|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحاجة إلى المقدس ـــ عبد الباقي يوسف بظني أن أقرب تعريف للإنسان الفاشل هو أنه إنسان تخلو حياته من المقدسات. مفهوم المقدس يختلف من شخص لآخر, هناك أشخاص تتحول الرموز الإنسانية المتألقة بالنسبة إليهم إلى المقدسات, سواء كانت سياسية, أو قومية, أو دينية, أو إيديولوجية, وقد نرى أشخاصاً تتحول أحداث ما في التاريخ إلى مقدسات إلى جانب أشخاص يتحول العمل بالنسبة إليهم إلى مقدس. كما إن مفهوم المقدس قابل للاختلاف, فالمقدس ذاته يكون بدرجات وفق الموقع الذي يكون فيه. المقدس هنا ليس قمعاً للحرية قدر ما هو ضبط للإنسان كي لا يخرج عن المنظومة الإنسانية لعامة الناس الذين يشاركهم عناصر ومقومات الحياة البشرية. الإنسان ليس بوسعه أن يعيش بشكل سوي ويتمتع بدفء اجتماعي, وتكاتف إنساني إذا خلت حياته من الحرمات, والتابوات, والخطوط الحمراء. هناك ضوابط نراها حتى لدى أفتك الحيوانات المتوحشة, فهذا الحيوان البالغ الشراسة لا يتخلى عن واجبه في إطعام مولوده, ثم إنه لا يقدم على افتراس مولوده. وحتى الحيوانات الواهنة فإنها تقوم بتأمين عش آمن لها تغفو فيه حرصاً على حياتها. ونرى أشكال الانضباط في حياة النبات والمياه, والتراب, فأنت عندما تقوم بتلويث مياه في حفرة أو في إناء فإن هذا الماء يقوم بمحاولة التخلص من التلويث ولا يهدأ قبل أن يعود نقياً, ومهما أردت أن تغير من ألوان الأشجار, أو تقطع من أغصانها, أو حتى تبترها من الجذع, فإنها تعود إلى ما كانت عليه كل شيء يعود إلى طبيعته وفطرته. المقدس والحرية وهنا يمكن تأويل مفهوم الحرية إذ إنها لا تكون دوماً في الإباحة المطلقة, بل قد تكمن روحها في الالتزام والضبط, فالماء يختار أن يكون حراً في عودته إلى النقاء, والشجرة تختار أن تكون حرة في مداواة جروحها والعودة من جديد بصورة بهية, والإنسان يختار أن يكون حراً وهو يتقيد بالنواميس. فأنت تكون حراً قدر حفاظك أن يكون الآخرون أحراراً, وإن وهبت نفسك حرية أن تقمعهم في معتقداتهم, عليك أن تمنحهم ذات الحرية حتى تكون لهم حرية أن يقمعوك في مذهبك. ممارسة الحرية في دائرة الشخص ذاته الذي يمارس إيقاعات هذه الحرية, وهو يتمتع بحرية أن يفعل ما يشاء في دائرته, وفي اللحظة التي فيها هذا الشخص ويتولى نداءات عامة لتعميم هذه الطقوس فإنه يخرج عن حريته ويأتي على حريات الآخرين. ثمة مجتمعات تضفي على الديمقراطية حالة من القدسية, وفي جميع الظروف لا يجوز المساس بالديمقراطية كسبيل لتداول السلطة وقيادة البلاد, وهي من المقدسات الثابتة التي لا يمكن لأحد أن يتجاوزها تحت أي ظرف فإذا انتهك شخص حرمة هذا المقدس وقفت البلاد كلها وبشتى أنماط تفكيرها في وجه هذا المنتهك لحرمة المقدس لدى ذاك المجتمع. وثمة مجتمع يقيم على حدود هذا المجتمع, بيد أنه يضفي على الوراثة في تداول السلطة وقيادة البلاد هالة من القدسية, فالملك, أو الأمير نفسه وبقرار فردي شخصي يقوم بتعيين خليفته, المجتمعان هنا يختلفان, بل يتناقضان, بيد أن المقدس لديهما هو مقدس واحد لا يمكن لأحد أن ينتهكه تحت أي ظرف. فهذا المجتمع يجد حريته الكاملة في تمسكه بهذا المقدس, كما إن المجتمع الآخر يجد حريته المطلقة في تمسكه بذاك المقدس. وتأتي إلى وقائع الحياة الاجتماعية اليومية لدى المجتمعات البشرية, فترى أنماطاً تقدس حرية الإنسان المطلقة لأنه سيد الكون ويجوز له أن يفعل ما يشاء دون أي ضابط شريطة ألا يلحق الأذى بأحد, فهو يتمتع بحرية أن يخرج من أي دين أو يدخل أي دين, وحرية أن يخرج من أي حزب, وينتمي إلى أي حزب, وحرية في أن يتخذ صديقه, أو يتخذ صديقاً مهما كانت صفة خصوصية هذه العلاقة. كل رغبة تخطر له تكون مسموحة دون أي محظورات ما دام لا يوجد هناك مَنْ يلحقه أذى نتيجة ممارسته لهذه الرغبات. ولكن هذه الحرية المفتوحة تتوقف نهائياً في اللحظة التي يلحق بها هذا الشخص الأذى ليس بإنسان فحسب, بل حتى بحيوان, أو نبات. وتأتي إلى مجتمعات مجاورة, فترى الفرد فيها مرتبطاً بالمجتمع وليس مستقلاً عنه كما في المجتمع الآخر. فالمجتمع هنا لا يسمح له أن يتمتع بتلك الحرية التي يتمتع بها ذاك الشخص, فهذا الفرد ليس له أن يستبدل دينه, وليس له أن يتخذ من صديقات أو أصدقاء وفقما يشاء, ليس له أن يكون كذاك الشخص مهما قدم من مبررات, إنها المقدسات ذاتها التي تبيح لذاك الفرد في ذاك المجتمع, ولا تبيح لهذا الفرد في هذا المجتمع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |