|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
معركة الرجل المشتاق ومغامرات الوهم في قصص محسن غانم ـــ أحمد حسين حميدان عندما تغرق الذات الإنسانية في همومها الفردية تصبح هذه الذات جزءاً لا يتجزأ من الحدث كما تكون الموضوع الذي يتمحور حوله السياق في أي منجز قصصي أو غير قصصي.. ضمن هذه الرؤية تأتي مجموعة "مغامرات رجل مشتاق"(1) التي يقدم محسن غانم في قصصها رجلاً قلقاً ومشتاقاً إلى إيجاد ذاته الضائعة في ازدحام هذا العصر الراهن, وإلى الخلاص من أزماته المتعددة والمزمنة.. وهو من أجل ذلك كله يتحرك مغامراً بكل أوراقه, وفيما يلي سنحاول معرفة جدوى ما وصلت إليه مغامرات هذا الرجل المشتاق في البحث عن ذاته المفقودة وفي معركته ضد واقعه المتأزم.. منذ البدء يظهر الرجل المشتاق على أنه صاحب حمل مليء بالهموم والقضايا يقدم من أجلها استقالته من العمل بعد أن أصبحت صخرة ناء عن حملها, ويقرر الرحيل من المدينة كلها إلى مدينة أخرى لا يعرف فيها أحداً, كي ينتهي من هذه الصخرة النامية بداخله منذ الصغر... وما أن يصل إلى غربته الجديدة حتى يجد كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح دون أن تحقق له أي نفع يذكر... فيلجأ إلى قلمه ليكتب قصته, استجابة منه لنصيحة تلقاها من أحدهم... ألا أن دور النشر ترفض طباعتها.. حينئذ يتحول المخطوط إلى مطرقة أراد الرجل بواسطتها تفتيت الصخرة المرافقة له أينما حل فلا تسعفه هي الأخرى, وتخطئ ضرباتها هدفه المنشود مهشمة مرآة الجدار ـ بدل الصخرة ـ وجاعلة منها شظايا متناثرة ملأت جسد الرجل بعشرات الجروح بينما بقي هو قابضاً على ذراع المطرقة ليؤكد تواصل واستمرارية حربه مع الصخرة التي استمدت من أزماته تكوينها الصلب, ولتصبح بعدئذ حاجزاً سيكولوجياً قوي البنيان تتكسر عليه أحلامه الذاتية والاجتماعية, فيعيش في خيبة متصاعدة يهتف في ذروتها: "... هذه هي الحقيقة, فلأسلم بالأمر الواقع, أنا ميت حي أو حي ميت!.. "(2). عبر هذه الرؤية يصور محسن غانم حال الانتلجنسيا, معتمداً في قصته على شخصية مغامرة غير عادية ومتنقلة, ليرصد بشكل شبه بانورامي إشكالية المثقف العربي الكامنة في الصخرة ـ الرمز ـ ويقدم لنا الكاتب هذا المثقف العربي, حيا بأحلامه داخل دوائر السكون, وميتاً في عجزه عن تحقيق هذه الأحلام وسط ساحة الفعل والحركة!؟.. وهو يؤكد بذلك مصداقية مقولة الشاعر الفلسطيني الراحل راشد حسين, بعدم فاعلية الأحلام وجدواها بعيداً عن الساحة النضالية.. ويأتي برهان الكاتب على صحتها من خلال أحلام بطله المغامر بلقاء حبيبته بواسطة حصان أسطوري مجنح ليعوضه سيكولوجيا من جراء النكوص الذي ألم به حيال أزماته المجتمعة في الصخرة.. هذا ما يتبدى في قصة: "مغامرات رجل مشتاق" المستمد منها عنوان المجموعة القصصية.. لكن سرعان ما يكتشف الرجل زيف أحلامه السوبرمانية تلك. ويقر بذلك في قصة "السقوط" قائلاً: ".. كم هي كاذبة الأحلام. البارحة رأيت نفسي أزفها عروساً لي, وهي إلى جانبي تلبس ثوباً فاخراً من ثياب الزفاف الناصعة البياض, ولكن رجلاً غيري تقدم من بين الناس ليحل محلي, ويصنع على رأسها تاج الزفاف دون أن أستطيع منعه..."