نيويورك وفيلادلفيا, كما طبع كتاب "أوراق العشب" عدة مرات, وأجرى تعديلات عليه.‏

وصدرت مطولته الشعرية "أغنية نفسي" عام 1855, وكان الشاعر قد دأب على كتابتها وتدقيقها قبل أعوام, كما أجرى تغييراً في العنوان أكثر من مرة.‏

والترجمة الحالية للمطولة صدرت مؤخراً عن دار التكوين وأعدها د. عابد إسماعيل الذي درس في المدينة التي شهدت طفولة هويتمن.‏

قصيدة هويتمن الطويلة تضم 52 مقطعاً, بعدد أسابيع السنة, وربما دفعه غرامه بالتفاصيل إلى التمعن في حركة الزمن وتحولات الكائنات. ويبدأ مطلعها بنشيد احتفالي بالذات وبالآخرين وبالأوراق اليابسة والأرض والهواء:‏

"أحتفل بنفسي وأغني نفسي‏

وما أفترضه سوف تفترضوئه‏

لأن كل ذرة تخصني تخصكم" (المقطع الأول ص15)‏

كان هويتمن يصغي ويتأمل ويزين ويسأل ويستقرىء وينقّي ويعتز بملكة الغوص إلى أعماق الكون لديه, ويتحد في كيانه الشاعر بالفيلسوف والفلكي فينشد: "أمكث هذا النهار والليل معي/ وسوف تملك أصل القصائد كلها/ سوف تصغي لكل الجهات/ وتنقّيها عبر مصفاة ذاتك"/ ص17.‏

ويهزأ الشاعر باليقينية الساذجة, ويقدم إجابات عديدة للمعنى البسيط, فالعشب الذي يحمله الطفل منديل الرب وتذكار الحبيبة أو الزرع النابت والكتابة الهيروغليفية أو هو الطفل نفسه.‏

(م 6 ص23).‏

أسئلة الوجود الكبرى تشغل بال هويتمن: الولادة واليفاع والشيخوخة والموت, الصداقة والخلود, والصراع والضجيج والصدى والفجيعة والسقوط والعبودية والحرية, ويستحوذ الكادحون على اهتمامه: الحدادون والجزارون وسائقو عربات الخيول الزنوج.‏

وهو يمضي مع الذاهبين والرائحين, مشغوفاً بالحياة تملأ كيانه.‏

وبطائر الزرياب الأسود الذي يغرد دون سلم موسّيقي وكأنه يغني من أجل الشاعر ص36.‏

حركة البشر والكائنات والتفاصيل تتزاحم في مقاطع القصيدة, والشاعر الباحث عن حظوظه مستعد لإعطاء كل شيء كي يستمر تدفق الحياة:‏

"أنا متيم بالفسحة الرحبة للهواء الطلق‏

بالرجال الذين يعيشون بين الماشية‏

بطعم المحيط أو الغابات/ بالبنائين وقباطنة السفن...‏

أنا الباحث عن حظوظي/ أزين نفسي كل أهبها لأول طالب‏

غير سائل السماء أن تدنو لتلبي نيتي الحسنة.‏

إنها نفسي أبعثرها دون مقابل, إلى الأبد".‏

(م 14 ـ ص38)‏

يتأمل هويتمن العشب والمياه والناس, وأفكار الناس وأمنياتهم, ويرى أنها مشاع بينهم كما الهواء والأرض, ويواصل نشيده لا للمنتصرين بل للمهزومين والقتلى ص49, ويواصل البوح بأسراره وأسئلته, ما الإنسان؟ لماذا أصلي؟ تمتزج في كيانه متع الجنة وآلام الجحيم, فهو شاعر الجسد والروح والمرأة, والجحيم كما يراه هو التطور والعبور والأرض الشهوانية واستمرار الحياة, يتأجج في داخله حب للأرض والبحر والبشر ص56, ويؤكد أنه كون كامل يواصل شغبه وتواضعه, ويدين الإذلال والإهانة:‏

"كل من يهين الآخر يهينني" ص61, وتتزاحم التفاصيل في معظم المقاطع, والشاعر يستمر في إنشاده مثل "تروبادور" جوال, يتأمل مصارع الأبطال والعشاق, ويرويها ويستعيدها فنسمع حركة المجاذيف وغرق السفن في الإيقاع الداخلي للكلمات, وتتناوب في المقاطع جميعها المشاهدات والذكريات, والحركة والسكون الظاهري لليل الصيفي المجنون العاري, فلا توقُّفَ في السكون الشاسع ص97 ـ 98.‏

تقمّص هويتمن شخصيات المحرومين والمسجونين والمرضى والمتسولين, وجسّد كل حضور: المنبوذ أو المتألم في تواصل دائم مع ناس القاع الاجتماعي, معطياً بسخاء معارفه وعصارة روحه, مستلهماً حكمة آلهة الإغريق, والفراعنة والهنود, مازجاً في عباراته الشعرية بين فلسفة إمرسون الغيبية ومثالية هيجل وتمرد الرسام ألفرد جاكوب. مواصلاً تداعياته المحيرة ـ برأي النقاد ـ وفوضاه المضبوطة جيداً, ومفسحاً في المجال لحداثة مبكرة ما لبثت أن طبعت القرن اللاحق كله. يقول:‏

"صيحة في عمق الزحام‏

إنه صوتي, جهورياً كاسحاً نهائياً‏

تعالوا يا أطفالي‏

تعالوا يا حبيبتي وبناتي ونسائي: الرفاق منكم والعشاق‏

الآن يطلق المغني جسارته‏

عازفاً افتتاحيته على أوتار نفسه‏

م42 ص109‏

أنشودة متمردة تشد أزر البسطاء, وتنطلق من أعماق نفس حرة, وتتساءل وتحتج على مفارقات الأحداث الجارية في مدينته يقول:‏

هذه هي المدينة, وأنا أحد مواطنيها‏

وكل ما يهم سواي يهمني:‏

السياسة والحروب, الأسواق والصحف والمدارس.‏

رئيس البلدة والمجالس, البنوك والضرائب‏

السفن البخارية والمصانع والبضائع‏

المخازن والعقارات الشخصية والعامة.‏

وأخذ هويتمن مكاناً بين م42 ص111 المتأملين المستنيرين بشكوكهم والمفكرين المثقلين بأحزانهم, مواصلاً تجريبه واحتفاءه بتجريب الآخرين, دون إغفال شيء من إبداع الأسلاف أو المعاصرين له:‏

"لا أعرف ما الذي لم يُجرَّب, وما سيأتي لاحقاً‏

لكنني أعرف أنه سيبرهن في حينه على أنه كافٍ‏

وأنه لا يمكن أن يخطئ!‏

وكل من يمر يحسب له حساب, وكل من يتوقف, ولا يمكن أن يغفِل أحداً" م43. ص115 ـ 116‏

وولت هويتمن منشد متمرد على الإيقاعات التقليدية, يصوغ عباراته بتكثيف وعمق فلسفي, ويرتب تفاصيل مشاهداته وصوره ببراعة رسام, ويطلق صرخاته واحتجاجاته وكأنه محام عن القيم المحاصرة للحضارات وعن إنسانية البشر المهددة, "يرفع صرخة البربرية فوق سقوف العالم مثل نسر يصعب ترويضه أو ترجمته".‏

الكتاب: أغنية نفسي‏

المترجم والمقدم: د. عابد إسماعيل.‏

الناشر: دار التكوين 2006.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244