|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
غوايات الريح والحجر ـــ نهلة السوسو لا غرو أن إشكالية العلاقة بين المرأة والرجل تعد من أكثر الإشكاليات التاريخية والحديثة, وهي أقواها أثراً في رقي الأمم من جهة, وانحطاطها من جهة أخرى, الكتابة عن حال اضطهاد المرأة تاريخياً هو فن أصيل لدى الأديبات في العالم تقريباً ويدخل لدى بعضهن في أجواء المراثي, ولكن هل فعلت ذلك الأديبة والإعلامية نهلة السوسو في كتابها "غوايات الريح والحجر". تعترف نهلة السوسو بداية أن كتابها هذا كان نتاج طاقة كبرى على التحمل والتأمل لآلاف الساعات, أصغت فيها إلى نساء كن ينتظرن الزاوية الاجتماعية أسبوعياً ليفرغن على مسامعها معاناتهن, ثم صاغت هذه الروايات الواقعية الصريحة في رواية مجموعة من سلسلة قصص. في المقدمة: فندت الكاتبة بداية ارتباط عصر الجواري بزمن الخلافة العباسية كما جاء في تاريخ دمشق لابن عساكر, ولعل تطور الحالة الاقتصادية في ذلك الزمن جعل حياة الناس أميل إلى تفجير سواكنهم الداخلية أدباً وغناءً, فشكلت ظاهرة الجواري المغنيات لوحة واضحة المعالم على الحياة الاجتماعية, ثم تطورت لتصبح المرأة الجارية رمزاً للجنس الذي يحطم العقل لقدرته على تحطيم القرار. وتصل الكاتبة إلى أن الحقيقة الإنسانية تقول: إن الاستقرار البشري صنعته المرأة حين بدأت بزراعة الحبوب وإجبار الرجل على عدم التنقل بحثاً عن الثمار. تجري أديبتنا مسحاً مقتضباً وسريعاً للتبدلات التي طرأت على حياة المرأة تاريخياً سواء في الشرق أو الغرب ووصولاً إلى نزولها الاضطراري للعمل في العصر الصناعي وحتى زمننا هذا, فتصل إلى أن المرأة الجارية قابعة في الأنثى وفق قواعد لعبة اجتماعية جديدة, وتتابع التقصي للإحاطة ببعض عناصر تلك اللعبة ومنها العبادة الوثنية لأدوات التجميل ولواحقها في ابتداع الأقنعة التي لا تصنع جمالاً بقدر ما تغطي البؤس الحقيقي للذات الضائعة بين عالمين: عالم الأنثى موضوع الجنس البحت, والإنسانة موضوع الحياة بكل عمقها وتلاوينها. وهي لا تتوقف في مقدمتها ولا في الفصل المسمى (ما قبل الخاتمة) عند حدود التعريف بمشكلات المرأة فنساء العقد الخمسيني من القرن الماضي مثلاً, اللواتي تعلمن وكتبن ترى فيهن شيئاً مختلفاً عما تراه في الأجيال الشابة المتقدمة إلى الحياة اليوم في عصر ما يسمى بتحرر المرأة, إنهن بقشرة مستوردة من الخارج بوجه موحد من أشكال الشعر والثياب وفقدان الخصوصية الإنسانية تحت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد, صحيح أن هذا الجيل يتعلم من أجل حرية عقله وروحه, ولكن المرأة فيه ترهن كل مواهبها لتكون المفضلة لدى الرجل حسب المقولة: "المرأة في حياة الرجل شيء, والرجل في حياة المرأة كل شيء". تنم المختارات النسائية التي جمعتها بين ضفتي الكتاب على أن الأحداث تدور في مركز المجتمع العربي ككل, وهي ذات مرجعيات واقعية, تجعلنا نستشف فيها رموزاً معممة أحياناً لكل النساء العربيات. ما بين الصفحة 21 و223 لم تكن هناك أسماء بل الأحرف الأولى منها لنساء جمعتها علاقة غير عادية بهن فأجادت التحدث عنهن بمعرفة واسعة متنوعة غنية تشمل واقع المرأة تراثياً وتاريخياً ودينياً وفنياً وشعبياً واجتماعياً واقتصادياً وجنسياً وحتى دقائق الحياة اليومية. كل نص أدبي له منطقه الخاص المختلف عن منطق الحياة, ولكن في "غوايات الريح والحجر" نرى فسحة تفتح على عوالم لها مناخاتها وبيئتها, وألوانها الحقيقية دون تزييف, نستخلص من هذه الجولة في قصص النساء جملة من النتائج تشكل النسق العام لحياتهن, ونموها الزماني, ترسمها الكاتبة ضمن بانوراما غير معقدة, إنه غالباً من مجتمعات متقاربة, أولها طبقات المجتمع الريفي المضمخ بالشقاء, والثاني الطبقة المتوسطة المتحدرة من أسر ريفية هاجرت للمدينة ليعمل أربابها عمالاً وحرفيين وموظفين, إن السيدات نقاط الارتكاز والاهتمام في هذه المجموعة تعلمن ودرسن لكي يعملن بشق الأنفس, سواء بإرادتهن أو بإصرار الأمهات لتتجنب بناتهن مصيرهن, فشكلت كل واحدة من الأمهات محوراً لحركة درامية ومرحلة معينة من المسيرة الاجتماعية لهن. وبما أن "غوايات الريح والحجر" فن روائي لواقع معيشي فقد كانت كل واحدة من نسائه تبحث عن حياة أخرى متخلية, وأثيرية ومتفوقة بواقعيتها الخاصة على الواقع نفسه, وهذا ما ندركه من خلال الاستعادة لبعض الإرهاصات وذكريات الطفولة لديهن. نحن أيضاً إزاء نص أدبي يشكل الرجل عموده الفقري حوله ولأجله تتحرك سائر النساء, فالرجل أيضاً من الطبقة الاجتماعية ذاتها, ولكنه ارتقى في السلم الاجتماعي بجهده الشخصي. فهذا الإعلامي البارز الذي تزوجته "واو" لا يحفل بأية خصوصية تملكها المرأة ما دامت في النهاية تحت الرجل, ولا يمكنها مهما نالت من التفوق أن تكون شريكته على الأقل وليس فوق. والأستاذ الجامعي المؤلف المحاضر في تحرير المرأة عبر جامعات ومؤتمرات في أنحاء الكرة الأرضية, يرفض من زوجته كل ما ليس من عاداته ولا يتوافق مع مزاجه في البيت, حتى شرب فنجان القهوة التي اعتادت على تناوله مع الأهل في منزل الأسرة كطقس يومي. إذاً هو الأول, وهي فيما بعد كما تقول لنا (نون). والمثقف الثوري الذي يدخل السجن مدافعاً عن مبادئه كما ادعى, وتدفع (سين) أجمل سنوات عمرها لتوفير راحته النفسية والبدنية داخل السجن وبشهادة كل من شاركه فيه, بعد خروجه يرمي بثلاث فتيات وأمهن إلى الشارع ويتركهن في أحضان الفقر الذي ناضل ضده, ليتزوج ثانية يهاجر بها إلى دولة أخرى, وكأن ما عرف عنه كمثقف ثوري ودخوله السجن هو نوع من التميز عن الآخرين فقط. إذاً تبددت الأحلام الوردية جميعها وحل محلها القلق والترقب الماثلان كالأشباح تحوم في فضاء الأيام الآتية لنساء "غوايات الريح والحجر". ونرى أن الخوف والألم يمتزجان ليشكلا الجانب الضعيف من النفس الأنثوية التي تعبر عن ضعفها بالبكاء أثناء تعرضها لخطر فراق الأبناء, وتركهم بين أيدي (زوجات الأب), تنعصر أفئدتهم حسرة والتياعاً على ما فات ولم يعد. في حالة السيدة (نون) فقط تحضر لعتبة حياة جديدة مغايرة لا تسقط فيها الحرية والاستقلالية, والجزء الذاتي الحر الذي يتضمن الأحلام والصداقات الصغيرة. في الفصل الذي سمته الكاتبة "ما قبل الخاتمة" وظفت أسلوب الفلاش باك لاسترجاع الماضي وتسليط الضوء على الحاضر من أجل مستقبل الأجيال العربية الشابة الصاعدة, فهذا الفصل ليس رواية, ولا هو سيرة ذاتية, ولكنه شيء من كل ذلك, خيط من الحساسية ونظرة مختلفة للذات وللعالم والأشياء, ولآلام تجارب سابقة وإخفاقاتها, وفي الوقت نفسه نرى الجيل الثاني من هذه الأسر وهو جيل الشباب يتخبط في مشاكله, وقلة خبرته, وحيلته, وانقطاع الجسور بينه وبين الأهل, رغم أنه يفعم بعطاءات الأهل المادية, ومشكلته أن النضج العاطفي عند أهله مفقود. وتترصد الكاتبة مشاكل الشباب عبر صداقات أبنائها. وترى أن الحب في ظل العولمة والهاتف النقال والكمبيوتر اختلف تماماً عن زمن اللقاءات الخاطفة والمرور تحت النافذة والورود توضع بين صفحات الكتاب. ونتساءل أي ثقافة أنتجت مثل هذا الوعي, ومن حول العاطفة النبيلة إلى استحواذ شديد الانقباض. بعد أن كان الحب لوناً من التأمل في عالم الجمال الكوني؟ وإعادة وهج للروح في عالم غير مجرب من قبل, وندهش للحوار بين الشاب والفتاة عبر الهاتف النقال, كأنه مشهد من مسرحية تنتهي بالقول: "لكأنه طنين ذباب على جثة أجمل علاقة كونية يولد الإنسان وهو بحاجة إليها". بينما الصداقة المتينة تقوم على أساس من التفاهم المتبادل والوفاق الفكري. إن نساء هذا الكتاب اختلفن اختلافاً كلياً عن نساء ما قبل الخاتمة اللواتي عادت الكاتبة إليهن عبر أسلوب الفلاش باك كما ذكرنا وأكثرهن أثراً في النفس, قصة تلك المرأة ذات الجمال الباهر, عاشقة الياسمين والورد المقهورة من قبل الزوج والأخ وزوجة الأخ وكان جمالها نقمة عليها. ففيها الكثير من عناصر التراجيديا اليونانية, أو حتى الدراما الشكسبيرية حيث يتربص قدر رهيب بالنساء المقطوعات اللواتي كن يقمن لفترة في منزل والد الكاتبة ريثما يذهبن إلى أقدارهن. أخيراً نقول: إن بساطة الأسلوب واختيار الشخصيات العادية جعلا المجموعة تقرأ بمتعة. لغز الحياة إنها بلا خواتيم, من منا يبدأ شيئاً ويتوقع نهايته؟ كل فعل نقطة في دائرة مفرغة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |