|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
وادي الليل ـــ أنور عبد العزيز ما كان ليلاً, ما كان ضوء نهار, بدا الوقت مذبذباً ضائعاً تائهاً خارجاً عن الزمن, وكان المكان هو الأكثر ثباتاً ورسوخاً, ظلمة مضيئة بوهج النجوم, وبريقها ولمعانها وزرقتها البيضاء, امتدّت تلك العتمة الشفيفة الرائعة لتتصل بأبعد النجوم المشعّة الملتهبة في الطرف الجنوبي, من الأفق الدائري المكوّر البعيد, لم تكن نجمة واحدة, من سماء الوادي السامقة وجوانبه المنخفضة, كانت تبرق وتلتمع منفردة معزولة أو متجمّعة بكثافة أحالتها مصابيح وهّاجة حرّرت وخفّفت وأزاحت ضباباً مكّن الرائي أن يبصر ذلك الوادي الفسيح العريض والعميق, وقد بدا هائلاً مترامياً بلا آفاق أو حدود.. لن أنسى سحر تلك الليلة وأسرارها وغرابتها ولذّة التطلع والانغمار والتوحّد مع ذلك الوادي وأرضه الرملية الصخرية الجافّة المتآكلة, حوض الودي وكثبان الرمل وكتل الصخور الضخمة البشعة بأشكالها وتكويناتها وألوانها القاتمة المصفرّة الغبراء, وقد أضفى عليها ليل النجوم ما منح هياكلها وحجومها ضخامة مضافة, وما جعل الحصى المفروش في عمق الوادي السفلي يتلألأ نابضاً بألوانه وبالضوء المنهمر من باقات وعناقيد كتل النجوم حتى تلك البارقة بخفوت في الآفاق البعيدة, السقف السماوي بدا وكأنه حقل مشتعل باحتفالية ضوئية.. كان الصمت عميقاً موغلاً في روح الوادي وروحي, لا أعرف ما الذي أشغلني وشغلني عنه, كان بصري غارقاً تائهاً في غموض ذلك الوادي وسكونه وعزلته واستراحته تحت فيض النجوم, وذلك النسيم الصامت الهادئ وقد غمر نفسي باستكانة ودعة وهدوء وحنان العشق الصوفي الحالم الجميل, لحظات اختلط عليّ الأمر, لم أعد واعياً لما حدث أو يحدث أمامي, عندما أنتبهت, والتقطت أذناي ذلك الهدير الصاخب لأصوات رجولية غاضبة, من عمق السكون الغافي المنتشي بسرّ الليل وصفاء السماء والنجوم, التهب ذلك الصوت الموحَّد العالي المتفجّر, لم تكن الرؤية واضحة بما ينبئ عن هذا التغيير الفجائي, لكن رعب الأصوات المزمجرة وطرقعات سنابك الخيل على الحصي والحجارة في ذلك الوادي الخرافي وصلصلة السيوف والتماعات طلقات الرصاص وحمحمة الخيل وهرولة الأرجل النحيفة المتيبّسة المتشقّقة المدمّاة للمشاة, وكان عددهم أكثر من الفرسان. حشود من هذه الأرجل الحافية العارية وهي تجتاز كتل الرمل والحصى والحجارة وشروخ الأرض المفتوحة, لم تعد تلك الأصوات الصارخة أنسية وقد غدت بوحشية رعد قاصف مميت, لم أتملّ ولم أستطع تبيّن وضوح المشهد, ولكن ما كان يصلني من تلك الأصوات, ومن لمعان نصال السيوف الحادّة العريضة وانهمار طلقات الرصاص ولهاث الخيل وبحّة الحناجر الخشنة مع تلاحق الأرجل الحافية العجلى المسرعة وهي تتراقص مضطربة في حركتها لتثير وتهيج غباراً أصفر غطّى وجوه الرماة ـ فرساناً ومشاة ـ وشعورهم وأعينهم ورقابهم وأيديهم ومسح على أعراف الخيل وذيولها, وتجاوزها ليلتحم بالأرجل الناحلة المجروحة وهي تنز دماً في أرض الشوك والحجارة المسنّنة والحصى الجارح.. امتدّ المشهد أمامي وتعاظم, لا يمكن أن يكون كلّ هذا خيالاً, صار رعب الأصوات الزاخّة بقوّةٍ إعصار وكمطر من جليد شيئاً خارقاً اضطرني أن أبتعد وأتراجع خطوات عن حافِّة ذلك الوادي الذي ظلّ على اتساعه وامتداده وبعد آفاقه مرعى للنجوم, لكن ما أعادني إليه رغم أن أولئك الرجال ظلّوا على حركتهم العنفوانية السائبة, وظلوا على شراسة أيديهم وسيوفهم وإطلاقاتهم وهم يدورون ويداورون يهاجمون ويناورون ويجتازون بخيوط من دم كل عقبة وصخرة, وكان أبرز ما يميّز حركتهم ذلك الصراخ والزعيق, كانت أصواتهم رنيناً وصدى لطبول ضخمة جافة الجلود, أعادتني لحافّة الوادي أصوات جديدة مغايرة لغربان سود ملأت سماء الوادي وأعتمته, كشف سوادها نقاط الضوء الساقطة والمنعكسة على ريش أجنحتها الخافقة, لم تكن غرباناً قليلة, ورغم أنها لم تتوقف أو تتأخر, فقد كانت أسراب منها تتبعها أسراب تداخلت بألوانها القاتمة مع ذلك الليل البهيم, لم أستغرب مرور ووجود الغربان, وما أدهشني أنّ قطيعاً متفرّقاً متناثراً من لقالق بيضاء ناصعة اجتازت الوادي, ولم تحفل هي أيضاً بكل صخبه وهرجه وضجيجه, مرّت بسلام ونعومة في طيرانها المتئد الوقور, وإذا كان بصري قد عجز عن تتّبع وملاحقة آخر طير في سرب الغربان, فإن آخر اللقالق لم يغب عن ناظري, وبدا لي نقطة مضيئة مهتزّة متحركة نابضة وهو يبتعد عن سماء الوادي, تلك الألفة والهدوء الذي أشاعته اللقالق في نفسي, بدّدها نغم مغاير همجي النبر أخذ يحتلّ سماء الوادي, كان عالياً مرتفعاً في البداية, لكن سبباً ما جعل ذلك السرب المختلط المتدخل من الصقور والنسور والعقبان والشواهين والحدآت والبواشق والعواسق والكراكر والبوم والبزاة, يتأخر في حركته يمسح أرض الوادي وجوانبه, يرتفع قليلاً لينخفض أكثر هابطاً بقوّة وخفة, لم ترهبه صيحات الرجال وهتافهم وزعيقهم. وما أوقف دورانها وغربة الاكتشاف كل صليل السيوف وحمحمة الخيل والرصاص المضيء المنهمر, ما الذي أثار هذه الجوارح حتى بدت في انخفاضها وهبوطها قريبة من حدود شفرات السيوف الذابحة, حتى منها تلك الجوارح الهرمة المعمّرة الصلعاء العاجزة عن الأبصار الكاشف في مثل تلك الليلة الغارقة في العتمة وبلا قمر... استمر وطال ذلك الهياج والعنف والجنون رغم أنّ البرد أخذ يقوى ويشتدّ ويتجلّد, ورغم أنّ نجوماً شديدة التألّق أخذت في الضمور والانطفاء وكنت قابعاً مصعوقاً بالحيرة والذهول والترقّب, لكن اقتراب الفجر منحني الاطمئنان ثمّ إنّ كلّ هؤلاء الرجال ظلّوا في الوادي, ولم يفكر أو يحاول أحد منهم لأي اقتراب من حافاته, وهو ما منحني مجدّداً كلّ الأمان والتحرر من الخوف من هذه الأصوات الراعدة.. منذ المساء ومع تدرّج الظلمة في عمق الليل, فإن سماء الوادي ظلّت نقيّة صافية مزيجاً من زرقة وبياض, والآن ومع ذلك اللون الشائب للفجر, فقد أعتمته غيمة كبيرة ثقيلة سوداء كجبل مارد غطّت وخيّمت بثقلها وسوادها على سماء الوادي, لم يستقر شكل هذا الجبل المرعب بقممه الكالحة, وأخذ بفعل الريح العاصفة المحتدّة يتغيّر إلى أشكال وهياكل وملامح بدت لي مخيفة وقد حجبت ضوء أكبر النجوم, لكن الأمل باقتراب الفجر, والأمل الأكبر لترصّد تفسير لما حدث, ولما أراه منحا روحي سلاماً, البرد والريح العاصفة يجلدان وجهي ورأسي ورقبتي وعينيّ ويديّ وقدميّ, وصار صراخ الجوارح المستفهمة المترقبّة المستبشرة الناعقة وقد امتزجت بأعلى الأصوات المهدّدة المتوعدة للرجال الصاخبين, قد أقحم في نفسي وعقلي ـ وفي تلك الليلة المتجمّدة المحيّرة ـ كآبة ضاقت واختنقت بها روحي الحائرة والعاجزة عن الفهم الواعي لهذا النفير المدّوي في عمق الوادي ومَن هم هؤلاء الرجال؟! ومن أين أتوا؟! وما الذي يريدون فعله؟! ولماذا هم هكذا مضطربون مبلبلون صخّابون؟! ولماذا هذا الدوران الجارح؟! ولماذا لم يتجاوز أي منهم ـ مشاة وفرساناً ـ هذه الأرض المغلقة المقفلة الدوّارة؟! ولماذا أبصارهم ورؤيتهم تظلّ سجينة مخنوقة في كثبان الرمل والصخر والشوك لا تتعداها لأفق رحيب منبسط؟! ولماذا عجزت بصيرتهم أو رغبوا عن رؤية ما خلف هذه الجدران الرملية؟!. كنت أرتجف بجسدي الناحل مهتزّاً بخفق حمّى كاوية في تلك البقعة الموحشة وكانت قسوة الريح تهزّ المكان بعويلها الصارخ وتهزّ أكثر محنة جسدي وروحي... فرسان الليل هؤلاء ومشاته المعاندون اللحوحون يضرمون الأرض والشوك والحصي والحجارة لهباً وناراً بصراخ لم يهدأ أو يهجع طيلة ليلة طويلة ممطوطة, وها هو الفجر يقترب وما تزال أصواتهم صارمة لم يستطع التعب ولا جهد الليلة الثلجية وعاصفتها وريحها الكاسح أن يوقفه ويخرسه أو يخفّف ـ قليلاً ـ من حدّته وشراسة نبراته وصدى ترجيعاته وقد أفزعت حتى الجوارح التي أثارت شهيّتها رائحة الدم وطريق الدم دون أن تعطّل أو تؤخّر اقتحامها الشهواني كل الأصوات المنكرة وصليل السيوف وومضات الرصاص, وكل الطبنجات والبنادق والبلطات والسواطير والفؤوس والمدى والحراب والمقامع والخناجر والسكاكين والرماح والسهام والعصيّ الحديدية بنهاياتها المدبّبة وقبضات اليد الحديدية وهي تناوش وتهدر في كل مكان, لم يتعطّل أو يخمد للجوارح جناح أو مخلب, وهي تواجه عاصفة الوادي بصدور قوّية ومناقير محدّبة معقوفة كسكاكين قاطعة وبعيون حمراء توهّجت واشتعلت لمرأى الرمال الدموية.. طال انتظاري للفجر, واشتدّت ضراوة البرد وقد صار أذى جامحاً شيطانياً جمّد عظامي وأحال كياني إلى جسد هلامي ما عدت أتحسّس مفاصله كإنسان, صار أشبه ما يكون بصخرة أو جذع متيبّس لشجرة هرمة عاجزة, لا أدري كيف حصل ذلك, فالليلة الأفعوانية المرهقة والمؤذية ببردها وصقيعها, وسهري المتواصل محموماً مترقبّاً قلقاً, أوصلني لنومة قصيرة, وكما تستطيع الطيور والحيوانات أن تنام واقفة, فقد دهمتني إغفاءة كدت أترنّح وأسقط بسببها وكانت قدماي تلامس حافة الوادي, ولكن تواصل الصراخ وحومة هذه الجوارح الهائجة ولعنة البرد أنهت تلك الإغفاءة القصيرة اللذيذة.. الفجر يقترب, والغيمة الأسطورية المخيفة المعتمة أخذت تتفكك وتتناثر وتتوزع قطعاً وندفاً ممسوخة ممزّقة وهي تغادر سماء الوادي, هو الفجر واضحاً ـ هذه المرّة ـ وقد أنطفأ ليل النجوم, رغم أنّ الشمس لم تشرق بعد, وعندما تسللّت أولى ارتسامات الشمس بتلك الخيوط الذهبية الحمراء, كان فرح القلب جارفاً, فعيناي صارتا تلتقطان المرئيات مجردة من هيمنة المخيّلة الليلية, لم تعد أذناي تسمع أو تصطاد أيّ نأمة, اندحرت الأصوات وماتت, وعندما امتدّ بصري ليسيح في خلاء الوادي الفسيح, لم يصطدم بأي ظلّ لبشر أو سيوف, تاهت عن ناظري كل تلك البنادق والبلطات والعصيّ والخناجر والسكاكين, وحتى تلك الجوارح لم أر لها وجوداً, وكأن تلك الغيمة الشائهة الممزّقة قد ساقتها معها إلى جهة مجهولة, الذي بقي والذي رأيته ومع سطوع أشعة الشمس الباهرة, كان شيئاً كريهاً وأكثر قتامة وكرباً للروح, صار المشهد ـ هذه المرّة ـ قطعاناً من خنازير تجول وهي تمسح الأرض بخطومها, وتتشمّم آثار الرمل المعجون بالدم, وقطعاناً من كلاب ضخمة كبيرة جرباء واحدها بحجم حمار, تلوب وتتحرك ببطء حاملة معها قروحها وجروحها وقذارتها وأوساخها, كانت مقرفة تبعث على القيء بجلودها المبقّعة العارية من الشعر وبوجوهها وأبوازها الطويلة وأذنابها وآذانها المقطوعة, مع هذه الكلاب تزاحمت وتقاتلت بعراك وحشي ـ وقد أهاجتها رائحة الدم ـ ذئاب برؤوسها الكبيرة وفكوكها القوية وبأشداق مفتوحة, وبأسنانها القاطعة ومخالبها المتأهبّة للقتل, وهي تبحث بين الصخور وفي الحفر وشقوق الوادي الجرداء عن أثر ليد أو رجل أو بطن أو رأس لمخلوق, فخطوط الدم الملطّخة للصخور والأشواك وكثبان الرمل أزهرت وازدهرت أحلاماً وشهوة وحشية في عيون الذئاب, فلابد أن تهديها: وتوصلها ـ خطوط وبقع الدماء ـ ليد أو رجل أو رأس لمخلوق... رغم كل تلك القطعان من الكلاب والذئاب كانت محنيّة الرؤوس تتشمّم الأرض بصمت, ولم يندّ عنها أي صوت ينبه وينبئ عن تسلّلها ووجودها, فقد كنت تسمع فحيح مئات من الأفاعي والحيات وهي تتلوى وتزحف بنعومة ملمسها حاملة ونازفة سمّها المرّ, ومعها مئات مئات من عقارب سوداء كالفحم, كل عقرب بحجم قطّ تنفث سمّها القاتل من شوكتها الذنبية المنتصبة المتحفّزة بشرّ فطري غريزي.. ثم جاء الجراد, كنت قد رأيت كثيراً من أنواع الجراد وألوانها وحجومها, أما هذه الزوبعة العاصفة من جراد هذا الصباح فلم أر مثله من قبل, جراد أسود طويل برؤوس تشبه رؤوس الخيل وبأرجل منشارية وقواطع آكلة وقد خيّمت على سماء الوادي كغيمة الليلة الفائتة المكفهرة العاتية, ثم هبطت لتنتشر وتستبيح كل الوادي, لم تعد تجد أثراً لكلب أو ذئب أو ابن آوى, حتى العقارب المختبئة في حفر الرمل خرجت مضطربة هائجة من مكامنها, وحتى الأفاعي ـ بعد أن هجعت قليلاً ـ زحفت مسرعة مرعوبة هاربة من أرض الوادي بعد أن كانت ملتفّة حول نفسها, أو ممدّدة مطروحة بأطوالها, صرت تراها تبحث عن نجاة في غير هذا الوادي, أول ما هربت الكلاب ثم الذئاب والخنازير وبنات آوى, بعدها تحرّكت العقاب والحيّات, ورغم فزع كل القطعان وهروبها وخلوّ الوادي, فإن الرائحة الكريهة الهابّة من الوادي لم تنته وتنقطع وتتلاش وتذوب إلا بعد رحيل آخر الضباع المخذولة, وقد ضاع منها حلم العثور على أي جثّة.. كلما تطاولت ببصرك في آفاق الوادي وأرضه وكثبانه وكهوفه وسمائه وجدرانه العالية وجدتها مسودّة منسوجة بذلك الجراد, ذلك الوادي استحال ـ وبلحظات خاطفة ـ كتلاً وحجوماً متماسكة متراصة ملتحمة, هبّ الجراد المجنّح النهم وانخفض منحدراً بملايينه ليلتصق بكل وجود الوادي, لم تسلم منه شوكة أو صخرة أو حجارة, حتى مسرى ذلك الجدول الشحيح, أنحجب عن ناظريك وغاب كل أثر, وحتى ذرّات الرمل, لم تعد تراها, استحالت جحافله كرة هائلة هادرة سوداء, دائرية دوّارة موّاجة, وكانت زوابع وعواصف جديدة من سيول الجراد تترى متلاحقة, وقد استباحت كل شيء, صار الجراد الأسود الشره النهم الأكول المفترس غطاء راكداً ثقيلاً معتماً استباح وخنق كل الوادي, وبدا أنه لن يبرح أو يغادر هذا الوادي لمئات من السنين. * العواسق: من أكثر أنواع البُزاة وجوداً في أوربا. * الكراكر: ومفردها الكركر, ويسمونها: (اللصوص البحرية), وهي شبيهة بنوارس المحيط الهادي. * الطبنجة: ويسمونها أيضاً (البارودة) وهي نوع من البنادق القديمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |