جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

فاطمة الغرناطية ـــ محمد قجة

لن أعود بكم في رحلة عبر الزمن الماضي لنتعرف إلى فاطمة الغرناطية أيام بني الأحمر.. أو في قرطبة أيام بني أمية..

لقد كانت فاطمة هنا في حلب… وفي دار الكتب الوطنية جلست مع أسرتها تستمع إلىعازف الغيتار الأندلسي وهو يرسل نغماته الشجية الساحرة.. نغمات فيها أحزان الأندلس وفيها بقايا فن الأندلس…

جلست فاطمة الغرناطية.. صبيّة في العشرين من عمرها… وجهاً بلون السنابل التي لوحتها الشمس، وعيناها السوداوان تشرقان لمحاً وذكاءً وحيوية… تحار في لونهما هل هو قادم من أعماق الصحراء.. أم من خلف القرون في غرناطة الأندلس. وانسدل شعرها الأسود موجة من الحرير تحيط بوجهها الجميل.

إنها فاطمة بنت انتونيو خيل دي كاراسكو… وكانت معها أمها ماريا وأقاربها… ماريا التي تحسبها قادمة من حي الفرافرة أو الجديدة أو اليباخة.

لن تتردد لحظة في أنك أمام أسرة عربية… بل عربية من بلاد الشام بالملامح واللفتات والانفعالات.. ولن يتغير شيء سوى اللغة..

الدكتور أنتونيو خيل دي كاراسكو.. مدير معهد ثربانتس في دمشق.. تسلم منصبه قبل أشهر قليلة.. حينما التقيته لأول مرة خلت أنني أمام رجل من أعماق أحيائنا الشعبية بقامته وسمرته وملامحه… تصافحنا بحرارة كأننا أصدقاء منذ عدة عقود… والدكتور أنتونيو يجيد اللغة العربية إلى جانب الإنكليزية والفرنسية، ولغته الأمة الإسبانية.

أخذنا ركناً في أحد المقاهي أمام القلعة… كانت معه أسرته وقريباه… وأطلّت علينا قلعة حلب بهيّة شامخة تزحم قمتها الشهب…

قلت لأنتونيو: هل تدري أننا الآن أمام أكبر قلعة وأقدم قلعة في العالم… نحن أمام تسعة آلاف عام.. قلعة توالت عليها عشرات الحضارات لتأخذ شكلها العربي الأشهب الذي استوعب كل تلك الحضارات في قالبه المرن المتسامح.

كانت هذه القلعة "أكروبول" المدينة ومعبد آلهتها: حدد وعشتار ودجن وسواها. ثم توالت عليها العصور لتغدو ثكنة عسكرية أو قصوراً ملكية… وخلال عمرها المديد لم يستطع غازٍ أن يقتحمها عنوة.. إنها درة العمارة الدفاعية العربية والإسلامية.

سألني أنتونيو: كم زائراً يدخل هذه القلعة سنوياً… وقفزت فوق سؤاله قائلاً: إنني أعلم أن قصور الحمراء في غرناطة تستقبل سنوياً عشرات الملايين من الزوار… تلك القصور الخالدة التي تحمل جدرانها عبارة: "لا غالب إلا  الله". والأندلس بمدنه وآثاره العربية قبلة الساحة الثقافية والتاريخية، سواء أكان وقوفك أمام برج الذهب في إشبيلية، أم في جامع قرطبة العظيم، أم في قصور الحمراء… أم في  الحارات والبيوت في كل من مدن الأندلس.

وبدوري سألت أنتونيو: هل أنت من غرناطة أم من أطرافها. وتأملني أنتونيو مليَّاً قبل أن يجيب:

إنني من غرناطة.. بل إنني عربي من مملكة غرناطة، وأنا أفخر بذلك وأعتز.

وتداعت إلى ذهني الذكريات والصور… تذكرت ما قاله أبو ريشة حينما كانت بجنبه حسناء أندلسية في الطائرة، وتباهت بنسبها، ثم سألته عن نسبه… فلم يكن إلا أن قال قصيدته التي ختمها بهذين البيتين:

هؤلاء الصيد قومي فانتسب

 

 

إن تجد أكرم من قومي رجالا

أطرق القلب وغامت أدمعي

 

 

برؤاها، وتجاهلت السؤالا

وتذكرت لقاء في باريس مع سائحة إسبانية عرفتني على نفسها باسم"إيزابيلا أبّاد" فقلت لها فوراً: إنك من سلالة الملوك من بني عبّاد، ملوك إشبيلية وقرطبة، وكوكبهم المعتمد الملك والشاعر.

وتذكرت أول لقاء مع السفير الإسباني في سورية، حينما أخبرني أنه من مدينة "جيَّان" وأوضح لي أن مدينته تبعد 60 كم عن جامع قرطبة، وحينها قلت له: بما أنك من مدينة "جيّان" فأنت حفيدي، لأن جند الفتح الذي دخل الأندلس مطلع القرن السابع للميلاد كان قسم منه يدعى جند قنسرين، وهم من حلب ومناطقها وقد أقاموا في مدينة "جيّان".

وتذكرت أمسية في إحدى حدائق جيّان، وأنا أراقب الناس من حولي: الأطفال يتقافزون، والنساء في أحاديث بصوت مرتفع يتخلله تناول المكسرات والمشروبات... أغلق أذنيك تظن نفسك في حديقة في حلب أو القاهرة أو فاس.

***  

قال لي أنتونيو: إن أسرته تملك منزلاً فوق التلّ الذي يطل على غرناطة، والذي وقف عليه "أبو عبد الله الصغير"، آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة وهو يلقي النظرة الأخيرة على غرناطة، وحينها بكى الملك الصغير، فما كان من أمة عائشة الحرة إلا أن قالت له كلمتها الخالدة:

ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً

 

 

لم تحافظ عليه مثل الرجال

ولا يزال الأدلاء السياحيون يصطحبون الزوار إلى هذا التل ويقولون لهم:

"هذا هو المكان الذي أطلق فيه المغربي آخر حسراته".

(EL ULTIMO SUSPIRO DEL MORO)

***  

كانت السنوات الخمس الأخيرة من عمر غرناطة قد شهدت صراعات داخلية مريرة بين أبناء الأسرة الحاكمة من بني الأحمر، ولم يدركوا فداحة الأخطار المحدقة بهم.

كان الخلاف بين أبي عبد الله الصغير وعمه المعروف بـ"الزغل" وتبارى الرجلان بالتقرب من فرديناند وإيزابيلا ملكي قشتالة وأرغون. وانتهى الأمر بزوال العم وابن أخيه..

وهاهو نزار قباني يستحضر تلك اللحظة:

"مضت قرون خمسة مذ رحل الخليفة الصغير عن إسبانيهْ

ولم تزل عقلية العشيرهْ..في دمنا كما هيهْ

حوارنا اليومي بالخناجرِ

أفكارنا أشبه بالأظافرِ

مضت قرون خمسة يا غاليهْ.. كأننا نخرج هذا اليوم من إسبانيهْ".

***  

مملكة غرناطة... وهذا واحد من أبنائها يحمل اسم "أنتونيو خيل دي كاراسكو"... غرناطة التي أنجبت في القرن العشرين أعظم شعراء الإسبانية في العصر الحديث "لوركا" والذي كان يباهي بأنه من "مملكة غرناطة".

إنها دورة الزمان ولعبة الأمم... ولكن تلك القرون الثمانية كانت المفتاح الذهبي الذي منحته إسبانيا الإسلامية إلى أوربا فانفتحت أمامها أبواب العصر الحديث مع عقلانية ابن رشد وطب ابن زهر وعلوم ابن العوام وابن البيطار وفلسفة ابن طفيل وابن باجه... وإنسانية ابن عربي وابن سبعين... وموسوعية ابن خلدون وابن الخطيب...

مرحباً بك فاطمة الغرناطية  في حلب... عاصمة الطرب الأندلسي ووريثة الفن الغرناطي

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244