|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نبوءات العهد القديم في صلب الثقافة الأمريكية! أمريكا تنفذ المشيئة الإلهية ـــ عزمي خميس القسّ جيري فالويل أشهر زعماء اليمين المسيحي في أميركا, ورئيس أكبر إمبراطورية أصولية, وصاحب جامعة ليبرتي الدينية التي تخرج وعّاظ الكنائس, حيث يتبعه أكثر من 120 ألفاً منهم, وصاحب إذاعة دينية, ومؤسس منظمة الأكثرية الأخلاقية والذي زار إسرائيل عشرات المرات على متن طائرته الخاصة التي أهدته إياها إسرائيل, والتي منحته جائزة جابوتنسكي عام 1980, وصاحب البرنامج الإذاعي اليومي (ساعة الكتاب المقدس) والبرنامج التلفزيوني الأسبوعي الذي يبث مساء الأحد (جيري فالويل على الهواء) والذي يمارس الوعظ منذ أربعين عاماً, والمرتبط بعلاقات ضخمة مع العديد من الرؤساء الأمريكيين والزعماء السياسيين, والذي حرص الرئيس بوش الأب على التشاور معه عشية حرب الخليج, وقدم دعماً غير محدود لانتخاب الرئيس ريغان والرئيسين بوش الأب وبوش الابن. هذا القس يقول في إحدى مواعظه التلفزيونية (إن كل من يشير بإصبعه ـ مجرد إشارة ـ إلى اليهودي, فكأنما يضع إصبعه في عين الله, لأن اليهودي هو بؤبؤ عين الله). ويقول في كتاب (جيري فالويل واليهود) لمؤلفه ميريل سايمون (أكدت مراراً أن وجود مجتمع يهودي عالمي مزدهر لا يمكن تفسيره إلا بالرجوع إلى وعود ونبوءات العهد القديم بأن الله سيحفظ إسرائيل إلى الأبد). ويقول في ذات الكتاب (الشيطان هو عدو الله, والله قد اختار الشعب اليهودي وباركه لأنه عائلته المختارة, لذلك فالشيطان يحارب الله في الشعب اليهودي). ويقول أيضاً (أعتقد أن الله يستعمل مخلوقاته وسائل لتحقيق برنامجه لهذا الكون, وأنا شخصياً أشعر بمسؤولية كبيرة في تثقيف الشعب الأمريكي حول أهمية دعم إسرائيل والشعب اليهودي في كل مكان, وأنا أدرب آلاف الدعاة والوعّاظ الدينيين لحمل المسؤولية نفسها, ففي كلية ليبرتي المعمدانية وفي مدارسها نتولى تعليم 6 آلاف طالب عن أهمية هذه القضية). هذا القسّ الأمريكي وآراؤه هي مجرد نموذج من آلاف النماذج على طبيعة الثقافة الأمريكية التي تراكمت في أذهان معظم الأمريكيين منذ اكتشاف أمريكا على يد كريستوفر كولمبس وهجرات المستوطنين الطهوريين إليها وحتى يومنا هذا, والتي تشكل إسرائيل وحمايتها والدفاع عنها ـ باعتبارها جزءاً أساسياً من خطة الله الكونية لنهاية العالم وعودة المسيح ليحكم العالم من على عرش داوود ملك إسرائيل ـ محورها الأساسي, والمستمدة حرفياً من نبوءات العهد القديم التي تشكل حجر الزاوية بالنسبة لدعاة اليمين المسيحي اليهودي الذي صاغ ويصوغ الثقافة الأمريكية عن طريق آلاف الدعاة والمفكرين والمنظمات والمطبوعات والكنائس والإذاعات ومحطات التلفزة والصحف ووسائل الإعلام والقادة والزعماء في مختلف مفاصل الأجهزة الأمريكية الحساسة, حيث يتربع هذا اليمين الصهيوني المسيحي على قمة الحياة السياسية الأمريكية حالياً. في بحثه الهام والخطير حول التراث اليهودي ـ المسيحي في الثقافة الأمريكية والذي جاء في كتابه (من اجل صهيون) يقوم البروفسور فؤاد شعبان بمراجعة ومطالعة آلاف المراجع والمصادر والمخطوطات النادرة منذ بدايات الاستيطان في أميركا, وأدبيات التبشير والرحلات وكتب التاريخ والوثائق والخطب والمواعظ والمؤلفات, والمقالات الصحفية والمقابلات الإذاعية والتلفزيونية والإحصاءات والنشرات الممتدة على مدى التاريخ الأمريكي, وحتى يومنا هذا, ليقدم لنا هذه القراءة الرصينة والعميقة للنسيج الخطير الذي تشكلت منه الثقافة الأمريكية والتي يمتد تأثيرها ـ بفعل القوة الأمريكية الهائلة, ودور أمريكا العالمي ـ إلى مختلف أنحاء العالم, وخاصة منطقتنا العربية وفي البؤرة منها فلسطين والمقدسات الإسلامية, كدين وعقيدة وأماكن مقدسة, حاضراً ومستقبلاً. إن قارىء هذا الكتاب سيصاب بما يشبه الصدمة, أولاً للكم الهائل من الوثائق والمصادر والمراجع التي استند إليها المؤلف, والتي تقدم دليلاً علمياً ملموساً ولا سبيل لرده على صدقية هذه الرؤية الشاملة والعميقة للنسيج الحقيقي للثقافة الأمريكية التي تقود أقوى قوة في العالم حالياً, والتي تعمل على فرضها على كامل الكرة الأرضية, وعلى العالم العربي والإسلامي بشكل خاص. وثانياً: لهذا اليقين الذي يصل حد الهوس بنبوءات العهد القديم حول نهاية الزمان, وظهور المسيح في مجيئه الثاني, ودور أمريكا في هذا الظهور والتمهيد له ليحكم العالم من مدينة داوود/ القدس ومن هيكله هناك, واعتبار المؤمنين بهذا وبإسرائيل هم جيش القديسين الذي سيبيد جيوش الشيطان والكفار والذين هم أعداء إسرائيل. وثالثاً: هذه القداسة الطاغية التي يسبغها هذا اليمين الصهيوني على إسرائيل واليهود باعتبارهم شعب الله, وأن دعم إسرائيل وشعبها المقدس هي من واجبات المسيحي المؤمن. رابعاً: مدى هيمنة هذه الثقافة التوراتية التي تقرأ الحاضر والواقع على ضوء حرفية النصوص الواردة في العهد القديم, مما يعني عدم اكتراثها بكل المواثيق والقوانين الدولية ومصالح الشعوب والدول ما دامت تنفذ الإرادة الإلهية, وتمهد الطريق للمعركة الفاصلة في (مجدو) بين قوى الخير التي تمثلها هي وإسرائيل وبين الكفار وأعداء الله من الشعوب الأخرى وعلى رأسها المسلمون وأعداء إسرائيل. وجذور هذه الثقافة المتعصبة تبدأ حتى قبل اكتشاف أمريكا ذاتها, فقد كان كريستوفر كولمبس مكتشف القارة الأمريكية يؤمن بهدف آخر من وراء رحلاته الاستكشافية. فقد كتب إلى ملك وملكة إسبانيا فرديناند وإيزابيلا مرة يقول: (إنه يريد أن يكتشف ممالك ومدنا ًجديدة يضمها إلى التاج الإسباني, ويهدي شعوبها إلى الدين المسيحي, ثم يجندها فيما أسماه حرب الحياة أو الموت ضد إمبراطورية محمد, وأن هدفه النهائي هو استعادة الأراضي المقدسة, وخاصة القدس ومهد المسيح, تمهيداً لنزول مملكة الله على جبل صهيون). وأفكار كولمبس عن النبوءات المقدسة هي التي ساعدته على إقناع ملك إسبانيا وملكتها على تمويل رحلته. ولذلك يقول مؤرخو كتاب الأمة الأمريكية (إن كولمبس تصور نفسه رسول الوحي المستقبلي الكتابي, الذي ينبئ باستعادة القدس وهداية اليهود). لقد ترافق اكتشاف أمريكا مع ظهور حركة الإصلاح الديني البروتستانتية التي أنهت احتكار الكنيسة والكهنوت لقراءة الكتاب المقدس بلغات لم تعد معروفة لعامة الناس, ونشطت حركة ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات الأوربية, وظهرت عدة مذاهب متفرعة عن البروتستانتية, وكلها كانت تعتبر العهد القديم جزءاً أساسياً من الكتاب المقدس, بل إن بعضها كان يخص العهد القديم بمكانة تفوق مكانة العهد الجديد, وخاصة جماعة الطهوريين التي ازدهرت, وانتشرت في أمريكا, خاصة وأنهم كانوا من أوائل المستوطنين في الشمال الشرقي من أميركا الشمالية, وهذه المراجعة للكتاب المقدس وخاصة العهد القديم هي التي أحدثت التحول في النظرة لليهود, وأثارت الفضول حيال مفاهيم العهد والشعب المختار وأرض الميعاد وكل الأساطير التي وردت عن اليهود وديانتهم وأنبيائهم. وشارك في هذه المراجعة أوساط أكاديمية وكنسية, وبدأت تتسرب إلى صفوف العامة من الشعوب البروتستانتية, وكان من نتائجها أن خفت وطأة تهميش اليهود, وبدأ عهد جديد أعطيت لهم فيه أهمية خاصة في خطة الله للكون, وتمت إعادة ربط اليهودية بالمسيحية مما ولد المسيحية الغربية التي اصطلح على تسميتها ـ التراث اليهودي المسيحي ـ في أميركا بصورة خاصة, وهي التي يسميها اليمين المتطرف في أميركا (الصهيونية المسيحية). لقد تطور هذا الفكر في أميركا على مدى سنوات طويلة, فقد بدأ باعتقاد المهاجرين الأوائل من الطهوريين بوجود خطة إلهية شاملة للعالم, يلعبون فيها بهجرتهم إلى العالم الجديد دوراً هاماً باعتبارهم شعب الله المختار الذي اختارهم للخلاص من فساد العالم القديم وآثامه لإنشاء مملكة الله في الأرض الجديدة, ولذلك كانوا يشبهون أنفسهم بقبائل بني إسرائيل في هروبها من مصر إلى أرض كنعان, ولذلك هم في علاقة تعاهدية مع الله وشركاء في تنفيذ مهمة حددها الله لهم, وهي تشمل تنوير بقية أمم العالم وهدايتها وإنقاذها من الظلام, مما يجعل من الشعب الأمريكي مجتمعاً طهورياً يتمثل في كنيسة القديسين الأرضية, وهم بالتالي مواطنو مملكة الله المرتقبة, وهذه المعتقدات هي التي جعلتهم يعطون لبلدانهم الجديدة أسماء: مثل كنعان وبيت لحم وسيناء والناصرة, حيث يوجد في أمريكا حالياً على الأقل 12 مدينة وبلدة اسمها الخليل (هبرون) و6 مدن اسمها بيت لحم, بالإضافة إلى القدس والناصرة وغيرها. وهذه المعتقدات هي التي دفعت إلى ترسيخ القراءات الحرفية لنصوص العهد القديم وخاصة ما يتعلق منها بظهور المسيح, حيث ظهر رجال دين ومذاهب دينية مثل المجيئيين (الأدفنتست) والمورمون وغيرهما وكلهم يتمحورون حول انتظار عودة المسيح وإقامة مملكة الله, ونشطت التفاسير والتوقعات والحسابات التي تتحدث عن الموعد المنتظر لهذه العودة , وربطها بالأحداث السياسية والطبيعية التي تحدث في العالم. وكان المستوطنون الأوائل يؤمنون أن أميركا هي صهيون الجديدة وهي مكان تحقيق النبوءة, لكن مع حلول منتصف القرن التاسع عشر تحولت رؤيا صهيون الأمريكية من الجغرافيا الرمزية إلى الجغرافيا الواقعية, حيث شهد ذلك القرن تدفق الرحالة الأمريكيين إلى المشرق العربي والأراضي المقدسة, وكان من الملفت للنظر إصرار هؤلاء الرحالة والحجاج على اتباع خطى بني إسرائيل في خروجهم من مصر إلى أرض كنعان/ فلسطين حيث كانوا يبدؤون رحلتهم من مصر عبر سيناء والبحر الأحمر إلى فلسطين. وتبيّن كتابات هؤلاء الرحالة والحجاج ورجال الدين حرصهم على دعم اليهود في استعادة الأراضي التي دنّسها (المحتلون) وبعضهم أقام هناك وأنشأ مستوطنات أمريكية انتظاراً لمجيء المسيح وتحقيق نبوءة إعادة بناء القدس كما تروي الرحالة الأمريكية آني شو, وكما فعلت أيضاً ليدي ماريا شولر التي استوطنت في القدس وكانت تعمل من أجل ما تسميه معالجة آلام اليهود, حيث تشرح في رسالة لها عام 1859 الأوضاع السائدة في القدس والأراضي المقدسة والآيات التي تنبىء بقرب نزول مملكة الله, وكان الشرط الرئيسي لتحقيق تلك النبوءة هو (إعادة اليهود إلى فلسطين), كذلك فعلت عائلة سبافورد الزوج هوراشيو والزوجة آنا اللذان غادرا إلى فلسطين عام 1881 وأنشأا مستوطنة في القدس انضم لها عدد من الأمريكيين الذين قالوا (أردنا أن نكون هناك حيث نستطيع أن نرى بأم أعيننا تحقيق النبوءات). وهكذا تصاعدت حمى الدعوة إلى عودة اليهود إلى أرضهم (الشرعية) التي أفرزتها هذه القراءة الحرفية لنصوص العهد القديم, ولم تعد هداية اليهود شرطاً عند اليمينيين المتطرفين لعودة اليهود إلى أرض الميعاد. كما بدأت تتبلور رؤية هؤلاء المتطرفين تجاه العرب والمسلمين سكان الأراضي المقدسة حيث يقول ج.ف. سميث مؤلف كتاب (رحلة الحج إلى فلسطين) إنه توصّل إلى (أنه لم ير أي أمل في هداية المسلمين لأن المسيحية كما يقول لا تقدم أي إغراء لغزاة سورية المنحطين أخلاقياً) ويستنتج سميث من ذلك (أنه إلى أن يستأصل السكان الحاليون من هذه الأرض ويحل محلهم عرق أسمى فلن يجد الكتاب المقدس قبولاً إلاّ من القلائل من الناس). وهذه الرؤية التي عبّر عنها سميث في القرن التاسع عشر ستصبح محور القناعات الأمريكية, بل ومحور السياسات الأمريكية تجاه المنطقة وتجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي, بعد أن أصبحت هذه الثقافة وهذه المعتقدات في صلب نسيج المجتمع الأمريكي, بل يمكن القول إنها أصبحت تشكل الدين الأمريكي الذي يتفق كثير من المفكرين الأمريكيين والمؤرخين على تسميته الدين المدني. لكن هذا الدين المرتكز على نصوص العهد القديم ونبوءاته الخاصة بإسرائيل وعودة المسيح وإقامة مملكة الله في القدس أصبح النقطة التي يلتقي عليها كل الرؤساء الأمريكيين وأصبحت الاستعانة برجال الدين المؤثرين وزيارة مقرات مثل هذه المنظمات والكنائس من الأمور اللازمة والأساسية لكل مرشح للرئاسة, بل إن شرط نجاح أي رئيس أمريكي هو دعم هذه المنظمات الدينية له وكذلك دعم المحافل اليهودية, ففي كل الحملات الانتخابية للرئاسة كان المرشحون يقصدون منظمة (بناي بريث) اليهودية ويحضرون مؤتمراتها السنوية ويتسابقون في تقديم الوعود بدعم إسرائيل والالتزام بسلامها وأمنها. ومثل هذه النشاطات كانت تحدث بمباركة من اليمين المسيحي. حدث هذا مع بوش الأب والابن وكلينتون, وجيمي كارتر وريغان وليندون جونسون وهاري ترومان وغيرهم, وكان تحقيق النبوءات الخاصة بعودة اليهود إلى أرض الميعاد تمهيداً لعودة المسيح إلى القدس هو الدافع والهاجس الدائم لهم, حيث قال نائب رئيس الجمهورية آل غور عند زيارته لإسرائيل عام 1977 عن هدف الزيارة (لقد جئت احتفل معكم بتحقيق نبوءة عمرها ثلاثة آلاف عام) فيما قال رئيس مجلس النواب الأمريكي نيو غينغريتش خلال زيارته لإسرائيل بمناسبة الذكرى الخمسين لاحتلال القدس (جئت لإسرائيل بقصد الاحتفال مع الشعب الإسرائيلي باستعادة مدينة القدس, مدينة الملك العظيم) ويقول تيموثي ويبر أستاذ تاريخ الأديان (إن الكتاب المقدس يدخل في مركز ثقافة الأمة الأمريكية وفي مدارس الأحد تأخذ خريطة الكتاب المقدس, وقصصه مكان الصدارة وتصبح هذه الأراضي أراضي اليمين المسيحي ووطنه, فنظرة الأيفانجيليين إلى الكتاب المقدس تعطيهم حق ملكية الأراضي المقدسة, وأرض الميعاد تعني لهم ما تعنيه للإسرائيليين) ويتطرق المؤلف إلى موضوع رؤيا نهاية الزمان وهوس اليمين المسيحي بها, وانشغال الرؤساء بمعركة مجيدو,ويورد ما كتبه مايكل أورتيزهيل مؤلف كتابين عن رؤيا نهاية الزمان, عن الفكر الديني للرئيس بوش الابن, حيث يقول هيل: (إن بوش تعلم من القس بيلي غراهام أن عليه أن يعيش بانتظار المجيء الثاني, إلا أن صداقة بوش مع الدكتور طوني إيفانز هي التي شلت تفكيره السياسي وسلوكه بانتظار نهاية الزمان, وايفانز هو راعي كنيسة كبيرة في دالاس ومؤسس حركة "حراس العهد" وهو الذي علّم بوش كيف يجب عليه أن ينظر إلى العالم من وجهة نظر الإله, كما أن إيفانز وقادة حركة حراس العهد يؤمنون بعقيدة نهاية الزمان وبأن الوسيلة الوحيدة لإنقاذ العالم هي أن يستولي عليه شعب الله). ويضيف هيل (ليس من المستبعد أن يكون بوش مصمماً ـ عن وعي أو غير وعي منه ـ على تنفيذ خطة الله, إن سياسته العاتية حيال الشرق الأوسط تدل على هذا وعلى أنه يعتبر نفسه مكلفاً بمهمة من الله). ويورد أيضاً ما كتبه جاكسون لير في نيويورك تايمز حيث قال: (عندما كان بوش حاكم ولاية تكساس صرح باعتقاده أن الله أراد منه أن يرشح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية). وهذا الهوس بالنبوءات وبأن أمريكا وقادتها ينفذون إرادة الله هو الذي دفع الرئيس السابق جيمي كارتر أن يكتب في نيويورك تايمز في 8/3/2003 قائلاً (إن تغييرات جذرية تحدث الآن في سياسة أمريكا الخارجية, وأنا كمسيحي ورئيس جمهورية سابق أعتقد أن حرب أمريكا على العراق ليست حرباً عادلة, هذا هو رأي معظم القادة الدينيين في كل أنحاء العالم, فيما عدا بعض المتحدثين باسم مؤتمر المعمدانيين الجنوبي الذين يتأثرون لدرجة كبيرة بالتزامهم حيال إسرائيل وبعقائد الأيام الأخيرة). ورغم أن المعتقدات الصهيونية المسيحية اكتسبت قوة وتنظيماً في القرن العشرين إلا أنها مستمدة من أفكار لها أصول في أمريكا في القرن التاسع عشر دون أن توصف بالصهيونية المسيحية, فمنذ منصف القرن التاسع عشر راحت سيدة أمريكية اسمها ايلين هوايت تدعو إلى آراء ويليم ميلر الألفية, وأسست مع بعض الدعاة مذهب (مجيئيو يوم السبت) حيث أضافوا إلى مبادئهم يوم اليهود المقدس, وفي الثمانينات من القرن التاسع عشر راح المجيئيون يدعمون الأفكار الصهيونية وهجرة اليهود إلى فلسطين واستيطانها, وللإسراع في هذا المشروع أنشأ بعض من أتباع هذه الكنيسة تتزعمهم سيدة أسمها كلوريندا ماينر مستوطنة قرب حيفا عام 1849 أطلقت عليها اسم (جبل الأمل), وكان تشارلز راسل قد أسس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر منظمة دينية اسمها (إنجيل برج المراقبة) وجمعية (النصوص الدينية) يدعو فيهما إلى عودة اليهود إلى أرض الميعاد وتأسيس دولة لهم إعداداً للمجيء الثاني للمسيح, كما أعلن أن عام 1878 سيكون عاماً حاسماً في تاريخ اليهود حيث ستبدأ فترة من الخلاص التلقائي والرحمة لليهود بفضل العهد الإبراهيمي. وهكذا تعتقد هذه الفئات اليمينية اعتقاداً يقينياً بأن دولة إسرائيل السياسية هي دون أي شك إسرائيل الكتاب المقدس والنبوءات, وترى في إنشاء دولة إسرائيل تحقيقاً لجزء رئيسي من خطة الله للكون ونهاية الزمان. ولا يقف الأمر عند هذا الحد, فقد انتقل المجتمع الأمريكي من مرحلة إعادة تأهيل اليهود إلى مرحلة تقديس الشعب اليهودي لأنه على علاقة تعاهدية مع الله, وكما لاحظ المؤرخ الأمريكي هدسن: أصبحت (اللاهوتية العهدية) لدى الكثير من اليهود تحدد هوية الشعب اليهودي في إطار علاقته مع الله, ونصّت هذه اللاهوتية العهدية على أن الله قد عقد عهداً مع اليهود يحملهم فيه مسؤوليات ومهاماً خاصة لها معنى وتأثير كبيران في حياة البشرية جمعاء. لكن دعاة الألفية ونهاية الزمان أمثال جون هاجي, وجيري فولويل, وبيلي غراهام, وبات روبرتسون من المتطرفين ذهبوا أبعد من ذلك حين ادعوا أن قدسية اليهود وأولويتهم هي أيضاً لكون نبي المسيحية رجل يهودي! وكنتيجة حتمية لهذه المعتقدات المتطرفة تشكل موقف هذه الجماعات من الإسلام منذ البداية وتصاعد مع مرور السنين. فقد استعمل هذه المعتقدات البابا أوربان الثاني حين أعلن أن (إرادة الله تقتضي بشن الحروب الصليبية لتخليص الأراضي المقدسة من المسلمين) فالقضاء على الإسلام في عقيدة الألفيين الساعين إلى نهاية الزمان هو خطوة لابد منها لتحقيق هدفهم الأسمى وهو التعجيل بالمجيء الثاني للمسيح ودخول مملكة المسيح الأرضية, من أجل ذلك كان لابد لهذه الفئات اليمينية من وضع الإسلام والمسلمين في جيش الشيطان, والتأليب عليهم, وبث بذور الكراهية والبغضاء ضدهم. مثال ذلك عندما عمد السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي عام 1991 بوصف الإسلام (بالشيوعية الجديدة), أما أيموس برلمونر فقد كتب في صحيفة وول ستريت جورنال عام 1982 يقول (إن على الغرب والمسيحية والشيوعية أن يدركوا أن الخطر الذي يحدق بهم جميعاً هو الإسلام الشعبي الذي تتزايد قوته). أما جيري فالويل القس الشهير وأحد زعماء هذا التيار المتعصب فقد ظهر في الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول عام 2002 على شاشة التلفزيون في عدد من البرامج منها (ستون دقيقة) و(Hard Ball) شن فيها حملة شنيعة ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وضد الإسلام, واتهم النبي محمد بالإرهابي القاتل الذي يدعو أتباعه للقتل والتدمير, وكرر هذا القول على الإذاعة والتلفاز وفي الصحف والمجلات. ويقول فالويل: (إن الأيديولوجية الإسلامية من حيث الأساس سوف تبقي الدول العربية في صدام مع الغرب, ولهذا لا يمكن أن يكون هناك تعايش مسيحي ـ إسلامي,مثل التعايش المسيحي ـ اليهودي). ويورد المؤلف معلومات مستفيضة عن أبرز قادة اليمين المسيحي المتطرف في أميركا ذوي النفوذ الهائل أمثال بيلي غراهام, وبات روبرتسون الذي يدّعي أن الله يتحدث إليه, وجون هاجي الذي تنبأ بنهاية إسرائيل إذا هي تخلت عن هضبة الجولان حسب فهمه لرؤيا نهاية الزمان, وتيم لاهاي, وهال ليندزي, وكلهم من المؤمنين بنهايات الزمان وخطة الله الكونية ومن مشاهير الخطباء والوعاظ, ومؤلفي الكتب عن نبوءات آخر الزمان, الذين لهم تأثير هائل على الجماهير والذي يستغلونه بشكل أساسي لدعم إسرائيل أولاً وأخيراً باعتباره مهمة مقدسة. ورغم أن نبوءات العهد القديم تقع في صلب هذه الثقافة المهيمنة في أميركا, إلا أن دخول العالم في الألفية الجديدة قد أحدث موجة هائلة من التوقعات والنبوءات التي تشير إلى اقتراب نهاية العالم, ونزول مملكة الله, ونشرت آلاف الكتب, وعرضت آلاف البرامج التلفزيونية, ونشرت المجلات والدوريات المتخصصة بهذا الموضوع, واكتظت شبكة الانترنت بمئات المواقع المكرسة لموضوعة نهاية الزمان ومجيء المسيح, وكلها تتفق على أن إسرائيل السياسية هي مركز النبوءات المقدسة لهذا دعمت الأصولية المسيحية المتطرفين واليهود في كل ما قاموا ويقومون به من أعمال وحشية ضد الفلسطينيين, وقد تنبه إلى ذلك الكاتب الديني بول جيرسيد الذي قال في مجلة الدورية الكاثوليكية اليسوعية التي تصدر في أميركا (إن الادعاء بسياسة لاهوتية, وخلق شعب مختار مبني على عناصر عرقية ودينية يعني خلق مشكلة حادة مباشرة بين هذا الشعب وجيرانه, واللجوء إلى الكتاب المقدس لحل مشكلة سياسية هو استغلال للكتاب المقدس دون حس تاريخي أو إحساس بالمسؤولية). ويلخص البطريرك أغناطيوس هزيم عملية تحريف النصوص المقدسة التي يقوم بها المتطرفون في أميركا بقوله (المسيحية الشرقية لا تزال مكبوتة إلى حد ما, والمسيحية الأميركية والغربية تعرضت لجهود التهويد, إذ إنها تعود إلى العهد القديم دون الإنجيل, ودون المسيح). كما يورد المؤلف في كتابه الهام معلومات مفصلة حول تأويلات هؤلاء المتطرفين المهووسين بالنبوءات, للنصوص وربطها بالأحداث المعاصرة وتوقعاتهم لنزول المسيح, والمعارك التي ستحدث في نهاية الزمان وخاصة ظهور يأجوج ومأجوج ومعركة مجيدو وظهور المسيح الدجال, ثم انتصار المسيح على جيش الشيطان, وتأسيس مملكة الله التي يحكمها المسيح لمئة ألف عام. إن ما يورده كتاب الدكتور فؤاد شعبان من معلومات, يشكل صيحة تحذير ضخمة للعرب والمسلمين, كي يفتحوا أعينهم على حقيقة ما يراد بهم, وما يخطط ضدهم من قبل أعتى قوة في العالم. إن السياسة الأميركية التي يقودها اليمين المتطرف حالياً, لا تتصرف وفق قواعد القانون الدولي, ولا وفق الأعراف السياسية, بل تسير وفق قناعات مسبقة وراسخة لها صفة القداسة, مستمدة من إحساسهم الطاغي أنهم ينفذون إرادة الله, فهم المكلفون بتنفيذ مشيئته, وهم العارفون بخطته الكونية كما يقرؤونها في العهد القديم, فلا عجب, والحالة هذه, أن يكون اليمين الأميركي أشد صهيونية من اليهود الصهاينة, وأشد حرصاً على إسرائيل من بعض الإسرائيلين. أميركا التي تشرع أسلحتها الفتاكة تحت عنوان محاربة الإرهاب, ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان, إنما تقدم الدليل الصارخ على أنها نموذج الإرهاب المخيف الساعي لإخضاع العالم لها باعتبارها قوة الخير التي تحرس شعب الله المختار!! كتاب يحوي على أخطر المعلومات, فهل من يقرأ, أم ننتظر حتى يداهمنا الطوفان؟!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |