جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الإرهاب في مسلسل "الحور العين" ـــ طارق يوسف المحيميد

ومن السياسة إلى الفكر مروراً بالدين والقصة والشعر والتمثيل, تردد كلمة الإرهاب لتصف عملية استشهادية مرة وتدميرية انتحارية مرة أخرى, ملصقة بفرد أو جماعة أو دولة أو دين كما يحلو ويطيب لأرباب الخطاب السياسي أو الديني أو الفكري, وحتى يعمم الموضوع من حيز الخطاب إلى أن يصل إلى كل بيت وكل شخص في البيت فقد تكفل البعض بإخراج مسلسل يعرض فيه الإرهاب ـ نشأته وتكونه ودوافعه وطبيعته ـ وقد روّج لهذا المسلسل بأنه أول مسلسلٍ يعالج موضوع الإرهاب بشكلٍ موضوعيٍ, وحيث أني لست من هواة متابعة المسلسلات فقد أكرهت نفسي على المتابعة آملاً بأن أرى الموضوعية, حيث أنه وللأسف كثيراً ما يقرن الإرهاب بالإسلام, ولأني أعرف الإسلام من الداخل فقد أحببت أن أرى ولو لمرة واحدة, موضوعيةً, في طرح موضوع الإرهاب.‏

ـ قام المسلسل على أكتاف فتاة سورية أُجبرت على ترك دراستها والزواج من زوجٍ لُقْطَة فهو مهندس يعمل في السعودية, تروي هذه الفتاة أحداثاً بعضها سعيد والآخر حزين في المجمع السكني الذي عاشت فيه مع زوجها, حيث يقطن في هذا المجمع مجموعة من الأسر العربية جاءت بدافع العمل إلى السعودية يجمع بينها "الاغتراب" القتل البطيء للإنسان الذي يسكن داخل أجسادنا, بعض هذه الأسر تشغله التجارة وبعضها العمل المهني وبعضها العمل العلمي كالدراسة والتدريس والفن وإدارة المؤسسات, وهذا هو الجانب الاجتماعي في المسلسل وقد طغى هذا الجانب طغياناً عجيباً على المسلسل أفقد الموضوع والإرهاب موضوعيته.‏

وقد ظهرت العائلات متواصلة حيناً متقاطعة أحياناً أخرى, وهي في الغالب عائلات متدنية تديناً "تقليدياً" ظهر ذلك في صلاة التراويح وطعام الإفطار, غير أنه والأحداث تجري في السعودية لم يظهر سوى أسرة سعودية واحدة, وحتى في الجامعة ظهر الطلاب السوريون وغيرهم ولم تظهر علائم الجامعة السعودية من اللباس وما شاكل وعلى هذه الصورة بدت صورة المراكز التي يعمل فيها البقية من الأسر.‏

وبطغيان هذا الجانب الاجتماعي فإنه لم يبق للجانب الديني والأمني وهما جزءان أساسيان في إخراج موضوع الإرهاب بشكل موضوعي, لم يبق لهما إلا نزر يسير, ومن هنا يظهر أن المسلسل وكأنه كتب بشكل ارتجالي هش ظهرت فيه الرغبة بالكتابة أكثر من العمق الموضوعي.‏

ـ وعندما تأتي إلى الجانب الديني في المسلسل تظهر لك صورة المسجد ثم تتكرر وفيه شيخ يلقي مواعظه, ويتردد على المسجد "عبد الرحمن" وهو شاب سعودي, فيتعرف على ملتحٍ آخر يستجره إلى صفوف المجاهدين ويغذي فيه العدائية للحكام مستغلاً حماسة عبد الرحمن وتدينه وطيبته, وفي الخاتمة "يبايع" عبد الرحمن زعيم التنظيم مخالفاً بذلك مواعظ شيخ المسجد الذي يؤيد طاعة "ولاة الأمر" وهو يدعم رأيه بأدلة أو اجتهادات فقهية فتظهر الحقيقة وكأنها "كلها" في جانبه.‏

كما يعرض هذا الجانب صوراً للمبايعين "المجاهدين أو الإرهابيين" وهم يرتدون الثياب البيضاء يتدربون على استعمال السلاح والعمليات التفجيرية.‏

ـ وأما الجانب الأمني في المسلسل فيتمثل في صورة ضابط الأمن, وهو يحاول جاهداً أن يقنع و"بالحوار" أحد "الإرهابيين" أن يرجع عن أفكاره, كما تظهر أيضاً صورة لإحباط عملية "إرهابية" في حين نجحت عملية أخرى ذهب ضحيتها الأبرياء في المجمع السكني المذكور.‏

الموضوعية: للإرهاب أسباب موضوعية, والوصول إلى معسكرات الإرهابيين يسير ضمن طريق ليس صعباً رسم مراحله من قبل المختصين, أما أن نرى معسكرات التدريب والمتدربون يتدربون بلباس أبيض نظيف, تارة يزحفون على التراب وأخرى يتسلقون الجدران فذلك خطأ فني واضح, وكان الأمر يسهل, ويمكن تجاوز الخطأ لو كان هو الوحيد أو الأعظم, ولكن الأعظم أن ترى الأشخاص في المعسكر دون أن تعرف منهم أحداً إذا استثنينا "عبد الرحمن".‏

والسؤال: كيف وصل هؤلاء إلى معسكرات الإرهاب؟ وما هي الظروف الاجتماعية والنفسية والفكرية التي عاشها هؤلاء؟‏

ـ لقد كان البناء الدرامي والموضوعي يقتضي أن نرى ابن الأسرة الأردنية في معسكرات الإرهاب, حيث عاشت أسرته الفلسطينية أصلاً حالة اغتراب اجتماعي في الكويت والأردن والسعودية, ومارس عليه والده نوعاً من القسوة وكان مع مجموعة من رفاق السوء في المدرسة فانجرّ إلى التدخين ووصل إلى المخدرات وكان يلقب من قبل زملائه "شبرية" فتكون العنف في المنزل جاراً إلى العنف خارج المنزل بالإضافة لرفاق السوء.‏

ـ لقد كانت الموضوعية تقتضي أن نرى المهندس السوري زوج البطلة القاصة في معسكرات التدريب فهو ذو نفسية قلقة مضطربة فاشلة, حيث فشل في الدراسة واشترى شهادة جامعية ثم فشل في الحياة العملية بالإضافة إلى وصوله حالة الطلاق مع زوجته التي اكتشفت أنه كان يخونها في منزل آخر.‏

فيكون الفشل في الحياة سبباً من أسباب ممارسة الإرهاب على الآخرين كحل لعقدة النقص.‏

ـ هذا ولم يُفرِّق المسلسل بشكل واضح ودرامي بين "المقاومة الشريفة" و"الإرهاب العاهر" لقد كانت الموضوعية تقتضي أن تُعْرض صور لاغتيال الشيخ أحمد ياسين, والطفل محمد الدرة وسجون أبو غريب حيث انتهاك عرض الرجال وسجون أخرى انتهكت فيها أعراض النساء و"غوانتانامو" وغيرها, فإذا بعمليات التفجير ورداً على ذلك لا تنتظر أية "قرار حزبي" أو "فتوى دينية" أو "تبرير فكري" فيمضي المقاومون غير عابئين بـ "التسميات المأجورة".‏

ـ إن الحديث عن الإرهاب دون رسم حدود واضحة له أو لمس الأسباب الحقيقية وخاصة في عمل درامي يصل إلى جميع أفراد الأسرة والمجتمع لا يخدم الموضوعية ولا الفكر ولا المقاومة الشريفة بل يضع ذلك كله في مهب الريح.‏

ويمكن أن يضاف إلى هذا مآخذ على المسلسل أخرى تؤكد عدم الموضوعية, وتدلك على البساطة والارتجالية والهشاشة في تناول الموضوع وهو موضوع خطير كان من المفترض تناول بدقة وعمق.‏

* عرض المسلسل وهو من إخراج: نجدت أنزور, على قناة MBC في رمضان ثم على الفضائية السورية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244