(3). على أجراس هذه الحقيقة المرة يصحو الرجل المغامر ليجد نفسه وحيداً في غرفته إلا من بعض أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة, أرسل معها الكاتب بقية من أمل, ليتحرك بطله ويواصل مغامراته دونما تردد حتى النهاية, وكي لا يبقى مستمراً في انعزاليته كمتألق عبد النبي حجازي(4). خصوصاً أن المتألق والرجل المشتاق قد تعرضا لخيانة واحدة من الزوجة!.. فجميل الطره بطل رواية المتألق خانته زوجته دعد مع صديقه نورس والرجل المشتاق في قصص "لعبة منتصف الليل المخمور, السقوط" أنكرته زوجته لأنه لم يذكر اسمه حين قرع جرس باب المنزل, وتزوجت رجلاً آخر لا يعرفه, ثم أصبحت فيما بعد عشيقة صديقه!... والأشد من ذلك أن الرجل المشتاق تلقى دعوة من هذا الصديق لمضاجعة هذه المومس التي هي زوجته فيما سبق!!. ضمن هذا السياق تتوحد الرؤية ـ رغم اختلاف ظاهرية الأزمة ـ بين عبد النبي حجازي, ومحسن غانم في رصد الوجه السلبي لحالة الواقع الراهن, معزيان ذلك إلى تحطم وانكسار القيم والمثل العليا وبالتالي الانحراف والخيانة التي تجسدت في الزوجة والصديق معاً وإذا كانت إشكالية عبد النبي تجلت في الانتماء إلى طبقة ليتسنى له إعفاء بطله من المسؤولية طالما أن بطل الرواية وليد زواج غير شرعي بعد أن بني على خطيئة... فإن إشكالية محسن غانم هي الانتماء إلى وطن. ولم ينزع التهمة عن بطله المشتاق إلى الخلاص بل اعتبره غافلاً عما يجري حوله لأنه كان مخموراً كآدم الصغير الذي قدمه لنا صالح الرزوق قبل قليل محموماً.. وتظهر الصورة ذاتها عند غادة السمان في مجموعتها القصصية "ليل الغرباء"(5) وتعترف في قصة "يا دمشق" بالخيانة الزوجية من قبل المرأة مبررة إياها بشلل الزوج... أي أن مسار الثورة وعطالتها كان نتيجة عجز أناها العليا ـ الرجل/ السلطة ـ وضياع وتشتت كوادرها المثقفة ـ الانتلجنسيا ـ إلا أن غانم والرزوق يتركان ومضة تفاؤلية للمستقبل العربي, إذ يبقى الرجل المشتاق قابضاً على ذراع المطرقة أمام الصخرة, ويعلن آدم الصغير بأنه سيكون في المرة القادمة أكثر حكمة.. وهو ما يعتبر الوجه الأمثل للرجل المشتاق. خصوصاً إصراره على مواجهة أزمته المزمنة المتجلية في الصخرة. أما الوجه الآخر نتعرف من خلاله على ماهية هذه الصخرة ـ الرمز ـ وبالتالي ماهية الأزمة وأسبابها الدفينة في أعماق الرجل المشتاق الذي يبدو هنا وكأنه فاقد الإرادة بعد أن يتحول في قصة "لعبة منتصف الليل" إلى لص بفعل الضغط والإكراه. ثم يخطط في قصة "الضحية" إلى قتل صديقه لأنه كان كاشفاً لعيوبه, وحين يذهب لتنفيذ ما أزمع عليه يجد عصابة من اللصوص قد سبقته وأودت بحياة صديقه. وحتى يضمنوا صمته حيال الجريمة وعدم الوشاية بهم يطالبونه بغرز نصل خنجره في قلب الجثة. فيفعل ملبياً طلبهم دونماً إبطاء أو تردد.. وهذه التلبية ليست استجابة قسرية لطلب اللصوص وحسب كما قد تبدو في سياق القصة, بل استجابة لنداء أناه الذاتية الراغبة في الانتقام أيضاً. لأن الرجل المشتاق يخيل إليه أنه أصبح ذا مكانة رفيعة رائعة ـ وهذا ظاهر في أحلامه ـ لكن الصديق المغدور أشعره بزيف اعتقاده وسلوكه, ساداً بذلك الطريق أمام تأنقه الفرداني الذي يحلم به مما أثار غضبه ورغبته الجامحة إلى الانتقام والتخلص منه بأية وسيلة أو ثمن طالما وجد فيه العين الاجتماعية الراصدة لحركاته والمانعة لوصاله إلى الحبيبة ـ الحلم ـ فهو يقول في قصة السقوط: "... لقد حال المجتمع من قبل دون أن أصل بحبي إلى ما كنت أرجوه ولم يشفع لي أنني أمضيت أشهراً طويلة أحلم وأرى خيالها في نومي, فأحادثها وأبادلها أعذب الكلمات..."