|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قطار حسن م. يوسف القصصيّ* ـــ نجم الدين سمَّان منذ كتبت عنوان هذي المقالة, لم أشعر لحظة بأني في "مأزق عاطفي", أو.. في حفلة عرسٍ, وعليّ أن أمدح العريس بما... ليس فيه!. وذاك لأن حسن م يوسف كائن قصصيّ... بامتياز, قبل كائنات قصصه, و... بعدها. وعلاقتي به: شخصاً وإبداعاً, طيلة خمسة وعشرين عاماً, كعلاقة صديقين لَدُودَيْن ـ وَدُودَيْن؛ والفارق بين المفردتين.. ليس مجرّد استبدال "واو" الودّ, بلام لكنّ وخالاتها!؛ من حيث أن الودّ في الصداقة.. وحده, يحرفها إلى "الإطراء" وهو كما تعلمون.. نصف الطريق إلى الغِوَاية, أما الغواية فهي نصفه الثاني إلى الخطايا. ما أكثر ما يرتكب المثقفون/ الأصدقاء من إطراءٍ فيما بينهم, لتمرَّ لحظةُ مكاشفةٍ واحدة فتُطيح بالودِّ كلّه, و... بالصداقة, لكن ربع قرن بيننا, أثبت كفاية مناعتنا ضدّ هذا الإيدز الثقافي, وفي صداقات المثقفين: حروباً ضروساً أو... إطراءً بمناسبةٍ وبغير... مناسبة. وإذاً.. وبالإحالة إلى العنوان.. فقد حجز حسن م. يوسف لنفسه قطاراً, من محطة القصة السورية المعاصرة, وكان خروج رحلته الأولى بقيادة الكابتن "العريف غَضْبان" خروجاً عاصفاً, حتى خِلْنَا أنه اختطف القطار وصاحبه, في فترةٍ شهدتْ فيه قصة السبعينات فورانات بركانية في محطة قطاراتها.. بعضها: توقف بعد خطوةٍ فعطس وتولَّى, تاركاً لنا دخانه على هيئة مجموعة قصصية يتيمة... لا أخت لها. بعضها الآخر... استمرَّ "مكانَكْ.. رَاوِحْ" يُرْعِد من احتباس غازاته... فيه!. والقليل منها.. انطلق عارفاً بسكَّته وبِسَمْتِ رحلته, ومنها: تجربة حسن م. يوسف, فما انقضت حقبة السبعينات حتى حَشَرنا "العريف غضبان" وراء جنازة المواطن "عبد الواحد عبد القهار" لنشهد موته الرمزيّ, على أمل قيامتنا فينا, وقيامتنا... فيه. على هذا الأمل الخائب.. كادت تنقضي حقبة الثمانينات في تجربة حسن, إلى ما يُشبه اكتشافنا لصورتنا في مرآة القصّ, كما.. لو أننا؛ من رعب اكتشافنا, قد أَحْكَمْنا على عبد الواحد عبد القهار... غطاء تابوته, فما كان لنا, سوى أن نتطهر بالسخرية المرّة من انكسار أحلامنا, لنجد حسناً طوال قصص تسعيناته يتغزّل بـ "الآنسة وَضْحة" والآنسة المَصُون.. تَنْطحه, وتَنْطحنا بالمفارقات الساخرة. في ظنِّي.. ويقيني؛ أن وعي الذات والعالم.. يبدأ من إعْمَال مِبْضَع السخرية في ذاتك, قبل ذوات الآخرين, وفي عوالمك الداخلية قبل العالم الخارجي, وفي لحظة الوجود... كسؤال جارحٍ يُضْحِكُك وهو.. يُدْمِيْك. أَمَا كانتْ "الآنسة وَضْحَة" تضحك منَّا.. علينا, فنضحك من صيرورة المآل الذي قد صِرْنا إليه/ مُستدبرين مع حسن م. يوسف: ألفاً ثانية من تواريخ نكساتنا, مُستقبلين معه أيضاً: ألفاً ثالثة بـ "أبٍ ـ قصصيّ ـ مُستعار"؟! لوهلةٍ... وعلى عهدي بالقطارات منذ محطة بغداد في حلب, وبالتروماي الكهربائي الذي من تَرْكَةِ الانتداب الفرنسي ما بين باب الحديد والجميلية حيث مقهى البلُّور؛ خِلْتُ قطار حسن م يوسف القصصي على سكَّتين مُتوازيتين طوال رحلته: الأولى: تقتنصُ المفارقة من الحياة ذاتها, لتُعيد إنتاجها قصاً.. بمنطوق شخصياتها وبجماليات البيئة والأمكنة, لحظة عبورها مِحْرَقَ أزمانها إلى أزمنة القصّ: نصاً يخطف من سيرورة الزمان... صيرورتهُ, ومن بُرْهة تخوُّلِهِ التراجيكوميديّ. وذاك أصعب ما يقتنصه القاصّ في قَصِّهِ, على الرغم ممَّا تُوحي به.. بساطة السرد وسلاسة الحبكة. المثالان الأبرز لهذا الخيار الفني, قصَّتا حسن: كومجي الأحلام ـ تابوت الفحل, وقصصاً غيرهما تندرج في السياق ذاته بمستويات متفاوتة. السِكَّة الثانية: تُعيد إنتاج الواقع من كَوْنه اختباراً ذهنياً... لوقائعيته, إعادة اكتشافٍ للمآل الإنساني؛ من كونه: فكرةً مجردة, أَو قناعة ثقافية, أو خياراً فكرياً, أو.. من موقف إيديولوجي؛ كما في قصّتيه: قيامة عبد القهار ـ استئصال حنجرة, كأبرز مثالين بوجود قصص غيرهما. تتفاوت أيضاً مستوياتهما ـ على الرغم من دلالة إهداء مثل تلك القصص: لسعيد حورانيه, فواز الساجر, سعد الله ونوس, سعيد مراد, بوعلي ياسين, ولكلّ من سينسرب بعدهم.. من الباب الضيق إلى أوسع التجربة. لم يخرج قطار حسن م. يوسف القصصيّ عن سِكَّتَيْه هاتين؛ إيثاراً للتوازن: وربما.. لسلامة الوصول!. بل.. إن حسناً قد بدا في أحدث مجموعاته "أب مُستعار" كالمُسْتَكِين لاشتغاله الأسلوبيّ والبنائيّ, ممّا عهدناه في تجربته, فمضى يُعَيد إنتاجهما, لا يَبْرَحهما إلى سِكَّةٍ ثالثة و... سابعة: تجريباً ومغامرة. ولأن القاصّ هو أسلوبه, ومن أسلوبه نُميُّزه.. لنلتقط دلالاته القصصية, ولأن حسن م. يوسف يتماهى مع قصصه, حتى لكأنه أحد أبطالها على الدوام, فقد لاحظت في قراءة سابقة لمجموعته الأخيرة "أب مُستعار" أنه برغم نَوْعَيِّ القصّ عنده, فوق قطارٍ على سكتين متوازيتين, لكنهما يصلان إلى المحطة الدلالية ذاتها. فَقِصَّتاه: تابوت الفحل واستئصال حنجرة من نَوْعَيْهِ المختلفين: أسلوباً وقصاً وبُنية, لكنهما: التابوت والحنجرة... رمزان مُؤجلان عملياً, فعبُّود مِحْرِزْ المُلقّب بالفحل؛ كان قد مات رمزياً في نكسة حزيران قبل موته الحقيقي في تابوتٍ.. اختاره بيديه, والكاتب.. كان قد عاش بحنجرة لا صوت لها, أو... لا صوت له... فيها, قبل استئصال حنجرته بعملية جراحية. كلاهما... كينونة داخلية دفعت ضريبة ما يقع خارج ذواتهما. ألا يُذكِّرنا ذاك... بدلالة الموت مرتين في قصة قيامة عبد الواحد عبد القهار... أيضاً؟!. بالموت... حياةً, ثم بالحياة.. كموتٍ مُؤجَّل, ومن ثمَّ.. بالموت الجسدي الذي لابدَّ للكائن... من بُدِّه. ثم.. إن قطار حسن م. يوسف القصصي على الرغم من طول رحلته, كان أشبه بقطار الشرق.. البطيء, بل... إن رحلته كانت تتوقف توقفاً غير اضطراريّ, في كل محطة جانبيةٍ, تُلهيه عن استكمالها, وعن مطالب الركَّاب/ القراء... بالمتابعة. فنراه.. قد ترك عربة القيادة, ومُحَرِّكُ القَصِّ دائرٌ في