جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لماذا لا يكون الأمين العام للأمم المتحدة عربيّاً؟ ـــ محمد أحمد الخطيب

بطرس غالي أميناً عاماً للأمم المتحدة‏

تولي الدكتور بطرس بطرس غالي مسؤولياته أميناً عاماً للأمم المتحدة في أول كانون الثاني/ يناير من عام 1992. وقد وضع الأمين العام نصب عينيه أولوية تعزيز منظمة الأمم المتحدة, وتمكينها من اغتنام الفرص المتاحة في أعقاب الحرب الباردة وتحقيق غايات الميثاق وأهداف السلم والتنمية والديمقراطية.‏

والدكتور بطرس بطرس غالي على صلة وثيقة منذ زمن طويل بالشؤون الدولية, بوصفه دبلوماسياً وخبيراً في القانون وعالماً وكاتباً نشرت مؤلفاته على نطاق واسع, وكان عضواً في لجنة القانون الدولي من عام 1979 وحتى عام 1991, وعضو سابق في لجنة الحقوقيين الدولية, ولديه صلات مهنية وأكاديمية عديدة ترتبط بخلفية في مجال القانون الدولي والشؤون الدولية والعلوم السياسية ومنها عضويته في معهد القانون الدولي والمعهد الدولي لحقوق الإنسان والجمعية الأفريقية للدراسات السياسية وأكاديمية العلوم الأدبية والسياسية (الأكاديمية الفرنسية ـ باريس).‏

وفي 31 كانون الثاني/ يناير دعي الدكتور بطرس غالي الأمين العام في أول جلسة لمجلس الأمن تعقد في تاريخه على مستوى رؤساء الدول والحكومات إلى إعداد تحليلٍ وتوصياتٍ بشأن طرائق تعزيز قدرة الأمم المتحدة في ميادين الدبلوماسية الوقائية وصنع السلم وحفظ السلم, وقد أضفى الأمين العام على أبعاد السلام هذه مفهوم آخر هو مفهوم بناء السلام بعد انتهاء الصراع وقد نُشر تقريره المعنون "خطة السلام" في 17 حزيران/ يونية 1992.‏

لقد كانت تجربة بطرس بطرس غالي كأمين عام للأمم المتحدة فريدة بكل المقاييس فقد شَغَل منصبه هذا في فترة تاريخية غيرِ مسبوقة أعقبت الحربَ الباردة وشهد العالم خلالها أحداثاً يندر أن يتكرر تواترُها وعنفُها فضلاً عن موقف الولايات المتحدة منه شخصياً.‏

وفي كتابه "خمس سنوات في بيت من زجاج" يكشف بطرس غالي الكثير من الأسرار, معركتَه الأولى والأخيرة في الأمم المتحدة حول قضايا عربية, رسالة قبل وبعد انتخابه أميناً عاماً إلى رئيس وزراء إسرائيل, أمريكا لا تؤمن بالدبلوماسية بل بالقوة. رسالة إلى إسرائيل ورد من أمريكا, تواطؤ القوات الإيطالية في الصومال, سحل جندي أميركي في مقديشو وسط تهليل أنصار عيديد. هل كان بطرس غالي يملك مزرعة في الصومال وصادرها عيديد.؟ كلينتون يكيل له الثناء وبعد شهرين أمريكا تفتح عليه النار لماذا رفض بطرس غالي البقشيش الأمريكي بالتمديد له لمدة سنة؟ أولبرايت تُخيرُ رؤساءَ الدول بين صداقة كلينتون أو غالي. رحلة كريستوفر إلى أفريقيا لتهديد حكوماتها, مانديلا يعلن بطرس غالي ابني بالتبني. وزيرةُ خارجية أمريكا تعلن "ليس بوسع الأمم المتحدة أن تفعل إلا ما تسمح لها أمريكا به. العشاء الأخير مع اولبرايت.‏

ولا يسعى الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي في هذا الكتاب إلى تحسين صورته أو سياساته أو الدفاع عن مواقفه بل يتحدث بصراحة وشجاعة عن كل شيء بما في ذلك ما جانبه الصواب فيه. وفي هذا يروي الكثيرَ من الأسرار والطرائف والحكايات التي كان أبطالُها رؤساءَ الدول والحكومات.‏

ولقد أهدى الدكتور بطرس غالي الكتاب إلى رجال الأمم المتحدة ونسائها مدنيين وعسكريين على السواء الذين بذلوا جهودَهم ومواهبَهم وعلمهم وفي كثير من الأحيان حياتَهم من أجل قضية السلام والتنمية والديموقراطية للشعوب كافة.‏

ويقول الدكتور بطرس غالي في نهاية كتابه بفقرة كلمة لابد منها:‏

"دفعني عدم الرغبة في استنفاد صبر القارىء ودواعي اللياقة إلى الحرص على ألا يتضمنَ هذا الكتاب غيرَ جزء من السنوات التي قضيتها أميناً عاماً للأمم المتحدة, فهو لا يتناول قصةَ النجاح المرموق الذي تحقق في السلفادور أو غيره من إنجازات الأمم المتحدة التي لا يمكن إنكارُها مثلَ دورها الحاسم في المساعدة على إنهاء الفصل العنصري أو في تيسير انتقال موزامبيق من مجتمع مغلق إلى مجتمع مفتوح كما أنني لم أتناول مشكلاتٍ معينة ما زالت تشغل الأمم المتحدة على الرغم مما بذل فيها من جهد ووقتٍ على امتدادِ سنوات طويلة مثلُ قضية قبرص وقضية الصحراء الغربية وقد انصبَ اهتمامي في هذا الكتاب على أكثر مشاكل الأمم المتحدة إثارةً للجدل وأشدها صعوبة وأكثرها تعدداً للاحتمالات.‏

