|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قلعة حارم تبكي أهلها ـــ د.حسين جمعة أريد لكلماتي هذه أن تتجه اتجاهاً مغايراً لما مضى؛ إنها تحاول أن تضع أيدينا على جرح غائر في النفس من نمط آخر؛ جرحٍ ينزف على عتبات الحقب الزمانية الحضارية الراكدة في الغياب، والمنسية من ذاكرة الحضور والبناء؛ جرحٍ يطرح على أبناء العروبة سؤالاً مهماً عن بنية التخلف التي تعصف بوجودنا: هل تعد بنية التخلف الثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية الراهنة بنية تاريخية متوارثة منذ قرون عديدة؟!! وتأتي الإجابة من أبناء العصر الحاضر متباينة ومتناقضة؛ بيد أن التاريخ يقدم لنا إجابة واحدة مفادها أنه شاهد على عجزنا وضعفنا وعقم تدابيرنا، وقلة حيلتنا؛ وتبعية حياتنا لطروحات جاهزة. وإذا كنت ممن يؤمن بأن تاريخنا قد ابتلي بأمراض شتى؛ فإنني أعتقد جازماً بأن هذا التاريخ يحمل من المنارات ما يجعلنا نخجل من تصوراتنا وأفعالنا؛ ومما أصبنا به من تشوهات نفسية وفكرية. فإذا كنا نتخيل ـ في كل لحظة ـ أن هناك مؤامرة من نوع ما تحاك ضدنا؛ أو أن هناك حرباً شرسة موجهة لتدمير حياتنا؛ وإعاقة بناء نهضتنا؛ فما الذي نفعله لكي نتمكن من وضع حجر الأساس لنهضة علمية ثقافية تقنية واقتصادية؛ اجتماعية وسياحية تضعنا على عتبات مستقبل منشود؟. من هنا أجد عقلي مشدوداً هذه المرَّة إلى البحث في القطيعة بيننا وبين تراثنا العريق الممثل ببعض الآثار العظيمة التي كانت رمزاً للصمود والبناء وإرادة التحرير والنصر؛ أجد عقلي منجذباً إلى قلعة حارم التي تربَّعت على قمة جبل يحضن بلدة حارم المعروفة في كتب التاريخ باسم (دمشق الصغرى) لما بينهما من التشابه في الطبيعة جبالاً وودياناً وسهولاً خضراء. إنها إحدى البلدات التي نسيها الزمان عند شريط حدودي شائك مع لواء إسكندرونه لا يحاذيه إلا مسجد الصحابي الجليل فاتح الديار الشامية أبو عبيدة بن الجراح ( عامر بن عبد الله 40 ق.هـ ـ 18هـ/584 ـ 639م)، وقد زينته أشجار معمرة ضخمة تتحدث عن عظمة الفاتحين الأبطال؛ بمثل ما تحكي سهولها وقلعة حارم حروب هذا الأمير القائد وتقص علينا خبر الشهداء الذين طهروا الأرض بدمائهم الزكية. وقلعة حارم هي التي شهدت ـ أيضاً ـ معارك مجلية ورائعة لصلاح الدين الأيوبي (يوسف بن أيوب 532 ـ 589هـ/ 1137 ـ 1193م) حين أطلق إسارها من يد الفرنجة بعد حصار دام ستة أشهر؛ ثم شرع يبنيها حجراً حجراً؛ وجداراً جداراً؛ حتى أعاد إليها وجهها الأبي المشرق. وهي القلعة التي تتباهى في سرد حكاية بطولات المجاهد إبراهيم هنانو (1286 ـ 1354هـ/ 1869 ـ 1935م) حين حاصره الجيش الفرنسي لمدة أربعين يوماً لم تلن له أو لرفاقه من المجاهدين قناة، وظلوا صامدين فيها حتى فكَّ الحصار عنهم رفاقهم المجاهدون الذين هبُّوا لمساعدتهم من حلب الشهباء. وهي القلعة التي تحكي القصص البطولية للمرأة العربية الأصلية التي تربَّت على الانتماء المخلص للوطن؛ فقد روي أن امرأة من قرية (إسقاط) المجاورة رأت حامية فرنسية مدججة بالسلاح والشر في غوطة حارم، وأدركت أن الخطر الداهم يتربص بهنانو ورفاقه الأبطال من الثوار فألقت حملها، وتركت دابتها وراءها لا تلوي على شيء؛ وأسرعت الخطى لتخبر هنانو بما رأت من تلك الحامية التي دبَّرت أمرها بليل بهيم لقتله؛ فما كان منه إلا أن تدبَّر أمره وأمر تلك الحامية فأوقع بها هزيمة نكراء. إنها القلعة التي ينتصب فيها المجد شامخاً؛ فكل حجر يحكي لنا قصة من قصص البطولة والفداء، وكل حجر يخبرنا بأنه قد تعطر بدماء الشهداء الطاهرة؛ ولكنها اليوم تحكي لنا حكاية الاستلاب الحضاري؛ حكاية موت الذاكرة، وعجز الإرادة البشرية. فأصحابها الذين ملكوا أمرها ـ اليوم ـ من جنس آخر غير البشر؛ إنها المكان المريع للأغنام والماعز بعد أن آلت إلى أطلال خربة تتجرع ألمها؛ وتصرخ معلنة عن بؤسها وشقائها بأبنائها الذين ما فتئوا يصيحون بدعوات الإصلاح والبناء التي أصيبت بداء التجزئة والذاتية كما هي نظرتنا إلى الأوابد التاريخية العظيمة التي عققنا بُنَاتها؛ وأَزرينا بتجلياتها الحضارية الرائعة وقرأناها قراءة خاطئة. ولهذا فما أدري كيف يتغنى الأدباء والمؤرخون وعلماء الآثار بتاريخهم؛ وجزء منه يلفّه النسيان أو الإهمال، إنه الشاهد الحي على أفعالنا المريبة، في الوقت الذي كان الشاهد الأعظم على بطولات أجدادنا وعطائهم الزاخر؟!! ما أدري كيف نقيم نهضتنا المعاصرة ونحن نمارس عملية قتل متعمدة لأعظم شاهد على حضارتنا التي أنارت الدنيا بأسرها وقدَّمت للبشرية ما لم تقدمه حضارة أخرى؟ ومن ثم ألا يمكن لنا أن نجعل هذه الأوابد نهراً ثراً على صُعُد مختلفة ولا سيما على الصعيد السياحي؟ أم أن العين لا تبصر إلا قلعة واحدة أو اثنتين ولأغراض ما؟ وحين يكثر حديثنا عن التطوير والإصلاح؛ فهل يمكننا أن نغمض أعيننا عن جانب دون جانب؟ هل نستطيع أن نصل إلى مستوى الرؤية الشمولية التي أرادها السيد الرئيس بشار الأسد للتطوير على الصُّعُد كلها؟ وأين نضع تجاهلنا لكثير من معالم التراث المتألق في الفن والعمارة والأدب والفكر و..؟ ولعل من أعجب العجب أن العديد من الأمم تنقب عن أشتات من القلاع والأحجار، واللقى وبقايا الرُقُم والكلمات؛ ونحن نمعن في تدمير أوابدنا، وشواهدنا التاريخية الحية وتراثنا الزاهي، لهذا؛ فمن حق قلعة حارم وأمثالها أن تبكي أهلها الذين رحلوا معها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |