|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
رُغَاءُ بَعِيْر!... ـــ د.محمد رضوان الداية من الكنايات القديمة في الفصيح ـ والعاميّ معه ـ قولهم: صاحَ في ديارهم الغُراب, أو نَعَب الغراب, أو نَعَق, وما شابه ذلك, وهي كناية عن التفرّق والتَّشَتُّت. وهذا شائع معروف. وما يزال الرجل المَشؤومُ أو الذي يظنون أنه كذلك, يُقال فيه إنه غراب, أو غُرَابُ بين. (1) والأَصل قديمٌ مُوْغِلٌ في تُراث العَرب وفي لغتهم. وقد قالوا في أمثالهم: "أَشْأم من غُراب".والغُراب المذكور في هذه الكنايات والأمثال نوع أسود شديد السَّواد. وقد تشاءموا به لِمُلاَبسةٍ في حياته ومَعاشِه, فهو طائر ينزل في الحُقُول القريبة من مَواقع السُّكنى. وينزلُ على البُيوت المهجورة, والمواضع التّي يغادِرُها سُكّان البَوادي, لأنهم يتركون وراءهم ما يجدُ فيه الغراب طعاماً يأكلُه أو يحمله. وهكذا ارتبط نزول الغُرابِ بالسَّفرِ والارتحال. ومع مجيئه يَرْفَعُ صوتَهُ ـ كعادته ـ فتشاءَمُوا بنزوله, وتشاءَمُوا بصوتِه أَيْضاً, وتردّد هذا المَفْهُوم في كلاِمِهم وأَشعارهم وأقوالهم وأمثالهم وحكاياتهم حتى صار أَشبْهَ بالحقيقة؛ وانتقل من الوهم إلى الظنّ, ومن الظَّنّ إلى ما يُشبه اليقين. وعلى هذا قول جرير في مطلع قصيدةٍ له:
يقال نَعَبَ الغراب, وشحَج كما يقال: صاحَ, وصَوَّتَ, ونَعَقَ... الخ. (2) وقلّ أنّ يتشاءَمَ العربيُّ بالبُوم كقولِ ابْن مُفََرّغ الحميري نادماً على بيعِ غلامٍ له وجاريةٍ:
فالبومة هي الأُنثى والصَّدى هو الذَّكر. وإنما تشاءموا بالبومة أو ذكرها الصَّدى أو الفياد لأنّه يشبه عندهم الطائر الأُسطوري الذي كانوا يزعمون أنه يخرج عند رأس القتيل يدعو إلى الأخذ بثأره, ويبقى يصيح حتى يؤخذ بالثأر!! والبوم في الموروث العربي طائرٌ نافعٌ لأنّه مُسَلّط على القوارض المؤذية والحشرات الضارة... (3) ومن الطَّرِيف في الشّعر العربي أَن يقول عدد من الشعراء أَنَّ الشؤم الحقيقي هو في الجَمل, أَو النّاقة, لأنّ البعير هو أداة السّفر التي تحقّق البعد, والاغتراب, وتقطع ما بين الأهل والأحبّة, وتضرب بعيداً في الأَرْض, فيذهب قوم مشرّقين ويذهب نفر مغرّبين.. ـ روى ياقوت عن المُبَرّد أنّه اجتاز بمكان يدعى "دير هِزْقل" فنزل مع أصحابه فوجَدُوا في بعض البيوت رجلاً كهلاً حَسن الوجه عليه أثَرُ النّعمة فتجاذبوا معه الحديث فقال لهم: تنشدونني أو أنشدكم؟ فاستنشدوه؛ فقال:
ثم حدّثهم, فاستنشدوه ثانيةً فقال:
قال المبردّ, فعلّق بعض الفتيان على قوله "ما فعلوا": فماتوا! قال: فأموت أنا؟.. إلى آخر الخبر. ـ فالذي حتم بالفراق هو الجمل الذي حمل المسافرين والمسافرات وقطع الأوصال بين المحبّين, وحقّق البَيْن, وأوْجَبَ الاغتراب! (4) وممّن التقط هذا المَلْمَح ابن عبد ربّه شاعر الأندلس؛ ومن شعره في هذا الباب قوله:
(أحلاس جمع حِلْس: كساء رقيق على ظهر الدابّة تحت البردعة, والكُوْرُ: رَحْلُ البعير). يقول إنّ الفراقَ لا يكونَ بنعيبِ الغُرابِ, ولكنه يتحقّق بِعَزْمِ الجمالِ على الارتحال. وجعل الشاعر رغاءَ البعيرِ بديلاً عن المأثور القديم من نعيبِ الغُراب ونعيقه! ـ وهذا الملمح تعليل أَدبيٌّ, مبنيّ على أمرٍ واقعيّ, فيه إضافة إلى المَعاني المألوفة والتعليلات المأثورة, وفيه نوع من التجديد والتُوليد. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||