جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عواطف دايت ـــ د.هيفاء بيطار

تغيّرت حياة سعاد تغيّراً كبيراً في السنوات الأخيرة, وصارت تشعر أن تأقلمها مع الواقع الجديد يعني أن تقطع صلاتها أكثر فأكثر مع ماضيها, كم تحنُّ لذلك الماضي, بل أكثر ما يؤلمها إحساسها أن ذلك الماضي يستحيل أن يعود, تحديداً أن يعيشَ في هذا الزمن الذي اغتال أهم شيء تحتاجه سعاد: الحنان.‏

لا تذكر سعاد بدقة متى بدأت الثورة عليها! ومن قبل أقرب الناس إليها: زوجها وأولادها. وحين تحصر ذاكرتها لتحدد تاريخاً دقيقاً, تحس بتشتت, لكنها تتذكر كيف بدأت انتقاداتهم الجارحة والمهينة لطبخها, وكيف أجبروها على تغير طريقتها في الطبخ, قائمة من الممنوعات, وقائمة جديدة فرضوها عليها, كانت تحاول فتح باب للحوار اللطيف معهم, لكنهم كانوا يرفضون ويتحدثون إليها دوماً بلهجة آمرة.‏

عوّدت سعاد نفسها أن تُحب كل شيء يصدر عنهم ـ أحباءها ـ لكنها بعد كل حديث معهم تشعر بغصّة تخنق روحها. ترى أين تبدد اللطف والرقة بين البشر! وحل محلهما الفظاظة والعبوس! هل يتميّز هذا الزمن بغياب الابتسامة! كم تستعيد بخيالها نظرتهم لها, نظرات قاسية, كأنهم يعيدون تقييمها ويشعرونها أنها ما عادت تنفع في هذا الزمن, وبأنها غدت "دقة قديمة" وما عادت تصلح ـ بتركيبة شخصيتها وثقافتها المتوارثة من جيل الجدات ـ لهذا الزمن.‏

لكن سعاد تنجح في جعل نفسها تتوازن, كملعقة على حافة كأس, أليس الحب هو أن نبدعَ أوضاعاً للتأقلم مع من نحب! أوحتْ لهم بأنها مقتنعة بما لا قناعة لها به, وأذعنت لرغباتهم في تحضير الطعام, وفي إعادة ترتيب أثاث البيت, سخروا من دموعها حين قرروا رمي الثريا التي ورثتها عن جدتها, حاولت إقناعهم أن الثريا أثرية ورائعة, لكنهم قالوا: إنها مبقّعة بالصدأ, وشكلها مضحك, وبأنها يجب أن تتخلص من فكرة عبادةِ الماضي وأشياءه.‏

تتجاهل سعاد مشاعرها المُهانة, وكآبتها وهي تنصت لسياط كلماتهم, ولا يخطر ببالها أبداً أن تعاتبهم أو تلومهم, بل تلوم نفسها دوماً, وتعنّفُ نفسها ساخرة: والله يا سعاد أنت مُضحكة, لم يعد من المقبول في زمن ثورة التكنولوجيا هذا, أن تكوني رومانسية وعاطفية لهذه الدرجة!‏

تحاول سعاد التستّر باللامبالاة, لكنها تشعر دوماً أن روحها منسحقة وبأنها مُهانة في أعماق كيانها, وكم من المرات استسلمت لنحيبٍ معذّب متقطّع. إنهم يعلّمونها أن تشعر بما هو مفروض بها أن تشعر... تدرك سعاد بأعماقها أنها لا تعيش حياتها كما ترغب ـ حياتها الحقيقية ـ كما تسميها, بل يفرضون عليها حياة دايت. حياتها الحقيقية تراها تمر أمامها, أشبه بنسيجٍ يرق يوماً بعد يوم, ثم يتمزق وتملؤه الثقوب... كل شيء دايت الطعام والشراب والكلام والعواطف! تحسُ أنها تشبه طائراً تائهاً في فضاء لا نهائي لا يعرف أن يستقر! أين مكانك يا سعاد؟ هل ما زلت سيدة الأسرة؟ أم أن عرشك انهار, وصرت سيدة على أشلاء ذكريات تستمدين منها العون لاستئناف أيام جافة.‏

كم تتهرّب سعاد من هذا السؤال الطالع من أعماق قلبها, ترفض الإجابة! لكن دموعاً حارقة تتدفق من عينيها تفضحها.. زوجها الغارق في مطالعاته الفلسفية يُميتها بأقوى سلاح في العالم: التجاهل, بالكاد يقول لها صباح الخير, تتلقى تحية الصباح الطالعة من فمه كصفعة... لكنها ترد عليه بصباح الخير نفس العبارة لكنها مبطنة بالود والحب. يحدثها دون أن ينظر إليها, حتى أنها صارت تتعمد أن تقف في مجال نظره لتضطره أن ينظرَ إليها فيجيبها بأقصر أجوبة ممكنة مُصراً ألا ينظر إليها!‏

حاولت مراراً التقرب منه وسؤاله عن قراءاته, فيسخر منها ويتساءل من أين لها هذا الفضول؟ وهي غير قادرة على استيعاب قراءته الفلسفية, بل إنها لا تعرف شيئاً عن العباقرة الذي يقرأ نظرياتهم وأفكارهم, تكبح غضبها وتتجاهل سهام التجريح منغرسة في قلبها, تود لو تقول له: هل علّمك هؤلاء الفلاسفة قلة الذوق وعدم احترام الآخر!‏

تتذكر المساءات الطويلة التي قضتها تكوي قمصان زوجها, وترتب جواربه وأشياءه فيما هو يتثاءب بلذة غارقاً في قراءاته.. هم أيضاً أولادها ياه كم خدمتهم كعبدة لا تتعب. امرأة للخدمة, هكذا تشعر, وهكذا عاشت حياتها. ماذا قدموا لها سوى ذلك الجفاء المهذّبْ, والمواعظ الفظة التي تشعرها وتؤكد لها فشلها في التأقلم مع زمنهم.‏

ابنتها الصغرى التي ما كانت تنفصل عنها, ألقت على مسمعها محاضرة في الذوق واحترام خصوصية الآخر, لمجرد أنها ردت على هاتفها الخليوي...‏

لم تصدّق أن ابنتها تحدثها بتلك اللهجة الساخطة الفظة, وحين صرخت: وماذا في ذلك! أي جرم أن أردّ على هاتفك الخليوي.‏

صرخت الابنة: لأن هذا ليس من حقك. فهذا شيء خاص بي.‏

وابنها يمنعها من ترتيب درجه الخاص, ويجلس كل مساء ساعات أمام شاشة الانترنيت يتحادث مع أشخاص من الشرق والغرب, وينشىء معهم حوارات وصداقات غير شاعر بأمه التي ترنو إليه بنظرات مشتاقة, وتتمنى لو يتبادلان الحديث أي حديث, لكنه يفضّل عنها الغرباء!‏

حتى ابنتها البكر المتزوجة, طلبت منها مؤخراً, ألا تزورها بشكل مفاجىء, بل يُفضل أن تتصل بها قبل أيام ليتفقا على موعد للقاء!‏

صرتِ متخلفة يا سعاد, صرت "دقة قديمة" ما عدتِ تتماشين مع حضارة هذا الزمن.. حضارة هذا الزمن تَعني أن تطبخي أكلاً دايت, قليل الدسم والملح, وأن يأكلوه دون أن يقولوا لك: تسلم يداك, الحضارة هو أن تشحذي كلمات من ابنك المنصرف عنك لمحادثة غرباء عبر الانترنيت.. الحضارة هو أن تتلصصي على ابنتك تتحدث هامسة بجهازها الخليوي دون أن تجرؤي على سؤالها مع من تتحدثين؟‏

الحضارة هو أن تضطري لتقليب محطات تلفزيونية لا نهائية, لتستقري أخيراً على فيلم بالأبيض والأسود فينتعش قلبك, وتشعري بوجيب الدم في عروقك, وتستدفئي بزمنٍ مضى..‏

الحضارة هي أن تتجاهلي التعليقات الساخرة لأفراد أسرتك بأنك مازلت تستمتعين بأفلامك الأبيض والأسود الطافحة بدموع العاشقين وأغاني الغرام الحنونة.. تبتلعين دموعك, تنظرين إليهم بوجه صار مدهشاً, عيون دامعة دوماً, وفم باسم... ولا تردين عليهم, لأنك تختارين الصمت متبعة حمية الدايت في الكلام أيضاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244