جريدة الاسبوع الادبي العدد 1006 تاريخ 13/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

صورة البطل في الوجدان الشعبي ـــ د.فاخر صالح ميا

قطع التاريخ, منذئذ رحلة وعرة, تطورت خلالها مفاهيم الإنسان حتى غدا البطل في الوجدان الشعبي حاملاً للقيم الإنسانية من مغامرة إلى أخرى, طموحاً, مجابهاً, متحدياً, وغدت الحياة بعد هذه العصور, أكداساً بالغة التعقيد من النقائض والمتضادات والحيوات المتصارعة عاشتها أجيال من الناس. وأنا أريد هنا أن أكتب ببساطة, بلا تقعر ولا تصنع عن البطل في الوجدان الشعبي للكاتب المصري "محمد جبريل", واصفاً تلك اللقطات المهمة التي يأخذها "جبريل" على عاتقه, وهي مسؤولية الكتابة في معمعان المراحل المتخالفة, وبكل ما اختلط فيها الحلو بالمر, وهنا لابد لي وأن أرى بأم عيني تلك القيم الأصيلة التي غرسها الأبطال الشعبيون الذين يبتغون أن يزيحوا عن الآخرين غشاوة ما كابدوه, وما اختلطت عليهم سبل الحياة ومفارق طرقها. إن كل ما أردته لدراستي عن هذا الكتاب هو أن تكون نموذجاً للانكشاف وللتفتح على الحياة وللصراع والعراك مع الطبيعة بل ومع القدر نفسه, فضلاً عن التقاليد والأعراف المألوفة والموروثة والمتخلفة, ولكن ثمة شيئاً يجب أن نلتفت إليه مع مؤلف الكتاب "جبريل" تلك الصور التي تتفتح عن وعي كبير لتعطي الحياة للإنسانية ولدحض آراء عبد الحميد يونس, من أن الهلالين لم يكونوا سوى أهل شغب... ص 7 ـ 8, بل إن ثمة من يرى في ملحمة هوميروس مفتاحاً لفهم بعض عناصر أدبنا الشعبي الذي عكسته السير, وقد توقف بعض الباحثين أمام التشابه الواضح بين أوديسيوس وأبي زيد الهلالي وبين أغاممنون والسلطان حسن, وهيلين والجازية وبريام والزناتي خليفة وآخيل ودياب بن غانم... ومن موقع اهتمام الكاتب "جبريل" بالسير الشعبية, فإننا نجد توصيفاً ضاراً للسير الشعبية بشكل عام وللسيرة الهلالية بشكل خاص, لما قدمه "عبد الحميد يونس" ص63 ومحمد فهمي عبد اللطيف ص65 وكذلك ابن الأثير ص67 من آراء لا تحسن فهم السير الشعبية وقوانينها, فعلى الرغم من توالي الأزمنة ودورة العصور, فإنها لا تزال تتوهج بالمعاني الإنسانية العميقة بفضل وفائها للجوهر الإنساني الأصيل وحضها الدائم على الالتزام بالخير ومحاربتها لكل ضروب الشر والنقائص ـ ومن هذه الزاوية تكتسب صورة البطل في الوجدان الشعبي قيمة تربوية, لأنه تأكيد على الانجذابية الإنسانية نحو اقتحام المجهول وتجاوز حدود الواقع وتحقيق الأحلام. تلك الأخبار التي شغلت مجلدات كثيرة لنتأمل فيها طفولة المجتمع وتفاسيره من خلال حكايات وأقاصيص وسير تذاوب فيها سحر البناء وجاذبية التشويق بكثير من الأبعاد والمعاني التي تدفع بالإنسان إلى التأمل والتفكير.‏

وثمة شيء مهم يراه الباحث "محمد جبريل", من أن غزو الهلالين للشمال الإفريقي هو الذي أفضى إلى تعريب المنطقة وانحسار الجنس البربري الذي كان مسيطراً بحكمه ولغته وعاداته وتقاليده. بل إن البعض يجد في دخول العرب الهلالية إلى تلك البلاد امتداداً للروح البدوية التي ترفض الظلم والقهر. وهو ما تبدى بعد مئات السنين في مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاحتلال الفرنسي للجزائر, ومقاومة عمر المختار للرحالة الإيطالي لليبيا ص67, وهنا لابد لي من الوقوف على الحالة التي تعكس تطور المجتمع الإنساني وعلاقة الإنسان بالطبيعة والمحيط كقوة تترك لمساتها الواضحة على التراث الفكري والإنساني.‏

يقدم لنا الكاتب "جبريل" لوحة للوعي الإنساني نحو تلك الأحقاب الزمنية التي لا تزال معلوماتنا عنها محدودة إلى حد ما عندما كانت حياة الإنسان شديدة الخضوع للتراب والأرض ملتصقاً بالقيم يدرك جواهر الأشياء, ولهذا كانت الأرض بالنسبة للبطل في الوجدان الشعبي بمثابة الأم الولود التي ينطلق فيها كل شيء ص119 ـ 120 وما "شجرة الدر" سوى القوة الحية التي تضفي على الوجدان الشعبي استقلالية الذات الإنسانية واحترامها, وعلى هذه الخلفية الواسعة من الأبطال نجد تصدي "شجرة الدر" باقتدار للعدوان الصليبي ص120 ـ 121, ومما يلفت النظر أن مفردات الفضيلة والخير لم تتغير عبر التاريخ فالشجاعة والكرم والعفة والإيثار والمروءة كل هذه الخصال كرمتها السير الشعبية وحضت عليها مثلما أدانت الشرور بكل مفرداتها, بل إن الأغنية الشعبية تسهم في إغناء مضامين جديدة لتغدو أكثر تعبيراً عن عصرها وأدق تصويراً للمجتمع الذي أوجدها, فهاهو ياسين يتوسل إلى الشمس أن تترفق بهم فلا تلسعهم حرارتها:‏

قولوا لعين الشمس ما تحماش أحسن حبيب القلب صابح ماشي ص220‏

وبهذا المنظور تعكس الأغنية الشعبية الواقع الاجتماعي مع تلاشي الأنا الإنسانية أو الأنا الروحية (Ego), فبدت تلك الصور الكئيبة لتحل محلها أساطير لمرحلة جديدة, حيث كان البطل في الوجدان الشعبي, محورها الرئيس لمواجهة ظلم الحاكم لا بمجرد الحلول السلبية التي برع فيها المصريون مثل النكتة والشائعة واللغز الخ, وإنما بالثورة وبالمقاومة المسلحة ص262, التي تدفع الظلم والهزائم والأعراف المتخلفة عن الشعبي والوطن.‏

الهوامش‏

محمد جبريل, البطل في الوجدان الشعبي مكتبة الدراسات الشعبية القاهرة 2000.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244