جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الترجمة وحوار الحضارات ألقيت في المركز الثقافي العربي "أبو رمانة" 13/4/2006 ـــ عدنان جاموس

يجدر بنا قبل مقاربة الموضوع أن نحدد المعنى المقصود من كلمتي "الترجمة" و"الحضارة". ومن المعروف أن ثمة رأياً يذهب إلى أن "كل رؤية هي ترجمة" (كما يقول المفكر أنطون مقدسي), "فالعالِمُ يترجم الواقع إلى مفاهيم, والأديب إلى صور, ورجل الأعمال إلى مشروعات, والسياسي إلى إجراءات الخ... فلِكُلٍّ ترجمته وإن كان العلمُ واحداً والعالَم واحداً".‏

ونحن سنعتمد في حديثنا هذا الترجمة بمعناها اللغوي المعبر عنه بالكلمات.‏

وهو ليس بالمعنى المحدود أو الضيق, فالترجمة "ليست مجرد نقل من لغة إلى أخرى, بل هي نقل النص المترجم من بيئة إلى أخرى, من جوّ ثقافي معين إلى جو آخر ربما يختلف كثيراً عن الأول", ولا أظن أن هذا الطرح يثير من الجدل ما يمكن أن يثيره تعريف كلمة "حضارة".‏

فثمة باحثون يرون "أن الحضارة والثقافة شيء واحد بلفظتين مترادفتين, أو أنهما متقاربتان ومتداخلتان" وهناك من يرى "أنهما مفهومان متغايران لكل منهما مجاله وحدوده".‏

ولم نكن لنتعرض لمعالجة هذه الإشكالية لولا ورود كلمة "الحضارة" في سياق الحوار بالذات, مما يوجب علينا تبيان ما نفهمه من هذا المصطلح وتعيين مجاله وحدوده, ومن ثم تبيان ما يتضمنه مفهوم "الثقافة" وتعيين حدوده أيضاً. ولن تسعفنا في هذا العودة إلى المعاجم العربية أو معالجة الموضوع بالاعتماد على المعنى المعجمي لكل من هاتين الكلمتين اللتين اكتسبتا مع مرور الزمن معاني أغنى وأوسع بكثير من معانيهما الأصلية الأولى. كما أن المعاجم الأجنبية (الانكليزية والفرنسية والروسية) التي تشير إلى أن كلمتي Civilization, Culture مستعارتان من اللغة اللاتينية تعطي تعريفات كثيرة لهذين المصطلحين "يتقارب بعضها من بعض إلى حد التداخل ويتباعد بعضها عن بعض إلى حد التخالف", حتى أن الفيلسوف الألماني شبينغلر (1880 ـ 1936), مؤلف كتاب "أفول أوربا" والفيلسوف الروسي بيرديايف (1984 ـ 1948) يريان أن كلمة "Civilization" تعبر عن عصر الانحطاط والتفسخ بعد عصر "الثقافة Culture" التي تتسم بالوحدة والتماسك. ولابد لنا في هذه الحالة من أن نتواضع على معنى محدد نسبياً لكل من هاتين اللفظتين, وأقول نسبياً لأن التداخل بينهما لا مناص منه, بحكم ما قر في الأذهان من معانيهما نتيجة استعمال إحداهما مكان الأخرى في كثير من الأحيان, وإذا نحن ذهبنا مع بعض الباحثين إلى القول: "إن الحضارة هي الجانب المادي من الحياة المتمثل في المبتكرات والمخترعات والمصنوعات التي نجمت عن تقدم البحث العلمي النظري وتطبيقاته العملية (التقنية) وهي الإنجازات الحضارية التي نستخدمها في حياتنا اليومية" توجّب علينا أن نقول مع هؤلاء الباحثين: "إن الحضارة العالمية واحدة, وبعض الأمم قد أوجدتها وابتدعتها, وأمم أخرى قد اقتبستها وقلدتها.‏

وثمة أمم اكتفت باستيراد مظاهرها ولم تكن أكثر من مستهلك لها, وبهذا لن يكون لمصطلح "صراع الحضارات" أو "حوار الحضارات" سوى معنى تأثر كل حضارة بما سبقها وتأثيرها فيما لحقها". وفي هذه الحالة تكون "الثقافة" حسب رأي هؤلاء, هي "الجانب الروحي المعنوي من الحياة القائم على العقيدة والتراث الفكري واللغوي والأدبي والفني وما ينجم عن ذلك من ثوابت ونوازع نفسانية وأخلاقية وسلوكية في العادات والتقاليد ونمط الحياة, وهو ما يمكن أن نسمّيه "هوية" الأمة التي تميزها من غيرها, وينتج عن هذا التمايز الاختلاف بين الثقافات في العصر الواحد, وفي تراث الثقافات السابقة, وعن هذا الاختلاف قد ينشأ "حوار" بين أهل ثقافتين أو ثقافات متعددة فيحدث تبادل التأثر" هذا ما يمكن أن ندعوه "المثافقة".‏

ويتابع أصحاب هذا الرأي قائلين: "وإذا نحن نظرنا إلى الأسباب المؤدية إلى الإنجازات الحضارية والتطبيقات العلمية نجد أنها تتصل من جهة بالثقافة ومن جهة أخرى بالحضارة", وتقع على تخوم هذه وتلك, وهنا بالذات يحصل التداخل والتشابك بين كلتا الظاهرتين: "فالمنهج الفكري, وأساليب البحث العلمي,واعتماد العقل, وتنظيم العمل والإنتاج تنظيماً عقلانياً منطقياً حسب المناهج المثلى الناجعة, هي مصادر الحضارة وأسبابها التي تؤدي إلى ظهور نتائجها ومظاهرها... واقتباس هذه الأسباب والمناهج والأساليب لا يستدعي بالضرورة التخلي عن العقيدة أو اللغة أو التراث أو النظرة إلى الكون والحياة, بل ربما استدعى التحرر من بعض الرواسب والشوائب التي يُظن أنها من ثقافة الأمة وهي ليست في الحقيقة سوى عادات ومظاهر كانت ملازمة لوسائل حضارة سابقة ثم أصبحت بالية مع الزمن, ولا يكون في التخلص منها تخلّ عن جوهر ثقافة الأمة وأصالتها".‏

ولكن هذه المقبوسات المطولة من آراء الباحثين الذين يحاولون تعيين حدود هذين المفهومين "أي الحضارة والثقافة" لا تأتي على ذكر مصطلح ثالث له علاقة وثيقة بهما وهو مصطلح "المدنية" والتمدن, وإذا كان المعنى الأصلي لكلمة الحضارة والتحضر في اللغة العربية هو سكنى المدن والقرى, خلافاً لحياة البداوة (أهل الحضر والمدر وأهل الوبر) فإن المعنى الأصلي لكلمة "مدنية" هو سكنى المدن وطريقة العيش فيها, أي ما يقابل مصطلح "Urbanization" المأخوذ من اللاتينية, وعلى هذا ربما كان من المناسب أن نتواضع على القول إن "المدنية" تعني الجانب المادي من الحضارة و"الثقافة" تعني الجانب الروحي منها وإن "الحضارة" نفسها تتضمن كلا المعنيين وما يقع على تخومهما مما أشرنا إليه سابقاً. وهكذا يكون ما يعنينا في مجال "الحوار" هو "ثقافة" الأمة بالذات لأنها هي التي تجسد هويتها وشخصيتها الأصيلة. ولاشك في أن الوسيلة الرئيسة الناجعة للحوار وللتبادل الثقافي بين الأمم تتمثل في الترجمة ـ بالذات. وإذا نظرنا إلى التاريخ نجد أن الحضارة العربية قد اغتذت في العصرين الأموي والعباسي بحضارات أمم عديدة عن طريق الترجمة بالذات, وكوّن العرب حضارة غنية متقدمة اقتبست منها الأمم الأوربية الكثير, واستعانت بها لبناء نهضتها, وكان ذلك عن طريق "ترجمة" الآثار العلمية والفكرية التي أبدعها العلماء والفلاسفة والمفكرون العرب وقد اعترف بهذا كثير من الباحثين والمفكرين الأوربيين الموضوعيين وتحدثوا عنه في العديد من أعمالهم.‏

وإذا نظرنا إلى المجالات التي برز فيها التفاعل بين الثقافتين العربية والروسية على وجه الخصوص نجد أن هذا التفاعل قد برز على نحو واضح وفعال في مجال الإبداع الفني على وجه العموم والإبداع الأدبي خصوصاً؛ وهو مجال تتجلى فيه روحُ الأمة وعقليتها وتطلعاتها وقدرتها على خلق أساليب جديدة في التعبير عن الذات. ولعل أول ما يخطر على البال في هذا الصدد تأثر شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين (1799 ـ 1837) بالتراث العربي الشعبي من خلال الترجمة عن اللغة العربية إلى اللغة الروسية عبر لغات وسيطة. وقد استحوذت النصوص المترجمة على إعجاب الشاعر وأثرت معارفه وأثارت دوافع الإبداع لديه. فقد تأثر بوشكين بأجواء حكايات "ألف ليلة وليلة" التي كانت قد ترجمت من العربية إلى الفرنسية في الأعوام (1703 ـ 1713) على يد المستشرق الفرنسي الشهير أنطون غالاّن (1646 ـ 1715) ثم ترجمت إلى الروسية في الأعوام (1763 ـ 1771) واستوحاها بوشكين في الكثير من مقطوعاته الشعرية, وكان أشهر عمل لديه يبرز فيه هذا التأثر هو حكايته الشعرية "رُسلان ولودميلا" التي نلمس فيها عناصر من عدة قصص من كتاب "ألف ليلة وليلة".‏

بيد أن الأثر الأهم الذي يشهد على تأثر بوشكين بالثقافة العربية الإٍسلامية وانبهاره ببعض ما اطلع عليه منها هو مقطوعاته الشعرية التسع المجموعة تحت عنوان "محاكاة القرآن" وقد اطلع بوشكين على القرآن الكريم في ترجمته الروسية المنقولة عن الفرنسية والتي أنجزها المترجم فيريوفكين (1732 ـ 1795) في عام (1790).‏

وأياً كانت درجة جودة الترجمة الروسية التي امتدحها كثيرون فإنها ظلت مقصرة بالطبع كل التقصير في نقل الإعجاز البلاغي القرآني؛ ولذا فإن من الشطط العقول إن الذي أثار إعجاب الشاعر هو الشكل الفني فحسب في الصياغة القرآنية؛ ولاشك في أن ما استطاع المترجم أن ينقله يثير الإعجاب بأصالته وخصوصيته, ولكن بوشكين أعجب أكثر ما أعجب بالمعاني والقيم السامية التي تضمنتها الآيات الكريمة مما لقي تجاوباً في نفس الشاعر الذي كان آنذاك يعاني آلام المنفى ويجد في حياة النبي وجهاده عزاء ومثلاً أعلى, لقد أعجب الشاعر بما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق ومن الحث على التضحية في سبيل المثل العليا, وعلى التحلي بالشجاعة والصمود واحتقار التخاذل والغش والخداع, والحضّ على الإحسان والالتزام بآداب الضيافة والابتعاد عن الخيانة والحرص على صيانة حياة الأسرة, ونبذ الغرور والتكبر على البسطاء من الناس, والعمل على إحقاق الحق, وخوض المعارك بشجاعة في سبيل الواجب، والثناء على فاعلي الخير الذين يتسمون بالجود والكرم ولا يفسدون عطاءهم بالمن حتى كأنه لم يكن. إن الشاعر الذي تبنّى هذه القيم العليا ومجّدها في مقطوعاته الشعرية المستوحاة من آيات القرآن الكريم هو شاعر أجمعت الأمة الروسية بأسرها على حبه وإجلاله, وقدرت الأجيال المتتابعة نضاله في سبيل الحرية والحق وأكبرت تضحياته في سبيل إعلاء شأن وطنه, وحفظ الفرد الروسي عن ظهر قلب أشعاره ورددها منذ الطفولة إلى الكهولة. ولذا فإن استلهامه المثل العليا القرآنية من شأنه أن يجعل من هذه المثل جزءاً من الثقافة الشعبية العامة التي تدخل مع الزمن في النسيج الثقافي للأمة وتغدو عنصراً يساعد على التفاهم والتقارب بين الثقافتين العربية الإسلامية والروسية.‏

ومما يلفت النظر في إبداع هذا الشاعر الفذ مدى تأثره بسيرة النبي العربي إلى الدرجة التي جعلته يؤمن بأن رسالة الشاعر التي هو مدعو لأدائها تكاد تشبه رسالة النبي إلى قومه, ويتضح هذا المفهوم لديه في قصيدته الشهيرة "النبي" التي يستوحي فيها حادثة "شق الصدر" المعروفة التي توردها كتب السيرة النبوية على نحو متواتر, والتي كانت قد ترجمت إلى اللغة الروسية:‏

"كان ظمأ الروح يمضّني‏

وأنا أجرّ قدميّ في صحراء متجهمة‏

وعند مفترق طرق‏

ظهر أمامي الملاك ذو الأجنحة الستة‏

لمس حدقتيّ‏

بأنامل خفيفة كالحلم‏

فاتسع بؤبؤاي المتنبئان‏

كبؤبؤي عقاب مذعورة‏

ولمس أذنيّ‏

فامتلأتا بضجة ورنين‏

وسمعت صوت ارتعاش السماء‏

ورفرفة الملائكة في الأعالي‏

ودبيب الزواحف في أعماق البحار‏

وتنامي أغصان الشجر في الوديان‏

ثم انحنى على شفتيّ‏

وانتزع لساني الآثم‏

لسانَ الهذر والمكر‏

ودس بين شفتيّ الساكنتين‏

بيمناه المضرّجة بالدم‏

زبانى الأفعى الحكيمة:‏

وشق صدري بسيفه‏

واستل قلبي المختلج‏

ووضع في صدري المفتوح‏

جمرة متوهجة‏

انطرحت في الصحراء كالجثة‏

فأهاب بي صوت الرب‏

انهض أيها النبي وحدّد البصر والسمع‏

ومفعماً بمشيئتي‏

طف في البر والبحر‏

وألهب بكلمتك أفئدة البشر".‏

وقد استلهم كثير من الأدباء الروس من معاصري بوشكين موضوعات من التاريخ العربي الذي اطلعوا عليه عن طريق الترجمة إما إلى اللغات الأوربية التي كانوا يتقنونها, أو إلى اللغة الروسية مباشرة, واحتوت كتاباتهم وإبداعاتهم على صور كثيرة يمجدون فيها الشجاعة والصمود والإخلاص وصدق الإيمان لدى أتباع العقيدة الإسلامية, وكما يقول رئيس اتحاد كتاب روسيا فاليري غانيتشيف في دراسته "الشرق وروسيا. تجربة تفاعل الثقافات" فإننا نجد في أعمال الشاعر الشهيد ميخائيل ليرمونتوف (1814 ـ 1841) على سبيل المثال: كثيراً من الرؤى الشرقية وصور أبطال الإسلام تتجاور عضوياً مع العالم المسيحي... وهذا هو السحر العظيم الذي يتسم به الشعر والأدب: فالساسة ورجال الدولة وقادة الجيوش يتقاتلون ويسفكون الدم, بينما الكلمة والصورة والأسطورة والواقع إذ تتجسد في الفن تربط الناس والبلدان والأديان بعضها ببعض, وتجد المزايا والمكارم في أناس كانوا آنذاك يُعدّون خصوماً وأعداء...".‏

ويتابع المؤلف تعداده للأدباء الروس الذين تأثروا بآداب أمم الشرق.‏

ثم يسترسل في الحديث عن تأثر الكاتب الروسي الصميم نيكولاي غوغول (1809 ـ 1852) بالموضوعات المستلهمة من التاريخ العربي, ويورد بعض ما كتبه بهذا الصدد في عام (1834) عندما كان الاستعراب في روسيا ما زال في بداياته. ثم يسلط غانيتشيف الضوء على موضوع الشرق والإسلام والقيم الإنسانية العامة في أدب الكاتب الروسي الشهير ليف تولستوي (1828 ـ 1910), ومن المعروف أن تولستوي كان يبدي اهتماماً روحياً وشاعرياً قوياً بالشرق,وكانت لديه معرفة جيدة بالقرآن الكريم وحياة العرب والشعوب الإسلامية الأخرى, ويجدر بنا أن نشير في هذا الصدد إلى إعجاب تولستوي الشديد بحكايات "ألف ليلة وليلة" وإلى توصيته بإدخالها ضمن قائمة الكتب المقترحة للقراءة الشعبية في روسيا؛ وقد استلهم بعض عناصرها في كتاباته الإبداعية. وكان يُكنّ احتراماً عميقاً للقيم السامية التي دعا إليها الإسلام ـ ويشيد بشخصية الرسول العربي وقد ألّف كتاباً بعنوان "حِكَمُ النبي محمد" مستنداً إلى كتاب أصدره كاتب هندي مسلم يدعى "عبد الله السهروردي" باللغة الإنكليزية عام (1908). وقد نقل المترجم سليم قبعين كتاب تولستوي من الروسية إلى العربية ونشره عام (1912).‏

إن حديثنا هنا عن تأثر الروس بالثقافة الشرقية والإسلامية والعربية لا نقصد بها المستشرقين أو المستعربين الروس الذين جعلوا من هذا الموضوع اختصاصاً لهم وموضوعاً لدراستهم وتحليلاتهم وبحوثهم وترجماتهم. بل نتحدث عن تأثر الكتاب والشعراء والفنانين والمبدعين بهذه الثقافة؛ وعندما نقول بوشكين وليرمونتوف وغوغول وتولستوي إنما نتحدث عن تأثر الملايين بهذه الثقافة, فإبداعات هؤلاء الأدباء العظام وتراثهم الفني يؤثر في تكوين ثقافة الأمة, وتشكيل البنية الفكرية والنفسية لدى أبنائها وترسيخ تصوراتهم عن المثل العليا والقيم السامية التي تؤالف يبنهم فكرياً ونفسياً وأخلاقياً, ويقَرِّبُهم من التفاهم والانسجام مع أبناء الأمم الأخرى التي تؤمن بهذه المثل وتتبنّى هذه القيم باعتبارها تشكل جزءاً لا يتجزأ من ثقافتها القومية الأصيلة.‏

وينبغي أن نشير هنا إلى أن تأثر المبدعين الروس بالموضوعات والأفكار والقيم المستمدة من الثقافة العربية والإسلامية لم يقتصر على مجال الأدب, بل تعداه إلى ضروب أخرى من الإبداع الفني والفكري, كما أن الثقافة العربية, ولاسيما في العصر الحديث, تأثرت إلى حد لا يستهان به بالثقافة الروسية عن طريق الترجمة, وتجلى هذا التأثر في مجالات عديدة من أبرزها مجال الفن عموماً والأدب خصوصاً.‏

ولا يتسع المجال هنا للإسهاب في الحديث عن هذا الموضوع الذي كثرت عنه الأبحاث والدراسات وما زالت مستمرة, يكفي أن نشير إلى أن كثيراً من الأدباء والمفكرين العرب أخذوا يتأثرون بالأعمال الأدبية الروسية منذ أن بدأت ترجمة هذه الأعمال في بدايات القرن العشرين إن من اللغة الروسية مباشرة على نطاق ضيق أو عن طريق لغات أوربية وسيطة على نطاق واسع.‏

وقد تأثر الكتّاب العرب الذين تنتمي إبداعاتهم إلى ما يسمى بالمدرسة الواقعية النقدية خاصة بأعمال بوشكين وليرمونتوف وغوغول وتورغينيف وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وسواهم, كما تأثر فريق من الكتاب العرب بأعمال الأدباء الروس الذين تنتمي إبداعاتهم إلى مدرسة الواقعية الاشتراكية ومن أشهرهم مكسيم غوركي وألكسي تولستوي وفلاديمير ماياكوفسكي وميخائيل شولوخوف وسواهم, ولاشك في أن هذا التأثر والتأثير في المجال الثقافي قديماً وحديثاً لم يكن ليتم لولا الترجمة التي أوجدت أرضية مناسبة وتربة خصبة لتنامي مشاعر التآلف والتفاهم التي تجد في الظروف الدولية الراهنة جواً ملائماً لازدهارها وتجاوبها مع مصالح الشعب العربي الذي يسعى إلى تحرير أراضيه والحفاظ على هويته الثقافية وقيمه الأصيلة, ويعمل على تحديث الفكر والممارسة الاجتماعيين, ويرفض أن تتخذ مقاومتُه للهيمنة الغربية "العولمية" طابعاً دينياً ينطبق عليه مفهوم "صراع الحضارات" الذي أطلقه صموئيل هنتنغتون: وشعبنا في هذا يقف في جبهة واحدة مع الأمم التي يهدد "صراع الحضارات" كياناتها المتماسكة ويفجّر النزاعات في داخلها بين مواطني الدولة الواحدة, ويشعل نار العداوة بينها وبين الدول المجاورة التي تربطها بها مصالح مشتركة ومواقف أخلاقية متقاربة ترفض القيم الاستهلاكية الرخيصة والإباحية والشذوذ والفردية المطلقة التي يطرحها بعض أيديولوجيي الغرب بأشكال خارجية براقة وتسميات ديماغوجية مغرية لا يتفق جوهرها مع مظهرها كالحرية الشخصية وحقوق الإنسان والنظم الديمقراطية الخ...‏

وكما قلنا فإن الحوار يفترض وجود طرفين متحاورين, وقد ترجمت من الروسية أو من لغات وسيطة إلى اللغة العربية بأعمالٌ كثيرة استفاد منها المثقفون والأدباء العرب, فهل جرت بالمقابل ترجمة أعمال الأدباء والمفكرين العرب إلى اللغة الروسية؟ المقارنة في هذا المجال ليست في صالح الترجمة المقابلة, وجُلّ الأعمال التي ترجمت من العربية إلى الروسية هي من الأعمال الكلاسيكية القديمة التي قام بترجمتها مستعربون متخصصون؛ وكانت قد نشطت في العقود الأخيرة من العهد السوفييتي حركة ترجمة لأعمال كتاب عرب معاصرين, ثم وهنت هذه الحركة حتى كادت تتلاشى بعد تغير النظام السابق, ولكنها عادت مؤخراً إلى الانتعاش بفضل مبادرة من الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب العرب بالاتفاق مع اتحاد كتاب روسيا تقضي بترجمة وإصدار سلسلة من الأعمال الروائية العربية المترجمة إلى الروسية تحت عنوان "مشروع مكتبة الرواية العربية".‏

ومن البدهي أن نجاح "الحوار بين الثقافات" عن طريق الترجمة بحاجة إلى تنظيم محكم وتخطيط شامل يحدد الأهداف على ضوء الواقع القائم والمستقبل القادم. ولكن السمة السائدة في مجال الترجمة عندنا ما زالت تتمثل في شيوع الفوضى والارتجال وغياب التنظيم والتخطيط. ومن هنا تبرز بحدة ضرورة العمل بجدية على الانتقال إلى مرحلة تنسيق النشاط الترجمي على المستوى القومي في عصرنا هذا الذي نواجه فيه ثورة المعلوماتية وتحدي "العولمة الثقافية" وضرورة الخلاص ولو نسبياً من ظواهر التخلف والتبعية في المجالات العلمية والتقنية, وقد تحدثنا كثيراً في دراساتنا وأبحاثنا وصحافتنا وندواتنا ومؤتمراتنا على مختلف المستويات الوزارية والاتحادية والمَجْمَعِيَّة والمؤسساتية القطرية والقومية عن ضرورة الاتفاق على خطة قومية للترجمة تخضع للمراجعة والتدقيق والتعديل كلما استدعت الضرورة ذلك لتظل مواكبة لمتطلبات العصر, على أن تلتزم الجهات الوصائية في كل قطر عربي بتوفير ما يلزم لتنفيذها. وكانت قد وضعت خطة في عام 1982 وأقرها المجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليكسو) ونُشرت وعممت في عام 1985 ولكنها شاخت دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ أو إلى التعديل والتجديد؛ وإذا كانت ثمة أسباب قاهرة تحول دون تحقيق هذا الهدف الآن على النطاق القومي, فما المانع من تحقيقه على النطاق القطري ومن ثم السعي لتحقيقه على النطاق القومي؟‏

علماً بأن الخطة القطرية يمكن أن توضع على نحو يجعلها قابلة للتعديل بما يتناسب مع الأنشطة الترجمية في الأقطار الأخرى, وقابلة للتكامل مع سواها من الخطط القطرية بحيث تتحول في الوقت المناسب إلى جزء مكوِّن من الخطة القومية العامة, ومن المفروض أن يشارك في وضع هذه الخطة جميع الجهات المعنية بما فيها اتحاد الكتاب العرب ومجمع اللغة العربية والهيئات والأجهزة المختصة في وزارات الثقافة والتعليم العالي والإعلام والمركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر واتحاد الناشرين السوريين, مع الاستئناس بآراء المختصين في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمنظمة العربية للترجمة (تأسست أواخر عام 1999 ـ بيروت) واتحاد المترجمين العرب (تأسس أوائل عام 2002 ـ بيروت), وكذلك دور النشر الخاصة في القطر التي يجب إفساح المجال لها ضمن هذه الخطة للقيام بمبادراتها الخاصة, بالإضافة إلى مبادهات الأفراد والفعاليات الخلاقة كي تتضافر جميع الجهود لبلوغ الغاية المرجوة.‏

أو لم تكن سورية هي المبادرة على النطاق القومي إلى تعريب التعليم العالي حتى غدت المثال الذي يقتدى به في الوطن العربي؟ فلم لا يكون لها الآن شرف الريادة في تخطيط حركة الترجمة؟ ومِن البدهي أن تنفيذ مثل هذه الخطة يتطلب العمل على إيجاد مستلزمات التنفيذ وعلى رأسها إنشاءُ الأطر المدربة القادرة على النهوض بالمهمة,, ولذا لابد من إقامة معهد عال متخصص أو كليات جامعية لتخرج مترجمين أكفياء قادرين على نقل أمات الكتب العلمية والثقافية والإبداعية من مختلف اللغات إلى اللغة العربية وبالعكس, كما أنه من الضروري اتخاذ التدابير الكفيلة بتشجيع الراغبين على تكريس جهودهم للنهوض بهذه المهمة.‏

ولاشك في أن الترجمة بصفتها أداة الحوار الرئيسة بين الثقافات تستحق منا بذل الجهود اللازمة للارتقاء بها وجعلها "سلاحاً" فعالاً في هذا الوقت الذي تطورت فيه ساحات "معارك الحوار" الإعلامي إلى حد حوّلها إلى فضاء تتوالى فيه البروق والرعود والصواعق بأسرع من لمح البصر؛ وها نحن نرى الكذابين والمغترين وشهود الزور لا يتورعون عن شن الحملة تلو الحملة لإلصاق تهم ملفقة بأمتنا وعقيدتنا ونضالنا في سبيل حقوقنا العادلة, مما يفرض علينا إعداد "أسلحتنا" الإعلامية التي تؤدي دورها من خلال الترجمة, وإتقان صنعها وشحذها والارتقاء بها إلى مستوى التحدي الذي نتعرض له, وإلى مستوى عدالة القضية التي ندافع عنها, وأحقية الحق الذي نعمل على إحقاقه!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244