(6). عند هذا الحد يتوقف الرجل وعند هذا الحد تنتهي مغامراته ورحلته المشتاقة التي لم يجن منها سوى خيبة الآمال والأحلام التي لم يتحقق منها أي شيء على الإطلاق وإذا كان أرنست همنغواي حين أخذ سمكة شيخ البحر(7) أبقى له هيكلها العظمي ليواصل كفاحه مرة ثانية بعناد جديد فإن محسن غانم ترك لرجله المشتاق في قصة "الخوف" كوابيس لا حصر لها وجعله أسير أجواء هيتشكوكية مرعبة كالتي عاش فيها أبطال مجموعة قصص "أحلام ساعة الصفر"(8) الذي صنعهم عادل أبو شنب من طين الهزيمة الحزيرانية(9).. وبعد الكوابيس يخضع الرجل المشتاق إلى ما يشبه يوم الحساب والدينونة فيعترف بسلسلة من آثامه المرتكبة. ويمد إلى عنقه حبل العدالة في قصة "قبل وبعد" ليضع حداً لحياته ولأحلامه بينما تصرخ المرأة: اتركوا لي زوجي... لكنه يموت شنقاً وقبل أن يقدم أية كلمة من وصيته الأخيرة.. هكذا تتعامل الأنا العليا بواسطة أعرافها وتقاليدها الاجتماعية مع الأنا الذاتية الدنيا حين تتجاوز هذه الأخيرة حدودها المرسومة مسبقاً من قبل هذه الأنا العليا... وعندما تبقى أمينة للحدود أياها يتقلص دور الفرد وتضمر فاعليته خصوصاً إذا كان المجتمع يمر بمرحلة انتقالية فيصبح حينئذ في عداد الظاهرة التي أسماها جورج لوكاتش بالتشيؤ. نستطيع الآن على أساس ذلك استقراء رموز الصخرة التي كانت محمولة على ظهر الرجل المشتاق على الشكل التالي: "الأنا العليا القامعة + الأعراف والتقاليد الاجتماعية غير الصحيحة + الفقر" = "الكبت والخوف والعجز" هذا الثالوث كان يرافق الرجل المشتاق منذ بدء رحلته وحتى نهايتها ونهاية حياته معها أيضاً! في معظم قصص محسن غانم التي اعتمد فيها أساليب فنية وتقنية متعددة.. فاستخدم السرد والرمز والتعبيرية في غالب نصوصه كما اعتمد على الإيحاء والغرائبية والفانتازيا في العديد منها كقصة مغامرات رجل مشتاق ولعبة منتصف الليل والمخمور.. فقد قدم عبرها وبأسلوب كافكاوي أكثر من لوحة رصد داخل إطارها معركة الرجل المشتاق الحياتية ومغامراته الفردية التي انتهت إلى السقوط بعدما جاءت على حصان خشبي أراد بواسطته بلوغ مملكة الأحلام السوبرمانية في زمن الفعل والحلم الجماعيين... الهوامش: 1 ـ مغامرات رجل مشتاق ـ قصص محسن غانم ـ منشورات وزارة الثقافة السورية ـ دمشق 1982. 2 ـ نفس المرجع السابق ـ قصة السقوط ص 70. 3 ـ نفس المرجع السابق ـ قصة السقوط ص7. 4 ـ المتألق ـ رواية عبد النبي حجازي ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق. 5 ـ ليل الغرباء ـ قصص غادة السمان ـ منشورات دار الآداب ـ بيروت 1971. 6 ـ مجموعة قصص مغامرات رجل مشتاق ـ قصة السقوط ص 57. 7 ـ الشيخ والبحر ـ رواية أرنست همنغواي ـ ترجمة منير بعلبكي ـ منشورات دار العلم للملايين بيروت 1972. 8 ـ أحلام ساعة الصفر ـ قصص عادل أبو شنب ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 1973. 9 ـ راجع لأحمد حسين الحميدان ـ دراسة حول حربي حزيران 1967 ـ وتشرين 1973 في قصص عادل أبو شنب ـ والمنشورة بمجلة الآداب اللبنانية عدد /3 ـ 4/ آذار ونيسان 1981 بيروت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |