جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

خطورة تتضاعف في ظل العولمة ـــ د.خير الدين عبد الرحمن

حاول نيكولاس أوستلر في كتابه "إمبراطوريات الكلمة: تاريخ لغوي للعالم"(1) تتبع تاريخ العالم من خلال تطور لغات شعوبه وتفاعلها، باعتبار اللغة تشكل التاريخ المشترك لأفراد المجتمع، والرابط الموحد ضامن وحدة المجتمع ولحمته. وهو بهذا يتفق مع كثيرين التقوا على مثل هذه الرؤية مثل جلبرت كونت عضو الأكاديمية الفرنسية الذي قرر أن "كل انفتاح على العالم يفرض أولاً ثقة راسخة وطيدة بالنفس. واللغة تعبير عن هذه الثقة، فهي الجنسية نفسها، هي الوطن حياً ومنظماً في ذات كل منا". إن التلقائية التي يتعامل الإنسان بها مع لغته الأم منذ الشهور الأولى لولادته وبدء نطقه كلماتها وجملها، ومن ثم تعلمه إياها وتعامله اليومي بها، لا يجوز أن تحجب أن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير وتفاهم قابلة للاستبدال شأن أي أداة أخرى يستعملها الناس، فاللغة نتاج المجرى العام لتاريخ المجتمع وبنائه التحتي على امتداد قرون، وحصيلة عدة أنماط من الإنتاج(2). وهكذا شدد أوستلر على أهمية اللغة ومركزيتها في التاريخ البشري، وفي الحياة الإنسانية، معتبراً أنها المركز الذي تلتف حوله المجتمعات البشرية، والأداة الوحيدة القادرة على تقديم صورة دقيقة لخصائص المجتمعات المختلفة وطبائعها المميزة، واهتم بتتبع تاريخ اللغات وتطورها لكي يكتشف أسرار العوامل المؤدية إلى صعود لغة وترسخها وانتشارها في مرحلة ما، واضمحلال أهميتها وانكماشها في مرحلة أخرى. وصولاً إلى سقوطها واندثارها. وقد سعى إلى استكناه الشروط والظروف التي دفعت إلى بروز بعض اللغات وساعدت على تفوق تأثيرها فيما وراء وعائها المجتمعي والجغرافي الأصلي، في إطار دراسة الوعاء الثقافي والحضاري الذي نمت هذه اللغة أو تلك فيه. بدأ باستجلاء حقائق آليات الأبجديات وظروف نشوئها، ثم تطورها مع تطور الحضارة الإنسانية، ودورها الرئيس الفعال في هذه الحضارة.‏

تؤدي اللغة دوراً رئيساً في تشكيل تفكير الفرد والجماعة والمجتمع إزاء الذات وإزاء الآخرين. لكن الصياغة اللغوية لا تشكل فكراً بذاتها، فمصدر الفكر وقوة الفعل والإبداع هما البشر أنفسهم. نأخذ لغتنا مثلاً، فلا نتردد في الاتفاق مع القائلين بأن اللغة العربية صارت، بعد الإسلام، نسباً ثقافياً وأداة التفاعل الحيوي الفكري والسلوكي بين المسلمين وارتقائهم بثقافاتهم من محلية ضيقة وأطر عنصرية إلى مستوى حضارة عالمية. ولئن كانت لغة أي قوم في الأساس أداة تعبير وتفاهم وتعامل، تنقل الفكر الذي تفرزه وقائع الاجتماع الإنساني وتجاربه وتفاعلاته، فهي بالنسبة إلى لغة القرآن أداة توحيد أقوام كثيرة على امتداد العالم.‏

تتكامل عوامل جغرافية واقتصادية وتجارية ودينية واجتماعية في تطوير نفوذ لغة ما وزيادة أهميتها بحيث يتخطى استخدامها حدود مجتمعها الأصلي. رأى أوستلر مثلاً أن الفينيقية انتشرت في مرحلة معينة في حوض البحر الأبيض المتوسط نتيجة النشاط التجاري الكثيف والبارع للفينيقيين، الذين جعلوا من ذلك البحر بحيرة تربط الشعوب القاطنة شواطئه وتسهل تواصلها. أما اللغة اللاتينية فانتشرت عبر الغزوات والحروب التي شنها الرومان، في حين تغلبت الإنكليزية على الفرنسية في الولايات المتحدة لأن الفرنسيين كانوا منفردين من دون عائلاتهم وفي أذهانهم المكوث مدة قصيرة للتجارة والعمل، ثم العودة، وإن كان أكثرهم قد استقر آخر الأمر. أما الناطقون بالإنكليزية فكانوا يحضرون أساساً للاستيطان والاستقرار ترافقهم عائلاتهم. كما أن الإسبانية قد انتشرت انتشاراً هائلاً في أميركا اللاتينية وأصبحت لغة شعوبها وجزءاً أصيلاً من ثقافتهم، بعدما حضر المستكشفون في القرن السادس عشر، وبعدهم جاء الغزاة الذين نهبوا البلاد وأبادوا معظم أبناء الأمم التي كانت تسكنها، ثم المستوطنون والأرقاء الأفارقة الذين تزاوجوا مع بقايا السكان الأصليين وشكلوا مجتمعات جديدة اتخذت الإسبانية لغة يومية.‏

يشير أوستلر إلى مفارقة جديرة بالتمعن، تلك هي انتقال اللغة الهولندية إلى جنوب أفريقيا مع المستوطنين الأوائل الذين غزوا البلاد، وبقاء أثرها الكبير إلى اليوم من خلال كونها جوهر لغة الأفريكانا التي يستخدمها هؤلاء المستوطنون، والتي تتراجع جنباً إلى جنب مع تراجع اللغات الأفريقية المحلية لصالح انتشار التعامل باللغة الإنكليزية. حين فشلت اللغة الهولندية نفسها في التحول إلى لغة أولى، أو حتى ثانية في إندونيسيا التي خضعت للاستعمار الهولندي فترة طويلة. لعل أهم سبب هو أن الاستعمار الهولندي لإندونيسيا لم يكن استيطانياً. وفي بحثه حول تطور انتشار واستخدام اللغة العربية، وعلى الرغم من إشارته إلى أن الحمولة الدينية القوية للغة العربية قد شكلت حماية وحصانة لها، فقد تغلبت نزعة الحقد القديم المتوارث، ممزوجاً بالجهل أو التجاهل، على موضوعية المؤلف، فذهب مذهباً مثيراً للسخرية إذ تحدث في سياق الربط بين انتشار اللغة وترحال أصحابها عن نزعة فطرية لدى الساميين إلى التنقّل والترحال، خضوعاً لخصيصة فطرية بنيوية طاغية لديهم هي البداوة، بحيث لا يستطيعون التخلص من الصحراء التي تسكن ذاكرتهم وتركيبهم. هنا ضرب مثلاً خائباً معاصراً إذ قال إن تشرد الصحراء المتغلغل في نفوس وعقول الفلسطينيين وذاكرتهم الجمعية هو الذي جعلهم يتشردون في العالم، متجاهلاً أن الفلسطينيين عاشوا في وطنهم آلاف السنين، ولم يغادر أكثر من نصفهم ذلك الوطن إلا بعدما أصرت الغزوة الصهيونية لفلسطين على اقتلاعهم سنة 1948 بقوة السلاح والمجازر الجماعية من وطنهم فلسطين، وتشريدهم في المنافي ورفض الإذعان لقرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن ضرورة احترام حقهم الثابت بالعودة إلى وطنهم وممتلكاتهم.‏

