جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مهرجان نيسان الثالث في فرع القنيطرة لتكريم المناضل الشهيد جواد أنزور في السابع عشر من نيسان 2006 في بريقة ويبرعم محافظة القنيطرة ـــ د.أحمد كنعان

رئيس فرع اتحاد الكتاب بالقنيطرة

شارك في المهرجان كل من السادة:

اللواء عواد باغ

الأستاذ أحمد عبد الكريم

الدكتور نزير العظمة.

الأستاذ نجدت آنزور

الشاعر مصطفى عكرمة

وأدار فعاليات المهرجان الدكتور أحمد كنعان رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب بالقنيطرة.

وقد ألقى الأستاذ الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب كلمة في المهرجان حيّا فيها ذكرى الجلاء وبطولات المجاهدين في ربوع سورية وتوقف عند الشهداء والشهادة وأشاد بالذين ضحوا بالنفس والنفيس وذكر من بينهم الشهيد جواد آنزور قائد الكتيبة الشركسية عام 1948 وأشاد بهذا المهرجان على أرض الجولان المحررة, وشكر فرع اتحاد الكتاب العرب على نشاطه وتواصله مع جماهير المحافظة التي بدأت في جباتا الخشب مع الشهيد أحمد مريود والآن مع الأخوة الشراكسة كما شكر فرقة الفولكلور الشركسية التي قدمت لوحات رائعة في هذه المناسبة.

وألقى الدكتور أحمد كنعان كلمة في هذا المهرجان جاء فيها:

نسماتٌ عليلةٌ تلاطف الوجوه, وتبشر بالأمل, وطيورٌ تغرد بأعذب الألحان, وفراشات تدور وتدور في حبور, أزهار رسمت لوحة "فنية" رائعة يعجز عنها دافنشي, وموسيقا الربيع تعزف سمفونية الفرح, إنها الطبيعة بما أودعها الخالق من الجمال تستقبل الجلاء وتكرّم الشهداء وتحيي ضيوفنا الأعزاء.

ستون عاماً مرّت على جلاء المستعمر عن أرض بلادنا الحبيبة وبطولات الجلاء تتجدد فينا في كل عام شامخةً زاهيةً تنير للأجيال دروبَ النصر والتحرير.

ستون عاماً وأنسامُ الترب المخضّبِ بدماء الشهداء تهبُّ علينا من سهول بلادنا وجبالها ومدنها وقراها وغوطتِها وتهبُّ علينا من كل بيت ذاق شهد المقاومة وخبر فنون القتال وتلفّحَ بثرى الوطن.

هذا التراب دمٌ بالدمع ممتزج

 

 

تهب منه على الأجيال أنسام

يوم الجلاء هو الدنيا وزهوتها

 

 

لنا ابتهاج وللباغين إرغام

يا راقداً في ميسلون أفق

 

 

جلت فرنسا وما في الدار هضام

أيها الحفل الكريم:

عندما فكر اتحاد الكتاب العرب في فرع القنيطرة أن يحتفي بأعياد نيسان والجلاء وأن يكرم الشهداء فقد رأى أن يكرم في هذا العام الشهيد جواد أنزور في احتفال جماهيري يليق بمكانة هذا الشهيد وبما قدمه من غال ونفيس في تل العزيزيات, وقدّر أنه ومن خلال هذا الشهيد سيكرم شهداء الأمة, وأنه سيحيّي طيفاً من أطياف جولاننا المتمسكين بوحدتهم ولحمتهم وقدسية انتمائهم وعروبتهم, إنهم الشراكسة الذين عاشوا في جولاننا الحبيب وبلدنا الثاني.

قال الخليفة هارون الرشيد يوماً لجلسائه: احفظوا عنا ثلاثاً:الجوار نسب, والمودة نسب, والمهنة نسب.

ولا زالت العرب تنسب المرء إلى المكان الذي ولد فيه أو عاش فيه فيقولون: جبلي, ميداني, حوراني, دمشقي ـ حلبي ـ سوري ـ جولاني ـ تميمي, طائي, شركسي.

فالأخوة الشراكسة عاشوا بيننا ومعنا, شاطرونا آمالنا وآلامنا دافعوا عن حياض الوطن ومقدساته وضحوا بالنفس والنفيس, وقدموا القرابين على مذبح الوطن, وكان من باكورة الشهداء شهيدنا المحتفى به اليوم الشهيد جواد أنزور.

فكل التحية إلى الأخوة الشراكسة وإلى كل شرائح وأطياف مجتمعنا وجولاننا ووطنا المعروفين بلحمتهم وانتمائهم للوطن شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساءً تحية لهم في عيد الوطن عيد الجلاء العظيم.

أيها السادة:

عندما فكرنا بفعاليات المهرجان والندوة التي اعتاد عليها فرع اتحاد الكتاب العرب بالقنيطرة منذ ثلاث سنوات, عندما كرمنا البطل الشهيد احمد مربود في مقر العمليات البطولية التي كان يديرها في جباتا الخشب وأحراثها الخلابة في احتفال جماهيري ما زلنا نتغنى بفعالياته حتى اليوم, فكرنا بندوة متميزة على أرض جولاننا الحبيب فكانت بريقة وبيرعجم تشدنا إليها ليكون الملتقى في أعراس الجلاء لتكرم الشهداء الذين عطروا ثرى الوطن بدمائهم الزكية, ومن بين هؤلاء الشهداء الشهيد جواد أنزور.

أيها السادة وعندما فكرنا بمن سيتحدث في هذه الندوة قفز إلى ذهننا مباشرة الأديب الكبير عبد السلام العجيلي الذي كان من المفترض أن يكون معنا الآن أولَ المتحدثين, وكيف لا وهو صاحب رواية تحدثت عن البطل الشهيد جواد أنزور سماها "السيف والتابوت" ولكن القدر اختاره إلى جواره قبل أيام فودعته سورية في موكب مهيب لتحضنه الرقة من جديد إلى جوار الشهيد جواد, حيث سيكون اللقاء وجهاً لوجه في دار الخلود, ولولا ضيق الوقت لحدثتكم عن أروع ما جاء في هذه الرواية التي ألقيت لأول مرة في النادي العربي بدمشق مساء يوم 22 كانون الثاني عام 1973.

وسأكتفي بما يلي:

بين القبور هناك في الرقة قبرٌ كشف التراب عنه في تلك الأيام المشهود في نقل المقبرة إلى موقع آخر في عام 1965 فوجد المدفون فيه ممدداً في تابوت مغلق, مغلق إلا من فتحة حذاء الرأس ليعرف منها وجهه. لم يغيّر البلى من ذلك الوجه كثيراً, على الرغم من تتابع ثمانية عشر عاماً منذ لُحد في حفرته.

قال الذين كشفوا عن الدفين التراب أنّ شاربيه الأشقرين بدوا كما كانا في حياته, وكأنهما لا يزالان على محياه الأبيض المورّد الذي سقط في المعركة قبل ثمانية عشر عاماً, وجيء بجثمانه حينذاك من ساحة القتال في جنوبي البلاد ليدفن في هذه الحفرة النائية في شمالها.

كان التابوتُ مغلقاً إلا أن بعض الذين جاؤوا لنقله كانوا يعرفون أن الشهيد تحت الخشب المصفح مسجى بثوبه العسكري الذي سار به على رأس جنوده ليحتل تلاً أصبح اسمه منذ ذلك الحين أسطورة, ثم سقط به على سفح ذلك التل صريعاً. مثل كل الشهداء كان الثوب الحربي لهذا الدفين كفنه, وكان دمُهُ حنوطَه, وفوق هذا كان هؤلاء الذين جاؤوا لنقل جثمان الشهيد يعرفون أن ثمة رفيقاً يشاركه ضجعته في التابوت الخشبي المصفح, وذلك الرفيق هو سيف سُجّّي إلى جانبه يوم أودع التابوت ووري في القبر.

مَنْ الشهيد جواد أنزور؟

ولد الشهيد جواد أنزو عام 1900 في مدينة الرقة ونشأ فيها, وعندما قامت حرب فلسطين كان ضابطاً برتبة نقيب في الجيش العربي السوري وبتكليف من القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة قام بتشكيل وحدة عسكرية خاصة من أبناء القرى الشركسية في سورية وخاصة قرى الجولان تتكون من بضع مئات من المقاتلين المتطوعين وتوجه بها إلى جبهة القتال.

عرف الشهيد بين رفاقه ومرؤوسيه بالشجاعة والرجولة, وكان مثالاً للشرف والاستقامة, وقد حظي بالاحترام والتقدير والمحبة لدى كل من عرفه من أهله وجنوده ورؤسائه على حد سواء.

خاضت الكتيبة الشركسية, كما كانت تعرف آنذاك ـ تحت قيادة جواد آنزور عدة معارك مع العدو الصهيوني ببسالة منقطعة النظير واستطاعت أن تحرر عدداً من المواقع وأن تكبد العدو خسائر فادحة في معارك مشهورة مثل معركة بستان الخوري. وسمخ وكعوش وتل الدريجيات... ويتحدث المجاهدون الذين اشتركوا في هذه المعارك عن بطولة وشجاعة قائدهم ويجمعون على أنه كان يتحدى الموت ويبحث عن الشهادة حيث أنه كان يأبى إلا أن يكون في المقدمة ممتشقاً سيفه منتصباً أمامهم حتى حين كانت المعارك تشتد في معركة تل العزيزيات, وكان على القائد أن يستعيد هذا الموقع الاستراتيجي الهام من العدو وأن يحافظ عليه إلى أن تصل القوات النظامية وتتمركز فيه.

وقد جمع رجاله قبيل المعركة وأخبرهم عن أهمية وخطورة هذه المعركة وقال: (من لا يريد الاشتراك بهذه المعركة يمكنه العودة للخطوط الخلفية) إلا أنهم آثروا جميعهم شرف الاشتراك بها.

تحركت القوة عند غروب الشمس باتجاه قمة التل, وبعد معركة قاسية استعمل بها السلاح الأبيض تمكنت القوة مع تباشير الصباح من دحر العدو واحتلال الموقع, وقد استشهد البطل جواد أنزور في هذه المعركة مع مجموعة من رفاقه الأبطال حيث إن عشرات الشهداء قد تم إعادتهم في عصر اليوم التالي إلى ذويهم في القرى الشركسية... وأعيد نقل جثمان القائد البطل جواد آنزور إلى مسقط رأسه في مدينة الرقة حيث دفن هناك في شهر تموز 1948.

أجل, آخر تلك القطرات التي سقطت من دم الشهيد كانت في الرقة تلك البقعة من شمالي الفرات, بينما سالت أولاها في بقعةٍ من مرتفعات الجولان هنا على سفح تل العزيزيات مع خيوط الصباح من يوم الثامن عشر من شهر تموز عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف.

وأما قبل هذا التاريخ بأسابيع قليلة فقد كان النقيب جواد أنزور معتكفاً في بيت أخيه في الرقة يجتر أيامه متقاعداً من الجيش, فما الذي ساق هذا الضابط المتقاعد, المخلد إلى سكون الراحة في هذه البقعة النائية في أقصى الشمال, إلى أن يلقى منيته في أقصى الجنوب على سفح تل دنسه الاحتلال الصهيوني, بقذيفتين تلقاهما في رأسه وصدره.

كان الجو حاراً وشمس تموز الساطعة تحرق هامات الرجال, وفجأة عُزفت موسيقى الشهيد, وقُدم السلاح, ووري التابوت والسيف معاً في القبر, وتناوب الخطباء, وقرئ القرآن الكريم, وانفض الحشد الذي لم يُرَ مثله من قبل في الرقة.

ويقول الأديب عبد الحميد الحمد صاحب كتاب: "تاريخ الشركس وآل أنزور" اليوم أدركت أن الرجال العظماء يعيشون مثلنا, ولكنهم يموت أبطالاً.

بدأت صورة جواد بك, تكبر في أعماقي, وصرت أبحث كلما سنحت الفرصة عن تاريخ هذا الإنسان العظيم, إنه شمس لن تغيب عن ذاكرتي.

وأما وقائع المهرجان والكلمات التي ألقيت في الثورة والقصائد الشعرية والمداخلات الرائعة فإننا سنفرد ملفاً مصوراً خاصاً بها في أعداد قادمة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244