مكانه, لينهمك في تصوير أقدام المسافرين والأمتعة والوجوه الحاضرة الغائبة, بالكاميرا التي أضاعها في قلعة جعبر, برفقة صديقه وجاره القصصيّ وليد معماري. * ملاحظة غير قصصية: شكَّل الاثنان.. ثنائياً صحفياً وقصصياً في العمل والسكن والأمسيات الأدبية, أعدتُ تسميته في مقالةٍ لي بعنوان: وليدم. يوسف وحسن معماري كومباني ليمتد!. ولم أكن ثالثهما.. معاذ الله, وإنما زميلنا حسان عزت, ومعه: زمهريره الشعري!! بعد لَوْثة "التصوير الضوئي" انعطف حسن بقطاره إلى النقد السينمائي.. رَدْحاً, ليَعْلَق بشبكة الإنترنيت الافتراضية يصيد فيها المعلوماتية؛ على يديّ الشيخ برهان الدين البخاري الدمشقي؛ قَدَّس الله أسراره الحاسوبية. أما كان يكفي حسناً "مَزْلقانات" الصحافة اليومية, ومراقبو الحركة في محطاتها, حتى رأينا قطاره يستبدل النصَّ المكتوب بالنصّ المرئي... رهاناً على مستقبل الصورة التلفزيونية "الأنزوريَّة" منذ مُفيد الوحش... اللّي قطع دنب الجحش, وليس انتهاء بما لم نره بعد. فلمَّا... هاتفتُ حسناً قبل شهور, قال أنه على حسكّة حلب, أيْ.. على الطريق بين حلب واللاذقية, بصدد استطلاع مُصَوَّر عن توسيع ذاك الطريق ليغدو أوتستراداً, بعد سبعين عاماً على إنشائه.. فحسب!. قلت له: سَلِّمْ لي.. على الفرنسيين!. ثم.. انقطع الإرسال. كنت سأقول له: للحياة وجهان, كما للانتداب الفرنسيّ وجهان.. أحلاهما مُرُّ. فلماذا نُظْهِرُ له في المسلسلات وجهاً.. دامياً, ونَغُضُّ الطَرْفَ عن الثاني؟!. ألم يَشُقَّ هذا الطريق؛ ذاك الانتدابُ.. له, ولنا, ثم بعد الاستقلال نسيناه ستين عاماً.. فقط؟!. المفارقة.. أن غيرنا سيقوم بجعله أوتستراداً, فنحن أيضاً.. نسينا طيلة ستين عاماً أن تكون لنا شركات وطنية تتصدَّى لمثل هذا, قبل انهيار سدّ زيزون... وبعده!. لو كنتُ كاتباً تلفزيونياً ـ لا سمح الله ـ لكتبتُ المسلسل الآخر! لا يُنتجه أحدٌ ولا يُخْرِجُه.. ولا تعرضه القنوات!!. لو أنَّ حسن م. يوسف مضى بقطاره القصصي.. لا يأبه لسواه, وهذا ما كنَّا نتمنّاه له, ونتمنّاه عليه, لكنها الحياة بكل ضرائبها و.... غواياتها. وأما القصة فلا ترغب ـ ككُلِّ امرأةٍ ـ أن يأتيها القاصّ بضُرَّةٍ, فكيف إذا كان حسن قد جلب لها الضرائر... مثنى وثلاث ورباعُ؟!. من أقداري... أن أُصادِقَ المِزَوَاجِين إبداعاً, من مثل حسن م. يوسف, فإذا هربتُ إليه من النَقّ الذي من حولَي, حاصرني بنَقِّهِ المستديم, وبنقيق زوجاته, إلا... وردته الجورَّية "روز" التي ألهمته, بل... وأعانته على ضرائرها, كَدَأبِ المرأة حين تحبُّ وتختار, لنكتشف أنها في مِحْرَق صداقتنا لحسن, فلا تكتمل صداقتنا له, إلاّ بها, ولا تكتمل صداقتنا لها.. إلاّ به, كالحبر في بياض نصّه, كالنصّ في لوعة الحبر, ثم لا تكتمل أحلامنا سوى بـ: مايا ورام وفرات!. * ـ ألقي هذا النصّ في ندوة "كاتب وموقف" المخصصة لتجربة حسن م. يوسف القصصية والإبداعية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |