جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بين الشحم والورم ـــ وليد معماري

تحدثت في زاويتي السابقة عن الرقابة الغبية، التي تفرض على الأمسيات الثقافية في بلاد سيراليون، تلك التي يقيمها المبدعون، من محاضرين، وقاصين وشعراء.. حيث تزرع الأجهزة في كل نشاط أدبي أذناً رقيبة، تشبه إلى حد بعيد، إرسال عنصر إلى أمسية موسيقية ستعزف فيها مقطوعات لبيتهوفن، وموتزارت، وحبيب قلبي شتراوس.. وتشايكوفسكي.. وتختتم برقصة السيوف لخاتشادوريان.. بينما الأذن الدخيلة، تعودت سماع الأغنيات الرتيبة المغناة على وتر يتيم في الربابة.. ولهذا يضطر الضيف الناشز، حين يقدم مقدم الحفل، بصوت هامس، بأن الفرقة ستقدم قطعة من السمفونية التاسعة تحمل عنوان (القدر يقرع الباب) لبيتهوفن!.. يسأل الضيف الدخيل جاره المجاور له بالمصادفة، بكل براءة وبلاهة: "بيت مين؟.." !!..‏

وأحكي هنا، مع التوسع الأفقي للمراكز الثقافية، عن مدراء تسنموا إدارة المراكز لأسباب لا علاقة لها بالثقافة... وسمعت أن بعض أصدقاء أحد المراكز المهمة قالوا للمدير: "ما رأيك أن نستضيف محمود درويش؟.. فأجاب: محمود درويش على عيني وراسي، وهو مهم.. لكن أحمد شوقي أهم منه.. وأرى أن نستضيف شوقي ليسمعنا بعض روائعه.. ثم نستضيف درويش لسماع قصصه!..‏

وذات ربيع أقمت أمسية في إحدى المراكز الثقافية، في مركز محافظة في أقصى الشمال الشرقي من البلاد.. وقال لي مدير المركز، ولشريكي: ما دمتم قد جئتم، وجئتم... ما رأيكم بإقامة أمسية في بلدة (م)؟.. وسألته: كيف نقيم أمسية لم يعلن عنها في البلدة التي ذكرتها؟!.. أجاب ولا يهمكم..‏

ووصلنا في اليوم التالي إلى بلدة (م).. واكتشفنا أن ثمة سيارة فولكس فاكن (صالون) بيضاء، تطوف في البلدة، وتعلن عن الأمسية... ولم يكن صعباً علينا اكتشاف أن السيارة، وهي الوحيدة التي تحمل مكبرات صوت، هي سيارة دفن الموتى!... وكان سائقها يبث تارة نبأ الأمسية الثقافية، وتارة، يذيع آيات من الذكر الحكيم!... ولعن الله الكاذب.. فشاهدي على الحادثة هو أبو علي، (المكنى) بحسين حموي..‏

وحين حان موعد الأمسية، وانتظم الحضور من طلاب بدوا وكأنهم قادمون من تكايا الطرق الصوفية، دخل مدير المركز وهو يتوكأ على عصا.. ويضع فوق عينيه نظارة سوداء معتمة، تشبه نظارة طه حسين.. وصعد إلى المنصة بمساعدة تلميذ له.. وبمساعدة التلميذ، احتضن (المايك) بين يديه.. وراح يقدمني قائلاً: "يسرنا أن نستضيف بين جوانحنا الشاعر النحرير، والمبدع الكبير، ذاك الذي ذاع صيته بين العباد، وملأت شهرته البلاد...." .. إلخ...‏

واضطررت بعد هذا التقديم إلى إلقاء معلقتي التي مطلعها:‏

"أراك عصي الجيب شيمتك الفقر..."... وطويت قصصي...‏

هذا غيض من فيض، وعلى أية حال هي قصة مضى على مجرياتها ما يقرب من ربع قرن.. لكن الأمور لم تسر نحو الأفضل.. بل نحو الأسوأ.. ومازالت تمضي نحو تبويس اللحى.. والأشنع ، أن بعض المسؤولين كانوا يركبون سيارات (رسمية).. وحين لم ينجحوا في الانتخابات، عينوهم مدراء مراكز ثقافية، خوفاً عليهم من الجلطة..‏

وعلى قول المتنبي:‏

"يا أعدل الناس إلا في محاكمتي... فيك الخصام، وأنت الخصمُ والحكمُ‏

أعيذها نظرات منك صـادقة... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ"‏

والحديث ذو شجون...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244