جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تعدد الأحزاب بين الديمقراطية ووأدها ـــ أ.د.حسين جمعة

يذهب كثير من الناس إلى أن تعدد الأحزاب في القطر الواحد قد يشكل نمطاً من إشاعة التنافس الديمقراطي لقطف ثمار الحرية والعدل والمساواة والتكافؤ الاجتماعي والاقتصادي بين أبنائه...‏

فالديمقراطية الصحيحة يمكنها أن توصل الأحزاب إلى المشاركة في صنع القرار سواء عن طريق السلطة التشريعية أم التنفيذية، على اعتبار ما تمتلك من قاعدة شعبية؛ وهو ما شهدناه أخيراً في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية حين انتصرت حماس على (فتح) التي تزعمت السلطة منذ أمد بعيد، وجرى هذا الأمر بكل الأشكال الحضارية لتداول السلطة.‏

أما الأحزاب التي عجزت عن الوصول إلى السلطة، أو التي انتحت بعيداً عنها نتيجة الانتخابات الشعبية، وآمنت بتداول سلمي حضاري لها فبمقدورها أن تشكل معارضة إيجابية ومفيدة حين تمارس بوعي وإدراك مسؤوليتها الوطنية في تحمّل عبء الرقابة والنقد الموضوعي للسلطة الجديدة...‏

ولكن الذي يحدث أحياناً من أساليب وأد الديمقراطية أن المعارضة ذاتها تئد نفسها حين توصد السلطة الأبواب في وجهها ولا تعطيها شيئاً فتلجأ إلى الموادعة من أجل مكاسب قليلة...‏

ومن ثم فالشائع لدى الأحزاب العربية أنها تنادي بتداول السلطة يوم تكون في المعارضة، على حين تئد عملية تداول السلطة بعد الوصول إليها وتمارس دكتاتورية طاغية. ومن الأحزاب من ينادي ـ دائماً ـ بتداول السلطة؛ ولكن برامجها على مختلف الصُّعُد لم تكن يوماً أفضل من برامج الأحزاب الموجودة في السلطة؛ وربما تكون أقلَّ بكثير منها، وعلى الرغم من ذلك تنادي بتداول السلطة، وتجأر بذلك وتسعى إلى تشويه برامج الآخر ظالمة له.‏

وهناك أحزاب عدة تتوافق فيما بينها على تجمع وطني يشكل إطاراً سياسياً متقدماً؛ راضية لنفسها أن يترأسها أكثر الأحزاب قاعدة جماهيرية؛ بيد أن هذا الإطار كثيراً ما يفقد شروطه الموضوعية حين يتراجع أثر بعض الأحزاب لأمر ما، ليصبح ذلك الإطار على مر الزمن مجرد تجمع أحزاب.‏

وهذه الأحزاب التي تدخل في مثل هذا التجمع قد تفقد تمثيلها لجماهيرها إن أصبحت مجرد أداة ولم تعد ملبية لأهداف المجتمع عامة وممثليها خاصة في صناديق الاقتراع.‏

وهذا كله يمثل أشكالاً من وَأْد الديمقراطية، ولكن أسوأ أساليب وأد الديمقراطية ما يحدث اليوم في استغلال المال السياسي لشراء الأصوات إذ راح هذا المال يستغل فقر الناخبين وحاجتهم ويوظفهم لحسابه فهو أكثر سوءاً من استغلال العنف الديمقراطي.‏

فالمال السياسي غزا صناديق الاقتراع في عدد من دول العالم وفي بعض دول الوطن العربي على السواء. وكلنا يعرف أن الشركات الاحتكارية الكبرى هي التي تقف وراء الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في الولايات المتحدة؛ وهي التي جاءت ببوش الابن إلى البيت الأبيض؛ وكذلك جاء المال السياسي بغيره في كثير من بلدان أوروبا والعالم... والمال السياسي هو الذي سخّر كل قوته وإمكاناته لمجيء ما يسمى بجماعة (14) آذار في لبنان وإن كانت هناك أمور أخرى في الأفق. ولهذا فالربح هنا للمال السياسي؛ وهو الذي يجعل أصحابه يقفون بكل ضراوة في وجه الآخرين، ويقتلون الديمقراطية بحجة ممارسة الديمقراطية عن طريق صناديق الاقتراع تزييفاً للأصوات، وتخريباً للنفوس، وقتلاً للمروءة الإنسانية. فهذا الشكل يجسد الاعتداء الصريح والآثم على الديمقراطية ما دامت الحياة الاجتماعية والاقتصادية بائسة لكثير من الشرائح هنا وهناك. ومن ثم فإن المال السياسي يبتكر أساليب جديدة لـه ويستغل أقدس الأقداس لمصالحه؛ أو أنه يرتكب أبشع الجرائم لتحقيقها، بمثل ما تخلق الأوبئة والجوائح طرائق جديدة لعودتها والفتك بالبشرية، كما نلحظه هذه الأيام بوباء انفلونزا الطيور.‏

ولهذا كلّه نرى أنه إذا أرادت الأحزاب العربية الوطنية والقومية أن تخلق لها آليات تنبثق من خدمة المجتمع والأمة وخدمة قضاياهما فعليها أن تتوافق على ميثاق شرف أو على قانون فيما بينها يستند إلى برامج تلبي الثوابت الوطنية والقومية والاجتماعية والاقتصادية وتحقق مفهوم تداول السلطة بكل أشكالها وفق تنافس شريف وحر وديمقراطي...‏

وبهذا تنتفي ظواهر الاستبداد والقهر والتخلف؛ والفقر والجهل والانغلاق والإلغاء... برامج تنفتح على الذات والداخل بمثل ما تنفتح على الآخر وتعدد ثقافته دون أن تذوب فيها. وهذا يفرض عليها التفكير الجدي بإيجاد قانون انتخابي يقوم على أساس التمثيل الحقيقي للجماهير ويعتمد مبدأ تداول السلطة وفق نسبة الاقتراع الشرعية للتمثيل الشعبي. وليس هذا عجيباً وغريباً، فما جرى في فلسطين المحتلة قبل أشهر بين (حماس وفتح) أكبر دليل على أن الشعب العربي قادر على ممارسة الديمقراطية بأفضل أنماطها...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244