جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

محمد كرد علي (1876-1953) "نظرة سريعة في حياته المليئة بالعطاء الفكري والأدبي" ـــ محمد عيد  الخربوطلي

محمد كرد علي من أعلام النهضة العربية والفكرية والأدبية المعاصرة، ورائد من كبار روادها، في وقت كانت فيه المجتمعات البشرية بين سير ووقوف وبين يقظة ونوم، إنه رجل جاءت به الأيام ليدعوها للنهوض والتقدم، فكان رسول إصلاح وتجديد، فقط ملئت حياته حركة، ومنح شجاعة نادرة أقدم بها في سن مبكرة غير هياب ولا وجل، على ميادين الإعلام والصحافة، فيعد أول رائد في الصحافة السورية،وتزود بزاد وفير من الثقافة القيمة والحديثة، عربية وغربية خاض في بحورها وأخرج منها النفائس الكريمة، وأعطى أمته وقوميته عطاءً سخياً دون نزوع إلى طائفية أو عنصرية.

ولادته:

ولد محمد كرد علي –1876- من أم شركسية وأب كردي، ومع ذلك كان مؤمناً بالعروبة إيماناً جازماً معتداً بأمجادها مباهياً بآثارها وحضارتها وإنسانيتها، لم يكن يوماً جامداً متزمتاً بل كان يدعو باستمرار إلى التجديد في غير ما تطرف، وإلى الأخذ عن الحضارة الغربية في غير ما عدوان على القيم والمبادئ الإسلامية وكان يحرض على الملاءمة بين القديم والحديث،  كان موسوعة فقد كان صحفياً وسياسياً وأديباً ولغوياً ومحققاً ومؤرخاً، كان يتقن عدة لغات إلى جانب العربية.

-لقد كتب الكثيرون من الكتاب والمفكرين مقالات وبحوثاً كثيرة عنه وفي سيرته ونشروا عديداً من الكتب عنه وكلهم متفقون على أنه: كاتب مبدع يكاد ينفرد بأسلوبه الخاص.

مؤرخ بارع فقد صنف خطط الشام وهو موسوعة تاريخية غنية عن التعريف جمع مادتها في خمس وعشرين سنة. صحفي قدير عفيف اليد أسس أول صحيفة يومية –المقتبس- ونشر المئات من المقالات في صحف القاهرة: عندما التجأ إليها.

مؤلف فذ ألف الكثير من الكتب.

مؤسس مجلة المقتبس التي أصدرها في القاهرة في بداية القرن العشرين ثم انتقل بها إلى دمشق.

أنشأ وغذى مجلة المجمع العلمي-العربي- فلا يكاد جزء من أجزائها يخلو من مقال له أو نقد أو تعريف.

يعد من أبرز دعاة الإصلاح وقد لاقى في سبيله الهجرة والتشريد والاضطهاد والتقديم للمحاكمة في أواخر العهد العثماني.

محقق ثبت فقد حقق كثيراً من كتب السلف ورسائل التراث المهمة.

مؤسس مجمع اللغة العربية –1920-.

محمد كرد علي شب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وقيض الله له من يهديه سواء السبيل في جميع نواحي الحياة، إنه الشيخ طاهر الجزائري الذي قال عنه تلميذه كرد علي: -إنه من أشرب قلبي حب العرب وهداني إلى البحث في كتبهم- وهكذا أخذ كرد علي بالمطالعة وعني في اقتناء الكتب النفيسة من مطبوع ومخطوط ومنها ما خص بها الظاهرية بدمشق بجهوده العظيمة شهدت أرض العرب وفي دمشق مولد أول مجمع عربي سنة -1920- فصار المجمع ملتقى الكفايات العلمية الجادة ممثلة في أعضائه العاملين والمراسلين.

وكان أحد معالم المجتمع العربي والإسلامي الحديث، وأخذ صناعة الكبار، وإن آثاره العلمية والأدبية ستظل شاهدة على عبقريته، شامخة في تاريخ الفكر العربي لأن صفات شخصيته نادرة لما ترمز إليه من معان إنسانية نبيلة، تلهم الجيل العربي بعد الجيل قيم الإرادة والسعي والعطاء والوفاء. وقف نفسه وقلمه للدفاع عن العربية والعروبة، وكان يكره الحشو والتفريق بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الأديان، دافع عن قوميته العربية فوقف بالمرصاد لكل كاتب حرف في كتاباته الحقيقة أو دعى إلى تعصب.

لقد صنف عدة كتب عن دمشق وغوطتها، هذه الغوطة التي اختارها مقاماً له عندما دعي إلى الأستانة مع وفد الشام ودع الغوطة بقوله –سلام غوطة دمشق كلما غردت أطيارك فملك على المشاعر سجع الحمام واليمام، وهديل العندليب والهزار وتغريد العصفور والشحرور، وقال وداعاً غوطة دمشق الفيحاء، مجلى الطبيعة ومغنى الأنس وروضة الطيبات ومهبط التجليات، تحية طيبة تتساقط على عمراتك تساقط الوابل والظل على جناتك الغبياء وحراجك الغلباء وأشجارك الميلاء وغلاتك الكثيرة الإتاء.

إنه فتن بالغوطة، فاعتزل بريعها ليصغي إلى أحاديث كتاب يجالسه إصغاءه إلى حفيف الشجر وتغريد الطير وثغاء الغنم وجؤار البقر.

لقد فتن بكل شيء بالغوطة، فتن بخضرتها وطيرها وحيوانها وكثيراً ما قال –من شجرها ولكل بقعة من بقاعها منزلة في قلبي- وفي الغوطة جمع خواطره فكتب مذكراته وألف مؤلفاته.

جاءت مؤلفات كرد علي روحية ثرة أغنى بها كنز المعارف الإنسانية، وقد اعتنى كثيراً بتحقيق كنوز التراث العربي المهمة فجمع رسائل البلغاء وحققها ونشرها وحقق سيرة أحمد بن طولون للمديني وطبعها في دمشق سنة 1939-وحقق المستجاد من فعلات الأجداد للتنوخي وطبعه في المجمع-1946-وحقق تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي ونشره في المجمع 1956 وكتاب الأشربة لابن قتيبة وطبعه بالمجمع –1947- وجاءت تحقيقاته جيدة لأنه العالم الكبير والرائد الخبير والحجة القدير والناقد البصير.

واعتنى كثيراً بحياة الأدباء فسجل تواريخ حياتهم في كتابه –أمراء البيان- وطبعه في مصر في جزءين 1941 وطبع –كنوز الأجداد-بالمجمع 1950 وفي عام 1952-طبع-غوطة دمشق-وأكبر موسوعة تركها كتابه –خطط الشام-الذي بقي يجمع مادته خمساً وعشرين سنة، إنه كان بحق صحافياً يعمل على نشر الوعي بين الناس وأديباً يسعى لإحياء العربية وتراثها المجيد، وكاتباً يحاول إصلاح المجتمع والنهوض في عصر لم يبق فيه من العلم الحقيقي غير قشوره، فكتب المقالات الكثيرة التي صور فيها الناس في تشدقهم بالأموال وتخاذلهم بالأفعال ونقد سلوكهم كما نقد ظلم الولاة واستهتارهم بمصالح الرعية، مما عرض نفسه للمخاطر فأقيمت عليه الدعاوى وطلب رأسه فاضطر إلى الهجرة، وفي كل ما كتبه نراه الصحافي الحق والناقد المنصف والمؤرخ الصادق ففي كتابه خطط الشام وضع جهده في العناية بتجريد كتابه ما أمكن من المبالغات والخرافات وحذف الشبهات والغلو وارتضى لنفسه التقيد بشروط التاريخ عندما أرخ، فجاءت كتبة جدية لا يوجد فيها مهزلة محفوظة من دجل الدجالين، ليس فيها محاباة للظالمين.

وقد عرف كرد علي المستشرقين وقرأ كتبهم فقد عرف علوم وتاريخ الاستشراق والاستعراب وله صلة بأكثرهم فاطلع على مؤلفاتهم فمدح الجيد منهم وهاجم السيء ونقد المغرض ولم ينسَ فضلهم في إبراز التراث العربي تحقيقاً ونشراً وقد التقى معظمهم في رحلاته وحضوره في مؤتمر المستشرقين في أوربة.

وكانت رحلاته كلها للإطلاع على معارف الآخرين وللاستفادة من حضارتهم، سافر أول مرة إلى مصر سنة -1901- ومنها إلى الغرب وفي سفرته الثانية إلى مصر سنة 1905، جالس محمد عبده وتتلمذ على يديه، وآخر رحلة قام بها إلى الغرب 1928 وكان من ثمرتها كتابه –غرائب الغرب- وأقام فيها ثلاثة أشهر في إيطاليا اطلع من خلالها على كثير من المخطوطات العربية وكانت زاداً له في إتمام كتابه الموسوعي خطط الشام، كما أنه رحل إلى تركيا والحجاز.

رحم الله كرد علي لم يفارقه المداد والقرطاس طول حياته، وصاحبه القلم والكتاب حتى وهو في فراش المرض مع الدواء لايحيد عنهما أبداً، قال عنه الأمير مصطفى الشهابي –لو لم يكن لمحمد كرد علي من فضل على الأمة العربية ولغتها إلا إيجاد المجمع ورعايته لكفاه فخرا-

وقال فيه الشعراء الكثير من القصائد الجيدة ومما قاله فيه شاعر العراق معروف الرصافي:

تعودت إنشادي القريض المهذبا

 

 

ونزهت نفسي منه أن أتكذبا

وسافرت في البلدان طوراً مشرقا

 

 

أرود العلى فيها وطوراً مغربا

وصاحبت من عرب وعجم أفاضلا

 

 

بهم كنت في شتى المواطن معجبا

فلم أرَ في عرب وعجم لقيتهم

 

 

كـ(كرد علي) في الرجال مهذبا

هو العالم الحبر الذي كنت مغرما

 

 

بآدابه منذ الشبيبة والصبا

فقد كان في مصر صرير يراعه

 

 

يؤانسني بالممتع الغض مطربا

وكم كنت في الآداب والعلم كاشفا

 

 

بـ"مقتبس" من نوره ما تحجبا

إلى أن أنار الشام بالعلم عندما

 

 

لمجمعنا أمسى الرئيس المرتبا

إذا معجمات العلم عنّت فلا ترى

 

 

سواك إليها يا (محمد) معربا

المراجع:

1-مجلة مجمع اللغة العربية عدد خاص بمناسبة مائة عام على ولادة محمد كرد علي-كانون الثاني-1977.

2-مجلة المجمع تموز1979.

3-معجم المؤلفين السوريين –عبد القادر عياش.

4-دمشق مدينة السحر والشعر-محمد كرد علي.

5-غوطة دمشق –محمد كرد علي.

6-خطط الشام-محمد كرد علي.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244