جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رثاء لحفيدة لم تمت!!! ـــ خطاب حسين محمد الأمين

الرثاء عادة مرتبط بالأموات... وجبلنا على أن نرثي أحباباً فارقونا بالموت.. لأن ذلك فراق دنيوي... أبدي... ولكن هل يحق لنا أن نرثي الأحياء... رب قائل أن المرضى الميئوس من شفائهم أو السجناء مدى الحياة يستحقون الرثاء وقد يكون في هذا بعض المنطق.. لكن ما أعنيه رثاءً لحفيدة ليست مريضة ولا سجينة. معافاة.. لكنها تستحق الرثاء بالنسبة إليّ.. حفيدة أضحى الوصول إليها عزيزاً واللقاء معها ضنيناً بل نادراً وسماع صوتها واحتضانها بعيد المنال.‏

أحبابنا الذين نفتقدهم بالموت يستحيل علينا لقاؤهم في الدنيا.. ومن هنا يأتي الرثاء.. وحفيدتي السليمة المعافاة تستحق أيضاً رثائي, كيف ذلك؟‏

تعودت في خريف العمر على حفيدة ملأت دنياي فأينع بعض من ربيع في هذا العمر..‏

أشرقت أنوار في ظلام كهولة واخضرت زنابق في بيداء قاحلة.. وانطلقت قهقهات بعد عبوس طويل.. فعاد شيء من ربيع العمر... وهكذا سنة الحياة أن يتجدد شبابنا مع الأحفاد..‏

لكن هذه الحفيدة فجأة تباعدت وأصبحت صعبة المنال.. أنادي كالمعتاد "يا فاطمة" فيرجع صدى صوتي حزيناً في أرجاء الدار.. ولم تعد ـ كالعادة ـ تلبي وتأتي مهرولة "جدو" بابتسامة تقهر كل يأس... أدخل البيت فلا أسمع كلمة "جدو جاء" ترددها مع أمها وأجد البيت مقفراً خاوياً وقد خبت أنواره..‏

وعندما أخرج لا أجدها تتشبث بي للخروج إلى حديقة "الجاحظ" حيث تلاعب طيورها وأزهارها... لم يعد الحمام الذي يحط على شرفة البيت يجد من يناغيه "تعالى يا حمامة تريدك توما".. بل لم يعد الحمام يحط على الشرفة إلا قليلاً لم يعد العيد عيداً بالنسبة إليّ ولا عاد هناك من يحتفل بثوب جديدٍ ويفرح به ويصر على عدم خلعه طوال يوم العيد..‏

بائع الذرة ينظر إليَّ مستفسراً لم لم تعد تشتري الذرة المطبوخة كالعادة؟.. نعم لم أعد أفعل ذلك لأن فاطمة وأمها لم تعودا معي فلمن أشتري الذرة؟‏

لم أعد عند كل أكلة أحتاط لأن حفيدتي تشاركنا الأكل بطريقتها التي تبعثر بها ما على المائدة من طعام... لم أعد أجمع الدواء وأعلقه بأماكن مرتفعة خوفاً على حفيدتي..‏

لم أعد أسهر حتى الثالثة صباحاً لأن حفيدتي لم تنم بعد.. بل صار البيت ساكناً خاوياً منذ المغرب..‏

وعندما أنظر إلى ابني أبا فاطمة واستمع إلى تنهيداته وحزنه الذي يغالبه بصبر المؤمن وبجلد الرجال ينفطر قلبي... أيعقل أن يحرم أب من ابنتيه وهن على قيد الحياة؟ بعد أن كانا ملء حياته وحياتي ضحكاً وبهجة وسروراً..‏

ألا يستحق هذا الأمر الرثاء؟‏

ولكن سؤالاً مشروعاً يطرح في هذا السياق:‏

[أين حفيدتك؟ وماذا جرى لها؟ وكيف ترثيها وهي سليمة معافاة؟ ولم أضحى اللقاء بها عزيزاً؟...]‏

الإجابة خاصة أحتفظ بها لنفسي, وعلى القارئ أن يستنبط ما يشاء...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244