جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هزيمة ولكن.. ـــ نبيه اسكندر الحسن

عبر أزقة الشقاء, غارقاً في تيه ظلمة, معذب النفس معفر القدمين, دخل البيت, خلع ثيابه, انبجست اللعانات من فيه, كان يحس بأثقال العالم على كتفيه, اضطجع في الحوض, عله يغتسل من أدران تجتاح جسده, شعر بلذة غريبة لم يعرفها قط, كان السكون مخيماً على أرجاء الحمّام, إلا من نداء يشنف أدنيه, مسح بناظره جدراناً رخامية, انثالت عليه ذكريات, جعلته يحبس أنفاسه قليلاً, ثم وسد رأسه ليفة مشبعة برغوة الصابون, أحس حرارة الماء تلفه, ولكن حين بدا في أوج اللهفة لأن ينظف ما علق عليه من أدران, صمت ملياً لا يدري لما تخطى هامته فسر لذاته: "سأبدأ من القدمين".‏

امتشقت أمامه نرجسة الخيال رمقته بنظرات سجينة.‏

ـ يا لك من أبله!.‏

ـ أنت واهمة.‏

ـ خيبت ظني!..‏

ـ يا له من نبأ!.‏

ـ إنني أرثي لحالك ولكن.‏

ـ علام؟‏

ـ إنك غير عادل.‏

هز رأسه ولم يرد عليها, كان يدرك أن جسده من زمن لم يعرف الماء, فأبدى استعداده لأن يفرط في الاغتسال, وعزم أن يستغل الدقائق قبل فوات الأوان, عليه أن يخوض غمار هده المغامرة, نظر إلى الليفة بخوف طفلي, فجأة, حشد قواه, حاول أن يدنو منها, شعر بقوة تجذبه إلى الوراء وقف مرتاباً بعض الشيء’, فقال لنفسه: "أتكون الرسالة التي حملها روفوتيس"؟.‏

لفتة الحيرة قبل أن يقبض عليها, لكنه لم يدر من أين سيبدأ عمله, تارة يحشد كل جرأته ويقنع نفسه أنه سيبدأ من هامته, وطوراً يتراجع عن فكرته الشيطانية, ويصر أن يبدأ من أسفل القدمين, كان مستسلماً للحوار مع الذات, وكان كل ما في داخله يحتفي بمناسبة التخلص من الأدران, وحين تراوده أفكار أن ثمة عيون ترقب حركاته. يسر لنفسه: "اللعنة كدت أنسى ذاتي"..‏

هزت ريح نرجسة الخيال, تنزلق كلماتها ديناصورات إلى داخله:‏

ـ دع الخوف.‏

ـ غير ممكن!..‏

وقف هنيهة متردداً, يطوي أحلامه ويدندن بصمت, اعتراه الخوف, حين قرع الباب بعنف, صرخ من غير صوت, وقبض على الليفة عصرها, قذف بها الجدار الرخامي, لا يقيم وزناً لمن يعكر صفوه في مثل هذه السويعات, تحدث مع نفسه: "رغم ذلك سأنظف نفسي من الأدران".‏

كان مصراً على إزالتها, لكنه لا يدري من أين سيبدأ, فجأة هبت ريح عاتية لفت الأرجاء, سمع نبض الليفة, وغدت الفقاعات تتهادى وتشكل ألواناً مع الشعاع, حول بصره إلى ماء أصبح كقطعة من جليد تعانق جلده, لكنه لم يأبه, حيث وقف متحدياً الجليد وأمواج الضباب, وعيون ترقبه من وراء جدران رخامية, وطحالب تغطي الماء, اندفع نحو الباب, وقلبه ينبض بحب النظافة, الحبيسة في المتاهات فقال:‏

ـ يا إلهي!..‏

وحين فتح عينيه أصابه الذهول كصياد مجهول يعاني من كوابيس رهيبة فصرخ:‏

ـ هزيمة نكراء, ولكن...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244