تتكامل دراسة أوستلر في كتابه المشار إليه مع دراسة سبقتها لمارك أبلي في كتابه "يتحدثونها هنا: رحلات بين اللغات المهددة"(3). تحدث مارك أبلي عن اشتداد المقاومة التي تبديها مئات اللغات ضد جائحة المد الأنكلوفوني، وخاصة بعد أن أقرت مجلة "مراجعة اقتصاديات الشرق الأقصى The Far East Economic Review" مثلاً، وهي دورية موثوقة متخصصة بتحليل اقتصاديات الشرق الأقصى، أن اللغة الإنكليزية قد صارت اللغة الأولى في آسيا-كبرى قارات العالم مساحة وسكاناً ومستقبلاً واعداً –ولسان التفاهم والتوحيد بين شعوب آسيا ولغة الفرص الاقتصادية. ينطبق هذا الوصف على القارات الأخرى أيضاً. فبعد التفرد الأمريكي في الهيمنة على العالم وفرض عولمة لا يخفي تركيزها الاقتصادي والسياسي تأثيراتها الثقافية والقيمية، كادت اللغة الإنكليزية تفرض رديفاً –أو حتى بديلاً-لسائر اللغات الأخرى. لقد قرر المفكر السويسري البارز جان زيغلر أن "ثورة الاتصالات لم تنتج القرية الكوكبية بمعايير التفاعل الثقافي والإنساني، وإنما وفق آلية التلاطم، كأننا في محيط تتلاطم أمواجه، لا يستطيع أحد أن يرى الآخر إلا من خلال رغبته في البقاء الذاتي". صحيح أن التلاطم ينهك كل المتلاطمين، إلا أن الموجة الأقوى تمحق الموجات الضعيفة أو تزيدها وهناً على وهن. في عالمنا اليوم ما يقرب من ستة آلاف لغة منطوقة، أكثرها في آسيا –ترجح توقعات العلماء اندثار نصفها على الأقل قبل نهاية القرن الحادي والعشرين. ومن بين اللغات المرشحة للبقاء هناك نحو ستمائة لغة ستكون آمنة في منأى عن الاضمحلال والتلاشي أو الذوبان في سواها –وقد رأى آخرون أن خمسة آلاف لغة سوف تنقرض تماماً. أما اللغات الأخرى التي يرجح أن تنجو من اندثار سريع فسوف تظل عرضة لذبول وانكماش أو شيخوخة مبكرة، بفعل تسارع وتائر التغيير المعاصرة وتعاظم تأثيرها.‏

لقد اهتم مفكرون كثيرون آخرون في السنوات القليلة الماضية بمصير اللغات المتداولة في ظل هذا التغيير المتسارع والشامل الذي يعيشه عالمنا، على نحو ما فعل أندرو دالباي مثلاً في كتابه "اللغة في خطر: التنوع اللغوي وتهديده لمستقبلنا"(4) حيث توقع المؤلف أن يشهد القرن الحادي والعشرون اختفاء خمسة آلاف لغة يجري استخدامها حالياً تحدثاً وكتابة، نتيجة الانتشار غير المحدود للغة الإنكليزية، واندفاع الناس في المجتمعات المختلفة إلى استخدامها بديلاً من لغاتهم الوطنية. وقد دعا إلى تحقيق أكبر قدر من تفاعل اللغات الوطنية مع اللغة الإنكليزية، من أجل حماية تلك اللغات وتأهيلها للاستمرار في الحياة، من خلال توفير مواءمة كافية بينها وبين شروط الواقع الجديد ومعطياته. وقد توافق أغلب الخبراء على أن لغات قليلة سوف تصمد أمام الغزو الحضاري والثقافي الذي يسعى إلى فرض النمط الثقافي الأمريكي الضحل معلباً، بقيمه الفاسدة، على سائر الأمم. يتم هذا في سياق إصرار أمريكي على اختراق الأديان والقوميات والثقافات والمفاهيم والعادات والتقاليد واللغات الوطنية وتجاوزها وصولاً إلى الأفراد في كل مجتمع، من أجل إعادة صياغتهم وتشكيلهم وقولبتهم بحيث يتحولون إلى مستهلكين ومنتجين خاضعين تماماً لتوجيه وتحريك المركز الأمريكي، فتصبح تبعيتهم الكلية لهذا المركز فكرياً وثقافياً وقيمياً وسلوكاً وذوقاً عادة يومية وأسلوب حياة. وهنا تؤدي الهيمنة اللغوية عبر شبكة الانترنت ووسائل الإعلام ووقائع التعامل اليومي في الإنتاج والاستهلاك والتجارة والفن والتواصل ومن اللغات التي توقع أكثر الخبراء صمودها اللغة الصينية التي رأوا أنها ستصبح اللغة العالمية الثانية بعد الإنكليزية، على الرغم من أن الصين قد نفذت بنجاح خطة طموحاً بالغة الجرأة لنشر تعليم الإنكليزية بين الصينيين، وهم من أشد الأمم تمسكاً واعتزازاً بتقاليدهم وثقافتهم، فبلغ عدد من يتحدثون الإنكليزية بطلاقة تامة اليوم ثلاثمائة مليون صيني. شكلت هذه الخطة جزءاً من خطة أشمل للنهوض الاقتصادي جعلت الصين صاحبة أعلى مستوى للنمو الاقتصادي في العالم على امتداد العقدين الماضيين، وصاحبة أحد أعلى الاحتياطات النقدية والاستثمارات الخارجية من بين سائر الدول. تحل الإسبانية التي تستخدمها الغالبية الساحقة من شعوب أميركا اللاتينية في المرتبة الثالثة للغات التي سوف تبقى حية، بعد الإنكليزية والصينية. أما المرتبة الرابعة للغات التي سوف تنجو من الاندثار فاللغة العربية. توقع هؤلاء الخبراء أن تنحسر اللغات الأوربية الحية القوية، مثل الفرنسية والألمانية والروسية، مع إشارة إلى فرصة محدودة أمام تلك اللغات الحية القوية للبقاء على قيد الحياة محصورة في أطر مجتمعاتها الأصلية فقط. استشرف المؤلف مارك أبلي نماذج للخسائر الفادحة التي ستمنى البشرية بها نتيجة اندثار ثرواتها اللغوية التي تشكلت على مدى آلاف السنين، والتي لن يكون بالإمكان تعويضها. من هذه النماذج مثلاً اللغة الشركسية، إحدى أغنى اللغات القوقازية الحية، التي تضم ثمانية وأربعين صوتاً من الصوامت، وصوتين معتلين فقط، مما جعلها لغة فريدة ونادرة من هذا الجانب الذي يهتم علماء اللغويات كثيراً به في تعاملهم مع المكونات الصوتية للغات.‏

لقد سبق لعالم أنثروبولوجي بارز هو ليفي ستروس أن قرع أجراس الخطر منذ عدة عقود، وخاصة في كتابه "عالم واحد وعدة أصوات"، إلى خطورة التعامل الأوربي مع باقي العالم انطلاقاً من "المركزية الأوربية" التي تعتبر أن أوربا وامتدادها البشري –الحضاري في شمال أميركا وأستراليا ونيوزيلندا هي العالم، بينما باقي الأمم مجرد فائض بشري وثقافي و حضاري بل وصل الأمر ببعض الغربيين إلى حد اعتبار الأمم الأخرى هباءً بشرياً، أو غباراً بشرياً، أو نفايات بشرية! لقد حذر ستروس في وقت مبكر من خطورة هذه النزعة الاستعلائية المدمرة على ثقافات العالم ولغاته.‏

تضاعفت هذه الخطورة مرات ومرات في ظل عولمة تستخدم سبيلاً لأمركة العالم، عبر نظام اقتصادي وتجاري يخدم هذا الهدف، مدعوماً ومحمياً بضغط من قوة عسكرية طاغية لا تتورع عن البطش، وانتشار مخابراتي وإعلامي واسع لا يتورع عن تدمير المجتمعات. لذلك كانت من أبرز وصايا هوشي منه، قائد تحرير فيتنام من الاحتلال الاستعماري الفرنسي، وقائد انتصارها المدوي على ستمائة ألف جندي أمريكي غاز، وصيته القائلة لشعبه: "حافظوا على صفاء اللغة الفيتنامية كما تحافظون على صفاء عيونكم. تجنبوا مهما كانت المشقة استعمال كلمة أجنبية في موضع تستطيعون استعمال كلمة فيتنامية فيه".‏

نستذكر هذه الوصية مع تصاعد الشكوى وتلاحقها مما تتعرض لغتنا العربية له من تحديات خارجية وداخلية. لا يكفينا هنا الاطمئنان القدري إلى أن اللغة العربية أكثر حصانة من سواها تجاه خطر الاندثار أمام اجتياح لغة أخرى، والفضل في هذا للقرآن الكريم الذي التزم الله عز وجل بحفظه. لقد أدرك الغزاة والمستعمرون الأوائل هذا مبكراً، فقال غلادستون، رئيس الحكومة البريطانية الأسبق مثلاً، إن أوربا لن تستطيع السيطرة على الشرق مادام القرآن متداولاً في أيدي المسلمين. كذلك قول الحاكم العام الفرنسي للجزائر يوماً "لن ننتصر على الجزائريين ماداموا –على الرغم من مرور مائة عام على وجودنا هنا- لايزالون يقرؤون القرآن ويتحدثون بالعربية". لقد تعلمت الولايات المتحدة الدرس من المستعمرين القدامى، ولذلك لا سبيل للتراخي في مسؤولياتنا وواجباتنا –أفراداً ومجتمعات وأمة- لحماية لغتنا. إن ما تعانيه لغتنا في العقود الأخيرة نتيجة استهتار أهلها وإهمالهم قد بات يشكل حلقة مفرغة بالغة الخطورة، تحمل في طياتها مخاطر سياسية وثقافية للحياة العربية، تبدأ بالبيت وتمر بالمدرسة وتنتهي بالإعلام، كما كتب المفكر البحريني د.محمد علي فخرو(5).‏

إن لغتنا، مثلما هي حال بنيتنا المجتمعية وروابطها وعلاقاتها، مهددة بمخاطر وعوامل داخلية وأخرى خارجية، يتعاظم فعلها حيناً وتشتد سطوة تأثيراتها، وتخبو أو تتراجع حينا آخر في مراحل قوتنا وتنامي فاعليتنا. نبه مفكرون كثر إلى الداخلي والذاتي من هذه العوامل والمخاطر، مثل التحذير من خطورة جعل مسألة القيد و الإطلاق في اللغة –عقب تحول الخلافة الإسلامية إلى ملكية، ثم إلى وراثة-أداة فعالة لتبرير إرادة صاحب السلطان وتطويع المواقف-بما فيها الحكم الشرعي-لأغراضه الخاصة، استغلالاً لحقيقة أن عملية القيد والإطلاق تلغي ثبات الفكر في العبارة ذاتها، وتخضعه لإرادة المتكلم أو مصلحته أو إدراكه. صار حتى النص القرآني الواحد حجة لعدة فرق و طوائف تحترب به وعليه في وقت واحد. رأى د.محمد جواد رضا في هذا الصدد أن الأصل هو الإطلاق، والقيد عارض لسبب فيه منفعة عامة أو وقاية من ضرر، وفق مابيّن جلال الدين السيوطي في القرن التاسع الهجري. فالمطلق هو الدال على الماهية بلا قيد، وهو مع القيد كالعام مع الخاص، ومتى وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه، وإلا يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. كما نبه إلى أن اللغة تتمرد على الحكم العقلي عندما تضيع الحدود بين المطلق والمقيد في اللسان العربي. يتضح هذا بجلاء في قدرة النصوص والعبارات "المغبشة" على استثارة معان غير قابلة للتحديد في أذهان الآخرين، مثل الحرية؛ العبودية؛ المجتمع الصالح؛ التقدم؛التخلف؛ النضج؛ العدالة؛ الحق... مما يحول دون تحقيق نتائج نافعة للمجتمع. وبالتالي يرى د.رضا أنه لا يجوز للغة أن تصنع عقلاً خاصاً بها، ونظاماً فكرياً يتشكل وفقاً للأوجه المحمولة في العبارة اللغوية حمالة الأوجه، وإنما يجب أن يظل العقل حاكم اللغة، بما يغلب الدلالة الإدراكية على الدلالة غير الإدراكية، ويقلص من جعلها لغة أحكام وانفعالات على حساب كونها لغة معلومات وحقائق.(6).‏

أما الأمثلة على العوامل والمخاطر الخارجية التي تهدد لغتنا فكثيرة أيضاً، فقد منع الإنكليز، في أثناء استعمارهم السودان مثلاً، انتشار اللغة العربية والدين الإسلامي وحاصروهما في شمال البلاد وجنوبها، بينما قاموا بتشجيع وتنشيط توسع البعثات التبشيرية الكنسية الأجنبية في تعليم اللغة الإنكليزية وتنصير السودانيين. جاء في مذكرة رسمية للسكرتير المدني للإدارة البريطانية بشأن اللغة في جنوب السودان ضرورة تنفيذ سياسة تهيئة موظفين لا يتكلمون العربية، وأن تكون الإنكليزية هي لغة المكاتب (الإدارة). وتم عقد مؤتمر للغات المحلية في بلدة الرجاف في جنوب السودان أوصى باستخدام اللغات المحلية؛وعين الخبير اللغوي د.توكر Dr.Tucker مستشاراً لإنتاج الكتيبات الملائمة بهذه اللغات. نصت المذكرة على استخدام اللغة الإنكليزية- لا العربية-في الاتصال بالأهالي عندما يتعذر استخدام اللغات المحلية.‏

إن جائحة متنامية تهدد لغتنا ببدائل تحملها وتغذيها عوامل عديدة مثل ثورة الاتصال التي فرضت بقوة مصطلحات لغة للتخاطب الإلكتروني، جنباً إلى جنب مع طغيان هيمنة تداول اللغة الإنكليزية في التعامل اليومي والبث الفضائي، والتخريب المزدوج الذي تتعرض له لغتنا العربية في معظم أقطارنا، بل كلها دون استثناء، نتيجة تدهور مستوى التعليم من ناحية، وتغلغل العمالة الأجنبية-وخاصة الآٍسيوية- في أكثر البلدان العربية إلى حد باتت معه مهمة تعليم الأطفال وتربيتهم منوطة بخادمات يعلمنهم لغة مسخاً تمتزج فيها بعض الكلمات العربية المشوهة لفظاً وموقعاً مع فيض من كلمات هندية وإندونيسية وأوردية وبنغالية وسنهالية وتاميلية فلبينية وإنكليزية. يتعزز استخدام هذا الخليط المسخ في التعامل اليومي مع السائقين والباعة وعمال الصيانة والخدمات المختلفة، لتصبح النتيجة قطيعة متعاظمة بين كثير من أبناء الأجيال الجدية، ليس فقط مع لغتهم القومية، وإنما مع آبائهم وأمهاتهم أيضاً، ومع انتمائهم أيضاً.‏

***‏

الهوامش:‏

1-Nicholas Ostler, Empires of the Word: A.Language History of the World, Harper Collins, 2005.‏

2-د.سامي مصطفى، الشخصية القومية، قضايا عربية، العدد 2، السنة 6، حزيران 1979.‏

3-Mark Abley, Spoken Here: Travels Among Threatened Languages, Hynman , 2003.‏

4-Language in Danger: The Loss of Linguistic Diversity and the Treat to Our future, Colombia University Press. 2003.‏

5-محمد علي فخرو، التغريب وعودة الوعي والكرامة، الاتحاد، أبو‏

ظبي، 7/7/2005، ص 24.‏

6-د.محمد جواد رضا، تقييدالمطلق وإطلاق المقيد، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 199، أيلول 1995، ص 4-12.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244