جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

اللانمطي ـــ عبد الغني حمادة

غدا سيزورني "شكيب" ترك اليوم لي رسالة شفهية, شديدة اللهجة, يخطرني فيها بضرورة البقاء في البيت, مساءً, لاستقباله, وإلاّ...!!‏

ستة أيام وأنا أتهرب من تلك الزيارة المرتقبة, لم يبق لدي حجة أو ذريعة إلا وقدمتها, تمارضت وتناومت, وتعللت بالسفر, ومع ذلك لم أستطع التملّص من زيارته التاريخية المنتظرة.‏

الأسبوع الماضي, حصرني بينه وبين السائق في حافلة القرية, قذفني أولاً بنظرة فاحصة سريعة, ثم بادرني بترحيبة ممطوطة باردة:‏

ـ أهلاً وسهلاً... ماذا تعمل في هذه الأيام؟!.‏

أمسكت قلبي, ودونما إبطاء, أجبته:‏

ـ في الصحافة.. (طبعاً, أنا لست صحفياً, وإنما أكتب أحياناً للصحافة المحلية).‏

ـ عظيم.. عظيم جداً (بانبهار).. وفي أي صحيفة تكتب يا عين عمك؟!..‏

زها وجهي, ورفرفت أجنحة السعادة في قلبي:‏

ـ في صحيفة الجماهير الحلبية.‏

ـ ممتاز... وفي أي المجالات تكتب يا عين عمك؟!.. الاجتماعية, الاقتصادية, أم السياسية؟!‏

أمسك العفريت رأس الخيط, وراح كالشيطان يستدرجني من حيث أعلم ولا أعلم.‏

لاشك أن الأستاذ شكيب ذكي, كان من طلائع المعلمين في قريتنا, ثم ترك التعليم ودبّر عملاً آخر. تجاهلت سؤاله, وتشاغلت بسبحة على مرآة الحافلة, فلكزني بمرفقه لكزة جعلتني أقول له:‏

ـ اكتب في الصفحة الثقافية.‏

ـ أنت؟! (بدهشة)... وماذا تكتب يا عين عمك؟!‏

أعوذ بالله من شر ذلك الصباح, فمنذ أن انكسرت البطيخة بين يدي ابنتي, قلت (اللهم استر), لو كنت شجاعاً لقلت له (وما دخلك في شؤوني الخاصة؟).. ولكنه (والذمة على الناس) شخص لا سلّطه الله على مخلوق.‏

واربت نظراتي عن وجهه الشمعي, وقلت له على مضض:‏

ـ أكتب القصة.‏

ظننت أنني تخلّصت منه, ونفذت بريشي من قبضته, إلا أنه استمر في تحقيقه:‏

ـ وما شهادتك يا عين عمك؟!..‏

كلما نطق بتلك الجملة (يا عين عمك), كنت أتقزّم, وأشعر بالتقزز والغثيان, لكنني كنت أتحمّل استفزازه لاتقاء شرّه.‏

فكرت قليلاً, ما دام ذلك الشكيب لا يعرف عني شيئاً, فلم لا أفتح الكيس؟!.. فهلّ أبو هشوم أشطر مني؟!...‏

روى أبو هشوم ذات ليلة شتوية قارصة, بأن جده كان نائماً في حقل البطيخ, فأحس بشيء ما يدغدغ قدميه فقال لزوجته:‏

ـ (نشَي الذباب عن رجلي يا عيشة...).‏

فقالت له وهي ترتعد, وتلوذ بحماه:‏

ـ هذا ضبع يا هشوم...!..‏

وما إن سمع الضبع (نحنحة جده) حتى انقلب على قفاه ورفع الأربعة, لا من فمه ولا من كمه (ولا حتى من ذيله..).‏

بطبعها, لا تخرج الضباع من أوكارها صيفاً, سيما وقت الظهيرة.. (ولكن لكل مخلوق كيس وما يحوي).‏

المهم, فتحت كيسي المتواضع, وأخرجت أولى المفاجآت:‏

ـ أنا معي فلسفة..‏

ـ فلسفة (باستغراب كبير).. ما شاء الله.. ولكن الكتابة الأدبية تحتاج للبلاغة والنحو والصرف, فمن غير المعقول أن يخلط الكاتب بين المبتدأ والصفة والمفعول به.. أليس كذلك يا عين عمك؟!.‏

(حسبي الله ونعم الوكيل من تلك (الياعين عمك), ما أقبحها عندما تخرج من شدقيه!!.. أنقذني السائق بمداخلته:‏

ـ نعم يا ابن عمتي... فلابد أنه يعرف كل ما قلته, انظر إليّ مثلاً, هل يعقل أن أقود السيارة بدون شهادة؟!.‏

لم يقنع الأستاذ شكيب بالمداخلة المقتضبة التي أدلى بها السائق, فمطّ رأسه وتجاوز وجهي, ثم نبر فيه بنزق:‏

ـ وماذا تعني الشهادة؟!... الشهادة يا عين عمك لا شيء... المهم الموهبة.‏

ترك السائق في حال سبيله, ثم عاد ليتكي بمرفقه على الباب, وتابع حصاري وهو يحك ذقنه:‏

ـ والله لم أكن أعرف عنك شيئاً.. يا عين عمك...‏

كيف سيعرفني؟! أنا في واد وهو في آخر, فأنا بطبعي أحب الوحدة والسّكينة, أما هو, والذمة ليست عليّ, فيدس أنفه في كل شاردة وواردة, يشارك في المهرجانات, والاحتفالات, والمآتم والأفراح والليالي الملاح, ففي المناسبات الدينية, يلبس العباءة البيضاء فوق الدشداشة, ويعتمر بمنديل (المركزيت) البيضاء, ويتطيب بعطر الورد الحاد, أو المسك الأسود, ويشارك لا بصفته إماماً أو خطيباً, بل .. (أنا لا أريد أن أظلمه, كما يظلمه غيري)..‏

وفي الأعراس, يمسك برأس الدبكة, رأس الخروف قدامه على المنسف, ليس لأنه ضمن الوجهاء, بل لاعتبارات أخرى, يلغو بها الناس في غفلة منه.‏

فتشت في كيسي المفترض, وتجاسرت قائلاً:‏

ـ أنا أنشر في الصحف والمجلات العربية.‏

أطلّق نظرة جامدة في وجهي, وسألني بصوت خافت:‏

ـ يعني, ألا تعجبك صحفنا؟!.‏

ـ لا معاذ الله يا سيدي, ولكن المردود المادي يختلف كثيراً.‏

همهم, وتعطف بابتسامة شاحبة:‏

ـ وما هي آخر أعمالك الأدبية يا عين عمك؟!..‏

لا أعرف من اخترع هذه (الياعين عمك) التي كانت تخرج من فمه كأنها صفعة من نعل تصفع أذني.‏

ـ لقد أصدرت مجموعة قصصية منذ شهور قليلة.‏

ـ بالله العظيم؟! (مستفهماً), (وتابع).. ألف مبروك يا عين...) لكن هذه واحدة كبيرة عندك.‏

ـ واحدة عندي أخاصم الدنيا ولا أدعك تضع واحدة عندي.‏

ـ أي ها (بنبرة).. أنت تعرف الأصول.. ولكن كان عليك أن تخبرني وتستشيرني, قبل النشر, أنا أفيدك.. أنسيت كم طبيباً ومهندساً تخرجوا من تحت يدي؟!..‏

اعتدل في جلسته, وقابل وجهي بوجهه, ثم تابع...:‏

ـ وما ذا أسميت مجموعتك القصصية؟!..‏

ـ الخجول جداً.‏

ـ ماذا ؟!.. الله لا يعطيك العافية بعد تعبك, العمى بقلبك.. (ولك هذا اسم؟! سمِّها الوقح جداً.. أو الصريح, القبيح جداً.. الله يرحمك يا أستاذ بيلوني؟!.‏

ـ ومن هذا البيلوني؟!.. (سألته):‏

فأجاب بعد زفرة طويلة:‏

ـ أستاذنا للغة العربية.. رحمة الله عليه.. هل تعلم كم درجة أعطى للمنفلوطي وطه والزيات؟!‏

ـ وهل كانوا طلاباً عنده؟!‏

أخذ نفساً عميقاً, وارتسمت على وجهه المحتقن ابتسامة استخفاف من ضحالة معلوماتي, وبدأ يوضح:‏

لا, لا يا عين عمك.. إنما هو تقييم لأعمالهم الأدبية, فقد أعطى للمنفلوطي ستين, أما طه حسين فلم يعطه سوى عشرين, ولحسن الزيات, لولا أسلوبه البديع, لأخذ علامة الصفر...‏

ـ من مئة؟!.‏

ـ أي نعم, لقد كان أستاذاً بارعاً, البيلوني يا عين عمك سيبويه عصره, الله يرحم أيام زمان.‏

علقة, ولا علقة خال أمي بصلاة التراويح, وليس أمامي من مفر, وهو كمن وجد صيداً ثميناً لن يدعه يفلت من براثنه.. مسَّد شعره الفضي اللماع, وتابع أسئلته:‏

ـ وكم نسخة طبعت من مجموعتك يا عين عمك؟!.‏

ـ خمس مئة نسخة.‏

ـ نعم؟! (متعجباً).. لا سلم الله يديك.. خمس مئة ولم تهدني واحدة منها؟!‏

همد قلبي قليلاً:‏

ـ تكرم يا أستاذ.. تكرم, أنت تستاهل نسختين لا واحدة.‏

ـ ولا تنس عليها الإهداء. قرّب فمه من أذني وقال:‏

ـ (أكتب عليها ما يلي: أستاذي الكريم.. (أطلق ضحكة مصطنعة وسألني: ألست أستاذك يا بني؟!.‏

هززت رأسي محتسباً, محوقلا..‏

ثم تابع: (أستاذي الكبير شكيب عبد الحميد نعمان المبجل... أهديك كتابي الأول, أرجو أن تبدي رأيك به, وتوجهني, وتأخذ بيدي, وأنا لك من الشاكرين.. تلميذك.. سجل اسمك ووقع تحته ولا تنس التاريخ). قبل أن نصل إلى ساحة سعد الله الجابري, حيث سأتحرر من قيده, وأفرّ من أسره, تفحص وجهي وفاجأني:‏

ـ أتقول (القصيد)؟! (قالها بلهجة بدوية).‏

ـ استغربت.‏

القصيد؟!.. لا والله.‏

اغتاظ, وبدت شارات الغضب براقة في عينيه الزرقاوين, فيما لسانه يطلق القذائف.‏

ـ الله لا يسامحك... لا دنيا ولا آخرة.‏

خفَّت وتيرة حديثه, وبدت أقل عنفاً:‏

ـ لو كنت تعرف القصيد, يا عين عمك لأغنيتك, كنت أخذتك إلى الخليج, وقدمتك لأحد الأمراء, وقلت له:‏

(هذا تلميذ, قد نظم لسموكم قصيداً).. وهات فلوس يا عين عمك.‏

أطلق آهة من صدره:‏

ـ آه.. لا سامحك الله ولا بارك في همتك, على كل حال, أنتم الكتاب لا تعرفون مصلحتكم, ترفسون النعمة دائماً:‏

وأنا أنزل من الحافة وأعلن استقلالي عنه قال لي:‏

ـ انتظرني اليوم مساء, أحب أن أزورك لنتابع حديثنا الشيق:‏

ومنذ تلك الساعة ما زلت أتهرب من رجل مثل ذيل البقرة, لا هو من اللحم ولا هو من العظم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244