وبعدما استخدمت الولايات المتحدة (الفيتو) لمنع إعادة انتخابي كأمين عام للأمم المتحدة انتشرَ تصورٌ بأني لابد قد اتخذت موقفاً مناوئاً للولايات المتحدة منذ البداية وأنه لابد أن ابتعادي عنها قد ازداد عمقاً نتيجة لأني الأمين العام للأمم المتحدة الذي لم ينلَّ حقَه في التجديد لولاية ثانية.‏

وهذا الكتاب يروي الكثير من المواجهات الصعبة وأي انتقاد يرِدُ في الصفحات هو نتيجةُ خيبةُ الأمل لأن إعجابي بالولايات المتحدة لم ينقص مطلقاً.‏

وأملي أن تسمحَ الولايات المتحدة التي أنشأتِ الأمم المتحدة في عام 1945 لتلك المنظمة بإنجاز ما وعدت به في البداية.‏

لقد كان الدكتور بطرس غالي يركزُ في محاضراته على أهمية استقلال الأمين العام, على النحو المفروض في ميثاق الأمم وعلى الحاجة الملحة لإيجاد وسائلَ جديدة لتمويل عمليات الأمم المتحدة نظراً لأن الولايات المتحدة رفضت أن تدفعَ الاشتراكات المستحقة عليها.‏

ويذكر الدكتور بطرس غالي بأنه تلقى اتهامات وهجوماً مستمرين من جانب السيناتور "بوب دول" المرشح الجمهوري الرئيسي لمنصب الرئيس وكان نطقه الساخر لاسمي "بو ـ طروس, بو ـ طروس" يبدو وكأنه صوتُ جمهورٍ يهزأ بي, كما كان يزعمُ أني أريدُ قواتٍ أمريكية تحت قيادتي مما كان يثير دائماً جمهور المستمعين له.‏

وكان المرشحون من اليمين يقولون للأمريكيين إن الأمم المتحدة هي مؤامرة عالمية لسرقة سيادتهم أن "طائرات الهليوكوبتر السوداء" التابعة للأمم المتحدة تحلق فوق جبال روكي استعداداً لاستيلاء الأمم المتحدة على البلاد.‏

كما كان أبسطُ تفسيرٍ لتعنت مادلين أولبرايت ضدي هو الحكومة الأمريكية تريد أن الأمين العام معها مائة بالمائة وإذا كنت موالياً بنسبة 99% فهذا لا يكفي فهم يُريدون أن يكون الأمينُ العام للأمم المتحدة عميلاً لهم.‏

الدكتور بطرس غالي والعالم العربي وإسرائيل‏

مثلما كان التزامي نحو إفريقيا موضوعاً متصلاً طوال السنوات التي قضيتُها في الأمم المتحدة, وفرْت هويتي المرتبطة بالعالم العربي خلفيةً دائمة لعملي, إن العلاقات بين الأمم المتحدة والعالم العربي معقدة وصعبة, فقد أسهمت الأمم المتحدة في تصفية الاستعمار في غالبيةِ الدول العربية وفي إيجاد إسرائيل, ولكنها قصرت عن حلِ مُشكلة تصفية الاستعمار في فلسطين, كما أنها لم تنجح في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي, ولم تؤدِ قراراتُ الأمم المتحدة والتي تُعد بالمئات, سواءٌ ما تبناه مجلس الأمن أو ما تبنته الجمعية العامة إلا في تعميق أزمة الثقة المزدوجة تجاه الأمم المتحدة, وبالنسبة لإسرائيل فإن الأمم المتحدة هي آلةُ حرب حقيقية مَهمتُها إدانةُ إسرائيل وعزلها وتقويض الدولة اليهودية.‏

وهي بالنسبة للعالم العربي منظمةٌ تابعة للولايات المتحدة على نحو يثير الغيظ, ولا تُطبقُ فيها القرارات الموالية للعرب المؤيدة للقضية الفلسطينية.‏

لقد كان الفيتو الأمريكي الأحمر ضد ترشيح بطرس غالي للمرة الثانية كأمينٍ عامٍ للأمم المتحدة رُغم التأييدِ الكاسحِ من الدول الأعضاء الأربعة عشر بمثابةِ ضربةٍ قاصمة وقاضية للديمقراطية والعدل والمساواة وضربةٍ تحت الحزام لدول العالم الثالث.‏

وكانت في الوقتِ نفسهِ وسامَ شرف على صدر بطرس غالي رُغم الحملة الأمريكية الشرسة ورغم مواقفه وجهوده التي لا يستطيع أحدٌ أن ينكرَها إلا جاحدٌ في إعادةِ الاستقرار للمناطق المشتعلة في العالم وما أكثرَها!.‏

وفي تقديري وتقديرِ كلِ منصف يبقى الدكتور بطرس غالي العربي الأصيل لديه المنزلة الرفيعة والخبرة الواسعة والاحترام والتقدير الدولي, والقدرة الذهنية والإبداع والمهارات الدبلوماسية اللازمة لقيادة مؤسسات مثل الأمم المتحدة, لكن كان الفيتو الأمريكي قد وُضِعَ على الدكتور بطرس غالي لالتزامه بقضايا أمته العربية والبشرية جمعاء فكان الفيتو الأمريكي.‏

وإذا كان الرجل موقفاً أولاً وأخيراً فلابد أن نبدأَ بالرجل وهو الدكتور بطرس غالي, وإذا كان لابد من أمين عام جديد للأمم المتحدة فلماذا لا يكون عربياً من آسيا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244