جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

"زاهداً بالضفاف" لزكريا مصّاص: حين يكون الشعر محواً للظلمة!! ــ ناهض حسن "فائز العراقي"

الشعر هو النور السرمدي الذي يُبدد الظلمة والوحشة والعزلة وأشكال الاغتراب والمعاناة التي يعانيها الكائن البشري كافة.‏

وقد لجأ الإنسان القديم إلى الفن عموماً, والشعر خصوصاً, لكي يحمي نفسه ويساعدها على البقاء والتجدد, ولكي يجعل الحياة قابلة للعيش ـ وهو بهذه المواصفات يتحول إلى معادل موضوعي للوجود, وخاصة بالنسبة للأرواح المرهفة, الشفافة.‏

وأقانيم الشعر هي: الروح, والحرية, والحب والجمال.‏

إذن كيف لا يستطيع الشعر تبديد الظلمة ومنح الكائن المعذّب جرعة من النور تكفيه لمواصلة الحياة؟.‏

لنقرا للشاعر زكريا مصّاص في مجموعته الشعرية الثالثة: "زاهداً بالضفاف" هذا المقطع الشعري الذي يقودنا إلى ما ذهبنا إليه:‏

"... وأحاول أن أمحو من ظلمةِ هذا الكونِ‏

وأزرع في مفرقهِ‏

نجمةَ روحي.......‏

وأحاول أن أغدقَ ضفّتَه العطشى ورداً‏

يرفع من قامتها‏

أن أمسحَ عن وجنتهِ آثار غبار الريحِ القاتمِ‏

أملأُ ضحكتَه بالورديِّ‏

وأغرسُ في نبض يديهِ المتبقّي‏

باقةَ برقٍ... ص15".‏

في قصيدته هذه "مصابيح الغرب المعتمة" والتي تتنامى دراميا عبر ثنائية العتمة ـ النور يقودنا الشاعر إلى المقولة الصحيحة وهي أن الغرب هو عالم المادة والحديد والتقوم التقني, أما الشرق فهو منجم الفن, والروح, والإشراق, والتجلي.‏

إلاّ أن الغرب بالرغم من تقدمه العلمي الهائل فهو لم يستطع الحفاظ على الجانب الروحي لدى الإنسان, الروح الإنساني تتقزم هناك, وتسود قيم التشيؤ والاستهلاك وحمّى المادة كل شيء هناك, ولابد هنا أن نذكر مقولة الراحل الكبير المدوية: "ما فائدة العمارات وهي تشمخ ـ والإنسان يتقزّم, ويتهدم؟!!".‏

ثنائية المادة والروح, ونقد الجانب المادي في الغرب وإعلاء شأن المستوى الروحي الإشراقي في الشرق, باعتباره موطن الشمس والضوء والنور, تتبدى لنا في هذا المقطع الشعري للشاعر:‏

"أرغب أن يتذكر هذا العالم/ فأنا في وهج حضارتهم تبرُ/ وأنا أولى دهشتهم/ ينحسر الضوء بغرب الكون/ ولا ينكسر الضوء لديّ/ عندي... كم عندي من أسرار الشمس/ ومن أخبار ما صادرها الظن لديّ!! عندي ما لا عينُ الغرب رأتْ... مرآة الأنهار بكفيّ/ تكفي كلّ عطاش العالم.... ص17 ـ 18".‏

زكريا مصاص يستخدم في مجموعته الشعرية المذكورة عدة أساليب فنية حداثوية, كالانزياح الدلالي:‏

"طاعن في الشعر ص20, نفاد النهر ص33, فرط أناشيدي ص24, فناجين الرتابة ص25, متاحف وحشتي ص30, ذات نبوءة ص43, يخاتل شمساً ص14, نبرة البروق ص44 ـ عشت ثلاثين غماماً... وثلاثين قتاماً ص80".‏

وبين هذه الصيغ اللغوية والدلالية والعبارات الشعرية ما قد استهلكه الشعر العربي الحديث كـ: "ذات نبوءة... عشت ثلاثين غماماً", وما هو مُبدع ومبتكر لدى الشاعر: فناجين الرتابة, متاحف وحشتي".‏

كما يستخدم الأداة الفنية الأكثر تأثيراً في جوهر العملية الشعرية, ونقصد هنا: "الصورة الفنية" فيبدِع لنا العديد من الصور المتوهجة فنياً: كقوله: "خرجتْ من كفيه حقولٌ/ من بين أضالعهِ سربُ حمامٍ صفّقْ... ص45", وقوله: "أن أجعل من غصن الليل رفيف نجومْ/ ومن الشجر اليابس عشَّ غيومْ... ص16", وهذه الصورة التشبيهية الحسية: "الشاعر ينشأ في المنفى/ يبحث عن ظل أخضر/ عن قمر عنبيِّ العينين ص49" وهذه الصورة المركبة المبتكرة والمدهشة التي يغلب عليها الطابع الحسي: "يا سيدة الصور الحلوة/ حين يحط الليل حقائبه فوق جدار لياليك الصامت/ لا أحد يُملي عزلتكَ البيضاءَ سوى كفيّ وأنفاسي/ وطيور تحمل أقداح الزرقةِ من أفقي.... ص56".‏

كما يستخدم الشاعر أسلوب التبئير ـ التشظية في عدد من قصائده, وذلك حينما تنطلق القصيدة من بؤرة مركزية واحدة ثم تتشظى بكافة الاتجاهات, ومن هذه القصائد: "في قلب الليل ص55, والبؤرة المركزية هي: "عندي زوار" و"أحوال لينا" ص33, وبؤرتها المركزية "لينا", وقصيدة قليل من الزيت يكفي ص29 وبؤرتها أو لازمتها الشعرية: "لن أحدثكم يا أصدقائي"".‏

كما يستخدم أسلوب الحوار في أكثر من قصيدة: "في قلب الليل: وأنا يا أخت الشعر, الليل, لديّ/ مع الأحزان حوارْ/ ص55" وقصيدة "اعتذار لسيدة القصر: صبّت لي الخمرَ الحوارْ: اشرب, فأنت عندليب القصر/ وناهداي ناي ص58 ـ 59".‏

ويمكن القول إن الشاعر زكريا مصاص في استخدامهِ لهذه الأساليب الغنية الحديثة لم يكن في مستوى فني واحد, بل إن هناك مستويين فنيين متباينين, والتباين واضح بين الإشراق والتوهج الفني, وبين الكلام الأقرب إلى العادية والشرح والتفسير والتعليل, وهناك بعض الشواهد الشعرية التي تدل على خبوّ الألق والوهج الشعري,‏

كقوله: "في حياة تضيق على ساكنيها/ ويكثر فيها التردي ص31" وقوله: "تموت... ـ لتحيا الطيور/ وتبقى أناشيدها الوطنية/ رمز الأناشيد في الحرب والسلم والأمنيات ص63". وهذا التعليل المُرهِق لروح النص وشعريتهِ في قوله: "لكي لا تضنيهِ التعليقات/ وتطارده الأوقات ص48".‏

ومع هذا التفاوت الغني يمكن القول ـ للإنصاف ـ إن الشاعر زكريا مصاص هو أقرب إلى الإبداع والتوهج الفني في مجموعته هذه منه إلى العادي المستهلك والشعري الهابط.‏

ثمة ميزة أخرى في شعرهِ وهو محاولاته الدؤوبة للتماهي مع الشِعر وتشكيل حالة متوحدة معه, وهناك العديد من قصائده التي تؤكد ذلك, ومنها: قصيدته: "بطاقة", "هل تقبلين/ معي الخروج/ إلى قصيدة ص9؟!". وقصيدته "نافذتي": "طاعن" في الشعر/ يحدوني نشيد البحر للبعث العظيم 20", و"ما شق لباب الورد سوى عطري/ ما شعّ سوى شعري 21", و"حليب الشعر بقلبي يطفح بالإنشاد ص22", و"فأنا والشعر نشيد يفتتح المجهولَ ص22", وهو يُعنون إحدى قصائدهِ بـ "طائر الشعر ص25" إن شاعراً يلهج بالشعر, ويعتبره الملاذ والملجأ وبؤرة الإشراق الروحي, يستطيع أن يُقدم لنا المزيد من الإبداع إن هو صقل موهبته وعمّق معارفه, وطوّر تجربته الشعرية وأدواتهِ الفنية.‏

هامش:‏

ـ زاهداً بالضفاف.‏

ـ زكرّيا مصاص.‏

ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 2004.‏

ـ 142 صفحة من القطع المتوسط.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244