جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

على طريق الشعر... (1) ـــ عبد القادر الحصني

سألتني أيها الشاعر الناشىء الصادق في سؤاله المتوخّي الاستفادة من إجابتي عن الطريق التي سلكتها في الشعر حتى صرت على أنا ما عليه من تجربة مرموقة, في رأيك, ثم أضفيت عليّ, كشاعر, صفات المبدع والحقيقيّ والمهمّ والكبير, وها أنذا عازم على إجابتك, ولكن ليس قبل أن أتوقف عند ما وصفتني به سواء أكان مصدره الإطراء أم الاعتقاد, فأقول:‏

إنّ ما وصفتني به من الإبداع والحقيقية والأهميّة إنما هي صفات تقتضي إعمال النظر فيها وتبيان حدودها قبل إطلاقها, وهذا ما لن أفعله هنا, مكتفياً بأن أصدقك القول بأنّ كلمة شاعر, وشاعر فحسب تكفيني, وهي تنطوي؛ في ما تنطوي عليه؛ على شيء ما, يقلّ أو يكثر, من الأوصاف التي ذكرتها.. أما كلمة "شاعر كبير" فهذه دعك منها, ودعني أجيبك عن سؤالك عن الطريق التي سلكتها في الشعر وإليه, في إيجاز يعرض السنين بسطور أظنّها تفي بالغرض.‏

* ورثت ولعاً بالشعر في أسرة لا أعرف من أين تحدّر إليها هذا الولع بهذا الفنّ, فكان أن حفظت عن ظهر قلب وقبل دخولي إلى المدرسة عدداً كبيراً جداً من القصائد من مختلف عصور الشعر العربيّ, وقد صاحب هذا الحفظ وقوف على دقائق المعاني وجماليات الصياغة في أثناء تناشد هذه القصائد بين أفراد العائلة من أب وأمّ وعمّ وعمّة وجدّ,‏

ثمّ رغبة في إثبات المهارة وجدتني أكتب الشعر في المرحلة الإعدادية من الدراسة… في ذلك الشعر ـ وفق ما أرى الآن. كانت تقليدية ومهارة غالبتان. ومن أشعار تلك المرحلة لم أحتفظ إلا بما بقي في الذاكرة على الرغم من نشر بعضها. واذكر هنا أبياتاً من قصيدة طويلة كتبتها لمدرستي الابتدائية حين زرتها بعد ثلاث سنوات من مغادرتي إياها:‏

هنا الطفولة.. أنداء الحبور هنا‏

هنا صعاب المنى والمسلك الوَعِرُ‏

هنا عدوت, هنا ثرثرت في عجلٍ‏

هنا هَزئتُ بأستاذي.. هنا الصِغَرُ‏

تناقضات من الأهواء ما خطرت‏

بالبال إلا وكاد القلب ينفطرُ‏

ما كان أطيب أيامي وأجملها‏

لو أنّ مثل الأوالي كانت الأُخَرُ‏

* في خروج على تقاليد البيت الذي درجت فيه اطلّعت على الشعر الرومانسي, فقرأت عبد الباسط الصوفي وعبد السلام عيون السود, ووصفي قرنفلي, فوجدت حساسيّة مختلفة وجديدة عليّ في الشعور واللغة, فسُحرتُ, فكتبت مجموعة شعريّة صغيرة أسميتها "الدفتر الأزرق", نُشر معظمها, ولم أثبتها في مجموعة شعرية مطبوعة, منها:‏

أبليلةَ الدبين, أغنيتي‏

شردت على جزر من الزبدِ‏

ضاعتْ, وسحرُ الخوف ضيّعني‏

وبحثت عنكِ الدهرَ, لم أجدِ‏

كلّ الموانىء طوعُ أشرعتي‏

فأنا الغريب.. وقاربي بلدي‏

وجدير بالذكر أن التقليدين من شعراء مدينتي حمص من أصحاب عمي الشاعر عبد الرحيم الحصني كانوا غير مرتاحين للانحراف الذي مال بي عن جادّتهم بمثل هذا الشعر… ولعلّ تأثّري بآرائهم هو ما أخَّر اطلاعي على نحو جدّيّ على الشعر الحديث الذي كانوا يمقتونه.‏

* في المرحلة الإعداديّة هذه, وبعيداً عن البيت والشعر التراثي وعلوم اللغة, انفتحت على المترجمات, فقرأت, بالأجرة, في حديقة في وسط المدينة بعض أعمال أجاثا كريستي, وهمنغوي وألبرتو مورافيا ومارغريت ميتشل. ومكسيم غوركي ودوستويفسكي وتولستوي, فشعرت شعورين:‏

الفرح الغامر بهذا الاكتشاف, والقهر لوجود فنّ عظيم آخر يضاهي الشعر… ولكنّ الأهم من هذين الشعورين كان تذوّقي لما هو شعريّ خارج إطار الشعر..‏

* في المرحلة الدراسيّة الثانويّة, قرأت الشعر الحديث على نحو جدّيّ, بعيداً عن عقدة التقليدين التي يمثلها صالح جودت بقوله:‏

"وما الشطرتان سوى المقلتين وفاقد إحداهما أعورُ"‏

السيّاب وخليل حاوي هما من استوقفاني مليّاً من الرواد على الرغم من اطّلاعي على أعمال الآخرين: السياب بوجدانه الغزير, وحاوي برؤياه العميقة. أما على صعيد الشكل (والشكل لا ينفصل عن المضمون) فقد أدركت بعمق تحوّل الشعر من تابع خطَّيٌ إلى تابع من الدرجة الثانية حسب التعبير الرياضي أي من الخطّ ذي البعد الواحد إلى المساحة ذات البعدين, فعشت قلق تناغم الفكر والخيال مع هذا التطوّر في الشكل, ولعل في مجموعتيّ الشعريتين الأولى والثانية ما يعبّر عن ذلك.‏

* في مطلع حياتي الجامعيّة, كان حدثّاً كبيراً أن التقيت الناقد العربيّ الكبير يوسف سامي اليوسف الذي فتح لي بوابات الشعر العالميّ, ولفتني إلى ما ينبغي من ثقافة للشعر لاسيما في مجالي الفلسفة وعلم النفس, بالإضافة إلى ما هو أهمّ من ذلك, وأعني به المثاقفة التي نشأت جرّاء الحوار المستمرّ بيننا على بساط صداقة أعتزّ بها, فيوسف سامي اليوسف معلم في الأدب ونقد الأدب.‏

ما تقدّم كان, في نظري, تأسيساً لابدّ منه لأتابع المسير على طريق الشعر التي لا نهاية لها.. هذا التأسيس هو ما أتاح لي أن أقرأ في كتاب الوجود والحياة, وأن أعبِّر بما عبّرت به, وعبّرت عنه.‏

وللإجابة عن سؤالك صلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244