|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الشعر ديوان العرب ـــ د.عبد النبي اصطيف "الشعر ديوان العرب" شاء من شاء وأبى من أبى, والحديث عن عصر الرواية, وزمن الرواية, فضلاً عن نسبة هذا العصر إلى المنتجات الثقافية التي تبثها الوسائط المتعددة من أغنية شبابية, أو مسلسلات تاريخية أو اجتماعية أو بوليسية, أو أفلام روائية, أو برامج مسابقات, أو برامج علمية, أو برامج ترفيهية, لن يتجاوز عمق الجلد الذي ما إن يخدش حتى يتدفق ذلك الفيض من الأحاسيس والمشاعر والعواطف المرتبطة بفن القول الذي ما فتىء يشنف آذان العرب العاربة والمستعربة والمستغربة منذ ابن حذام وربما قبله وحتى يومنا هذا. وحسب المرء أن يشير إلى أمسية الشاعر العربي محمود درويش التي افتتح بها النشاط الثقافي المرافق لمعرض الكتاب الحادي والعشرين الذين تنظمه مكتبة الأسد الوطنية برعاية كريمة من السيد الرئيس بشار الأسد, والتي غص بجمهورها مدرج المكتبة الواسع مما اضطر إدارة المكتبة إلى وضع أكثر من سبعمائة كرسي خارجه للجمهور الذي تابع الأمسية من خلال الشاشة الواسعة التي شدت الأنظار بدرجة شدّ محمود درويش لأنظار جمهور المدرج. علماً أن الأمسية كانت تبث على الهواء من القناة الثانية للتلفزيون العربي السوري, ولكنه الشعر (وحب فلسطين أيضاً) ذاك الذي دفع الجميع إلى تلك الأمسية الجميلة التي سيذكرها جمهور دمشق طويلاً. أقول حسب المرء أن يشير إلى هذه الأمسية التي تألق فيها مشاعر طليعي Avant – garde حداثي Modernist وربما ما بعد حداثي Postmodernist ـ كمحمود درويش (فما بالكم لو كان الشاعر نزار قباني رحمه الله, أو عمر أبا ريشة اللذين كانت دمشق تزحف, مسؤولين ورعية, للإصغاء بمجامع القلوب إلى شعرهما الذي ما زالت الأجيال العربية تردده كلما ضاقت بها سبل القول, وعزّ على ألسنتها الإفصاح عما في القلوب), حتى يتبين أن العرب ما زالوا يقاومون تأثير كل تلك الفنون, وأن أياً منهم لم يشف بعد من عشق الشعر ـ هذا الفن الجميل الذي لا نود أن نبرأ منه في يوم, "وإن أسير الحب في أعظم الأسر". نعم "الشعر ديوان العرب", ولكن العرب لم يكتفوا بترديد هذه العبارة, ولا برواية ما يستهويهم من صفحات هذا الديوان, فانصرفوا إليه جمعاً وتدويناً ودراسة حتى استقام لهم من كل ذلك تقليد عريق في نقد الشعر ما زال علينا أن نكتشفه أو نستكشفه بالتنقيب في نصوصه تنقيب علماء الآثار حتى نكشف عن كنوزه التي زهدنا بها زمناً فتنّا فيه بالغرب ونظرياته التي وهم بعضنا أنها يمكن أن تكون مفتاح أسراره, ولم يتنبه إلى أن المفتاح ينبغي أن ينبثق من التقليد الشعري نفسه لينصقل على أيدي النقاد أنظاراً ومعايير وأسساً ومبادىء وعناصر تنظم التفكير فيه ليغني به قارئه ـ يتألق عقلاً, ويطيب نفساً, ويتسامى روحاً, ولا عجب بعد هذا أن اتخذ أداة لشحذ الأذهان وتربية النفوس والعروج بالأرواح ـ أداة لتربية الناشئة وتعزيز إحساسها بهويتها وانتمائها إلى أمتها ووطنها. ومن هنا تأتي أهمية عمل مؤسسة كجائزة البابطين في عنايتها بالشعر جمعاً, وتدويناً, وتحقيقاً, ودراسة, وتدريباً على التذوق الشعري الذي شرفت بالانخراط فيه من خلال مشاركتي في الدورات التي نظمها قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق بالتعاون مع المؤسسة بمبادرة مشكورة من رئيس القسم السابق ووكيل جامعة دمشق لشؤون الإدارة والطلبة الأستاذ الدكتور علي أبو زيد الذي لا يزال على عهدنا به نشاطاً ودأباً ومثابرة يوظفها جميعاً في خدمة جامعة دمشق, والمؤسسات تبنى أبداً بالرجال قبل الأموال والحجارة التي لا تغني العلم والمعرفة والفن شيئاً. لقد عززت هذه الدورات دون شك اهتمام طلابنا بجزء مهم من موروثهم الأدبي, مثلما سعت إلى ترسيخ مكوّن حيوي من مكونات هويتهم العربية, وربما كان الإقبال المنقطع النظير عليها, والمثابرة الملحوظة على حضور جلساتها, والمشاركة المحفوزة بالمنافسة القوية في مسابقاتها مؤشرات واضحة على هذا الخير الذي حملته إلى محبي الشعر والراغبين في الارتقاء في تذوقهم له, والأهم من ذلك كله أنها جمعتهم على محبة هذا الفن الجميل, بينما يجتمع شباب اليوم في الغالب على أشياء أخرى مثل متابعة مباريات كرة القدم أو حضور حفلات المطربين الجدد, أو ارتياد المقاهي الشبابية وتدخين النارجيلة, ولعب الورق والنرد, أو ارتياد مقاهي الشبكة الدولية (الإنترنت) واستكشاف آفاق معرفية أو غير معرفية ترضي بعض نوازع نفوسهم, وتمتص ما تنطوي عليه أجسادهم من حيوية وطاقات, وتدغدغ بعض رغباتهم الجامحة في مجتمع لا يكاد يلتفت إليهم الالتفاتة الموضوعية المدروسة التي تتفهم واقعهم وتساعدهم على تحقيق طموحهم في مستقبل أفضل لأنفسهم ومجتمعهم وأمتهم. واجتماعنا1 اليوم الذي نحتفي فيه ببعض مظاهر هذا الخير الذي تحول من مجرد أمل إلى عمل ينبغي أن لا يصرفنا عن التفكير في التوسع في هذا الخير من خلال تنظيم دورات أخرى نخدم بها قضية الشعر العربي, كأن نفكر مثلاً في دورات تساعد الشعراء الشباب في كتابة الشعر, أو تدرس مشكلاته وقضاياه التي تؤرق هؤلاء الشعراء بشكل خاص, ومحبي الشعر العربي بشكل عام؛ وصعوبات ترجمته والمشكلات التي يواجهها مترجموه إلى اللغات الأخرى, أو تحلل ما خلّفته صلات التفاعل بينه وبين التقاليد الشعرية القومية الأخرى من آثار في مختلف عصوره, وما حفزته من قوى التغيير والتطور فيه. والمؤسسة فيما نعلم جميعاً تعنى بهذه الأمور من خلال دوراتها التي تنظمها كل عامين في بقعة ما من بقاع عالمنا, والتي تستضيف فيها الباحثين والدارسين من مختلف أنحاء الوطن العربي وتنشر لاحقاً بحوثهم ودراساتهم لتيسرها لجمهور أوسع, ولكن يبدو لي أن علينا أن نستهدف بنشاطاتنا كذلك جمهور الشباب, فهم النسق الواعد الذي سيقدم للأجيال القادمة الشعراء والنقاد والدارسين, ونحن بحاجة, أيما حاجة, إلى دماء الشباب نجدد بها جميع وجوه حياتنا, ولاسيما شعرنا الذي تغربنا, بسبب معضلة التواصل التي نعيشها جميعاً, عنه, وعلينا أن نبدّد هذه الغربة بينه وبين شبابنا إذا ما أردنا أن نضمن مستقبلاً مشرقاً حقاً لهذا الفن الذي فتن الأجداد والآباء من بني قومنا, وغداً, بعد تحول عالمنا إلى قرية كونية, موضع اهتمام وفضول واسعين في مختلف أنحاء العالم. إن أمامنا الكثير مما ينبغي عمله من أجل خدمة قضايا الشعر وصلاته بشباب العرب, وإذا نتطلع بواسع الأمل إلى المؤسسة الرائدة في هذا المجال, فإننا نعدها ـ ممثلة برئيس مجلس أمنائها الأستاذ الدكتور عبد العزيز سعود البابطين بأن نضم جهودنا في قسم اللغة العربية إلى جهودها, وأن نضع ما يمكن من طاقات وإمكانات في خدمة أهدافنا المشتركة, ليبقى لشعرنا العربي قدحه المعلّى في عالم اليوم. 1 الإشارة إلى حفل توزيع شهادات التخرج لدورتي جائزة البابطين في التذوق الشعري اللتين نظمهما قسم اللغة العربية وأدابها في العامين الأخيرين, وقد ألقيت في الحفل عدة كلمات كان من بينها كلمة صاحب هذه السطور بوصفه أحد أساتذة الدورتين, ورئيساً لقسم اللغة العربية وأدابها في جامعة دمشق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |