جريدة الاسبوع الادبي العدد 1005 تاريخ 6/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مات محمد الماغوط ـــ رضا رجب

مات محمد الماغوط قبل أن يخونَ وطنَه مَع أنَّه هدَّدنا رسميَّاً بذلك, وأخطرنا على صفحات الجرائد وشاشاتِ الفضائيات, ولا يخونُ وطنه من يرى العارَ مضَّاضاً, قولة شاعر العربية الأكبر أبي الطيّب المتنبّي أحدِ أساتذة الماغوط الذين درجوا على هذه الأرض واستمتعوا بصهيل رياحها وعبق رمالها.‏

مات محمد الماغوط.. بهذه البساطة, ودون أن نذرفَ الدَّمعَ أو نلطم الخدود أو نشقَّ الثّياب على الرَّجلِ الذي علَّمنا الحزنَ النَّبيل, وقال: الفرحُ ليس مهنتي.‏

ماتَ محمد الماغوط الذي عملَ كرَّاماً ممتهِناً, وراقبَ دوالَيه بصبرٍ وأناةٍ... واختار الوقتَ المناسبَ لقطاف العنب, ومواعيدِ عصرهِ, وطبخَه على نارٍ لم تكنْ هادئةً دائماً, وانتقى له الآنية الشَّفَّافة, وأفرغ في لحظةِ هدوءٍ وصمتٍ كلَّ ما اعتصرَ في كأسٍ واحدٍة, ونادى بأعلى صوتهِ: كأسك يا وطن... ومن دون أن يقرع الكأسَ بكاسِ النَّدامى, ومن دون أن يترنَّح يمنةً ويسرةً في الحانةِ... انتشرت خمرتُه المعتَّقة من المحيط إلى الخليج.‏

محمد الماغوط الذي كان يريد أن يكون سفيراً ناجحاً للقاهرةِ الصُّغرى, أعني سلميَّة, وكان يريد أن يجعل من حبَّات البطم المهدَّدة بالانقراض في هضاب البلعاسِ إكسيراً لكلّ العُشّاق والسَّاسة والمأزومين والفقراء في هذا العالم... وكان يريد أن يرصف طرقات سلمية بمزق النجوم وضفائر الغمام وحكايات المجد يعود إليها ليضيءَ حفرةً من الأرض دون أن يستطيع استنشاق رائحة التراب الذي قدَّسه حتَّى العبادة...‏

محمد الماغوط الذي لم يكن يمتهن الشّعر.. ولم ينفق أيَّامه ولياليه في ملم عروضه وعيوب قوافيه صار شاعراً ريادّياً, ومع عشق الأذن العربية لموسيقى القصيدة الموزونة المقفَّاة التي اقتحمت خيول الفاتحين معاقل الدُّنيا على إيقاع نغماتِها, سجَّل براءة الاختراعِ على أنَّه أمير قصيدة النثر في الشعر العربي المعاصرِ, وحشد فيها كلَّ شروط القدماء ومعاييرهم النَّقديَّة, وأنتج لوحاته الشّعرية الخالدة موزعاً فيها الألوان والأضواء والأخيلة والصُّور والتعابير التي لم يقدرْ بعده أحدٌ على أن يُقدِّم صورةً طبق الأصل مع أنَّ السَّاحة ملأى بأسماء المحاولين وأشكالِ المحاولات.‏

محمّد الماغوط الذي حوّل كلَّ انتصاراته إلى طابعٍ بريديٍّ, يحمل صورةَ الوطن, ويُلصقه عُشّاقُ الحريَّة على جباههم وغُرّاتِ الخيول التي تصهلُ في ميادين الحب والخير والدّيمقراطية.‏

محمد الماغوط الذي لم يجفَّ بعدُ حبرُ الوثيقة التي بايعه موقّعوها فارسَ الكلمة بامتيازٍ, ولسانَ حاله يقولُ: أعطوا الجائزة لغيري, واتركوني للحزن في ضوء القمر...‏

محمّد الماغوط الذي جسّد مرارة الهزيمة والقهر واليأس في نصٍّ سمّاه غربة وجسَّد رائحة المجد ومناديل العزّ في نصٍّ سمَّاه ضيعة تشرين, كان يُفجّر كوابيسَه دموع فرحٍ وحزن.‏

محمد الماغوط الذي كان يعتقد أنَّ صقيع العالم يحتاجُ لدفءِ سلمية وحنانها, ظفر أخيراً بالرَّاحة الأبدية في أحضانها.‏

محمد الماغوط الذي كان يعتقد أنَّه يسكن غرفةً بملايين الجدران, هو اليوم يلبسَ عباءةً اسمُها الوطن, ويُعلِّق على صدره وساماً اسمهُ سلميَّة, ويقبضُ بيديه على ضفائر الشَّمس وعرائش الياسمين.‏

محمد الماغوط... كلُّ العصافير فرشت أجنحتها ومدَّت مناقيرها ليمرّ موكبه بهدوءٍ وطمأنينة, وكلُّ البساتين استعجلت الرَّبيع ليفتح براعمَها قبل الأوان, ويجعل ألوان الزَّهر أكثر نضرةً والورقُ أكثرَ خضرةً لكي تليق بالقادم الذي بقي عقوداً, ومجمرته لا يجفُّ بخورُها, ويدُه تخطُّ رسائل وتوزّعها بلا حمامٍ زاجل, ولا أضواء صاخبة. كلُّ الصَّبايا وقفت على الشُّرفات ليرينَ موكب العائد كالأبطالِ الذين ضفَّروا غُرّات خيولهم بالغار والنَّصر ومجد الأوطان.‏

أخيراً اعترفت حناجر المنشدين ومحطَّات المسافرين أنَّ الشَّاعر الكبير خير الدين الزّركلي لا يضيقُ ذرعاً إذا استعرْنا بيتَه الشَّهير لنردده على لسان الماغوط:‏

لو مثّلوا لي موطني وثناً لهممتُ أعبد ذلكَ الوثَنا‏

إنَّه الوطن.. وعبادتُه تؤدَّي بالحب والغيرة وشرف الكلمة ونبل الموقف‏

وهذا ما فعله محمد الماغوط.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244