جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحضاري ـــ صبحي دسوقي

أنا على يقين تام بأنه حين يمر بكم فإنك تسارعون إلى إلصاق الكثير من الصفات والتهم والأقاويل والحكايات والكلمات البذيئة بشخصه, رغم أنه لا يكترث أو يهتم بأي تقييم يصدر عنكم, لأنه يتصرف من خلال قناعة أكيدة رسختها الأيام في داخله.‏

وهو كما تعلمون من أكثر الرجال في هذه المدينة تسامحاً وتصالحاً مع نفسه ومع الآخرين ومسالماً في أفعاله وتصرفاته وسلوكه وأقواله, ويردد دائماً إن تعامله معكم ينطلق من داخله النظيف النقي, وبأنكم جميعاً تحملون في داخلكم الخير والطيبة والتسامح, ولابد يوماً أن يظهر على وجوهكم وتصرفاتكم وأقوالكم, ويجعلكم تغيرون من نظرتكم إليه, والتي تحمل الآن الكثير من الازدراء والاحتقار.‏

ويتمنى أن يأتي اليوم الذي تفهمون فيه حقيقة تصرفاته وسلوكه وحياته النقية التي آمن بها عن قناعة, وعاشها من منطلق فكره الحضاري المتطور في علاقاته الاجتماعية المتشعبة.‏

بساطته قد توحي للآخرين بخيباته, وعدم قدرته على تمييز الخطأ من الصواب, رغم أنه يحمل دماغاً يتناسب مع حجم جسمه وقوته, لكنه لا يفتخر بهذا كي لا يفسر غروراً أو كبرياء.‏

وقد ارتبط بامرأة جميلة باهرة الحسن, تصغره بأعوام كثيرة كي تترك بهاءها وفتنتها في حياته, وتعطي النشوة للسنوات القادمات العجاف, وأرادها صغيرة بلا تجارب كي يطبعها بشخصيته, ويجعلها سهلة الانقياد لرغباته, وأن كل ما سيمليه عليها سيتحول إلى أوامر لابد لها من الرضوخ والامتثال لها وتنفيذها بطيبة قلب وسرعة بديهة.‏

لقد ترك سحرها الأنثوي بصمة رائعة في حياته, وواصلت إحداث التغييرات المتلاحقة في مظهره ولباسه ـ (فهي أكثر حضارة منه) ـ ورغم ممانعته في البداية لكنه استسلم لها بعد حين لقناعته أنها تريده في أبهى منظر وأجمل حضور وواصلت تعليمها له حركات الرقص, وأساليب التعامل مع الآخرين, وضرورة إظهار تميزه بحركاته وتصرفاته, وانصاع لها, وصار بارعاً ببروتوكولات اللقاء والمواعيد والأمسيات الصاخبة التي كانا يدعيان إليها من قبل أقاربه ومعارفها ثمّ من قبل الأصدقاء الذين تزايدوا, ورضخ أخيراً وسمح لها بمراقصة من يدعوهما إلى الحفلات من باب المجاملة ورفع العتب.‏

وما بذلت جهداً بإقناعه بضرورة أن يردا الجميل للآخرين فأقدما على دعوتهم إلى منزلهما وأقاموا لهم المآدب والحفلات.‏

وكان الضيوف لبقين وحضاريين في وصولهم إلى الموعد المحدد لهم بدقة وهم يحملون بسياراتهم الهدايا الثمينة له ولزوجته والكثير من الأطعمة والفواكه والمشروبات.‏

وهكذا استمرت حياتهم الحضارية في فرحها ورقيها, وما كان يشوبها ولا يعكر صفوها سوى تلك الأقاويل التي تصدر من بعض الأقارب الذين بادروا إلى نصحه وإسماعه الأقوال السيئة التي يتناقلها أبناء المدينة.‏

وقد وصل الأمر ببعضهم لأن يغمز من صعود زوجته في سيارات الأصدقاء الذين يوصلونها إلى مكان عملها أو إلى محل الكوافير ومحلات الألبسة ومواد التجميل.‏

وجاء رده قوياً وحاسماً وأفهم من نقل إليه تلك الأقاويل بأنه ما زال ذلك الرجل القوي, وأنه يستطيع سحق كل من يفتح فمه بسوء ويغتابه, أو يلوك بسمعة زوجته وقد قرر وبعد تفكير طويل, وبعد استشارة زوجته وأصدقائه أن يترك هذه المدينة المقرفة بتقاليدها والتي صار يحسها مع زوجته أشبه بسجن يقيد حركاتهما وأفعالهما, وأن يتجه, إلى مدينة أخرى كي يعيشا فيها, ويمارسا ما يريدان وما يرغبان وكما يشتهيان, وكما تمليه عليهما الحضارة التي يؤمنان بها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244