جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عن الرواية البولسية شيفرة دافنشي ـــ خيري الذهبي

في سلسلة من الروايات البوليسية يتقدم إلينا دان براون بطور جديد من الرواية البوليسية, فهو لم يستخدم الإناء أو الإطار البوليسي لتقديم رؤية عن العالم في قالب يضمن كاتبه ربط قارئه إليه حتى النهاية سعياً وراء كشف اللغز كما فعل دوستويفسكي مثلاً في الجريمة والعقاب, وكما فعل أومبرتوإيكو في اسم الوردة, بل استخدم الإطار البوليسي المستخدم كثيراً والمعروف كثيراً والذي استخدمه لوبلان, ودويل, وكريستي ومئات من كتاب أكشاك القطارات, والبلاجات.‏

إنها الرواية البوليسية الصرفة, أي تلك الرواية التي تكتب من نهايتها لا من بدايتها, بمعنى أن الكاتب حين يقرر كتابة روايته البوليسية فهو يضع حل اللغز مسبقاً, ثم يأخذ في بناء اللغز, ثم يعمد أثناء ذلك إلى بناء الفخاخ والمزالق التي تجعل القارئ يضيع ويبتعد مسافراً وراء حلول زلقة يضيع وراءها عن الجواب الحقيقي, ومتابعاً الكاتب في قراءة كتابه لا يصل إلى الجواب إلا في نهاية الرواية, والذي يكون عادة مفاجئاً, وكثيراً ما يكون غير مقنع, ولكن بما أن الكاتب كان قد استهلك كل الإجابات الفردية من الإقناع وهو يخادع قارئه, فلن يتبقى أمامه إلا الجواب الأخير والمخفى جيداً ليكون مكافأة صبر القارئ حتى النهاية.‏

دان براون في روايته شيفرة دافنشي استخدم هذا النوع من الكتابة, أي الكتابة البوليسية المخادعة, مقدمة الطعوم لأفخاخ تشد ذكاء القارئ إلى متابعتها, ثم كاشفاً له خطأها حتى نهاية الكتاب.‏

تفتتح الرواية على قيِّم متحف اللوفر الذي يحاول ألا يموت قبل نقل السر الذي يحمله إلى آخرين, فقد كان القيِّم الأخير على السر الذي تنتظره البشرية, وتحاربه البابوية, يقدم لنا براون هذا المشهد بحرفية من درس آلية حراسة المتاحف الكبرى وقدرتها على الدفاع عن نفسها ضد اللصوص فهاهي البوابات الحديدية تنغلق آلياً حين يقتلع لوحة لكارافاجو عن الجدار, وهاهي الأضواء السرية تنطلق وهاهي الصفارات الإنذارية تندلع إلى آخره.‏

ثم يأتي رجل حل اللغز البوليسي, إنه روبرت لانغدون, صورة أخرى من شرلوك هولمز ولكنه العالم في علم الرموز الدينية, وهاهو البوليس يطلبه لحل اللغز, ثم للاعتقال مشتبهاً به إلى أن تتدخل عميلة سرية هي صوفي نوفر, تتدخل لتساعد في حل لغز مقتل قيم متحف اللوثر, وسبب اقتلاعه لوحة كارافاجو, وعن معنى الكلمات التي تركها من ورائه حلاً للغز, والتي ستتكشف عن حفيدة للقتيل, ووريثة لوسن سيون للسري.‏

وتتقدم الرواية لنكتشف بالتدريج أن هناك جمعية آثرت المترجمة إلى العربية ترجمتها بكلمة سيون, وسيون هي صهيون, وهذه الجمعية تحتفظ بسر تحاربه الكنيسة الكاثوليكية منذ عشرين قرناً, هذا السر هو أن مريم المجدلية كانت زوجة للمسيح, وأنها كانت معه في العشاء الأخير, وأنها أنجبت منه بنتاً..‏

طبعاً مثل هذه النظرية لابد أن تحاربها الكنيسة, وهكذا اندلعت حرب سرية طويلة بين جمعية تحاول الحفاظ على سلالة المسيح الأنثوية ـ مملكة المرأة, وبين الكنيسة الكاثوليكية المصممة على بتولية المسيح وطهرانيته وأنه لم يتزوج ولم ينجب, وخاصة أن تكون سلالته امرأة, فالكنيسة ذكرية, رجلية, حرصت طيلة قرون على تحقير المرأة وتدنيسها إلى آخر ما حفل به الكتاب من هذا المعنى.‏

تتقدم الرواية, وتتكشف أٍسرار, ويخادعنا المؤلف بعرضه معلومات هائلة عن تاريخ الحضارة المسيحية, وهي معلومات متوفرة لمن يرغب طبعاً.‏

وهو يستخدمها في تقنية بوليسية مبهرة, وتظل معه في لعبة القط والفأر ومزالق الحلول المخادعة حتى يقدم لنا الحل الأخير في نهاية الرواية, فنحس بالخيبة فها هو ينقض كل ما تقدم, وهاهو يحدثنا أن هدف الرواية لم يكن جمالياً, ولم يكن معرفياً, بل كان فقط القدرة على شد القارئ حتى النهاية, وفي هذا فقد أفلح.‏

إن عرض النموذجين السابقين اسم الوردة لأومبرتوايكو, وشيفرة دافنشي لدان براون نصل إلى أن الإطار ليس المهم, على الرغم من أهميته, فالمهم هو المحتوى الفني للإطار.‏

نستطيع أن نكتب رواية بوليسية, ولكن على أن نضع فيها خلاصة رحيقنا الفني والمعرفي دون أن نقع في بهلوانيات دان براون.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244