جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشاعر العماني ـــ حسن حميد

دائماً,‏

كنتُ مع الدعوات المنادية بمعرفة الماضي, والوقوف عليه, واستكناه ما استبطنه من أخبار, وأحداث, وغايات, ورؤى, والتراث الثقافي جزء أساسي من ماضي أي أمة من أمم الأرض قاطبة, والعودة إليه مسألة لا محيد عنها إطلاقاً, ذلك لأن طبيعة النفس البشرية تودّ معرفة من أين أتت, وكيف تكونت, وماذا تريد, وكيف تصل إلى ما تريد, وبأي إرادة تصل!‏

والتراث, أي تراث كان, إناءٌ فيه ماء القلب, ولابدّ للمرء العارف من ارتشاف شيء من هذا الماء كي يعي مكانته, ونسبه.. وكي يأخذ سمته وأوصافه.‏

وعلى الرغم من أنني مفتون بتراث العربية تاريخاً, واجتماعاً, وأدباً, وأنساباً, وثقافةً.. إلا أنني لم أكن يوماً من الداعين إلى الاستغراق فيه, والوقوف عنده, وعنده وحسب... ذلك لأن هذا الاستغراق العاطفي, والوقوف الطويل.. يبدد بهجة ملاقاة الحاضر والتعامل معه, ويعمّى الرؤى الذاهبة نحو الآتي من الأزمنة, والتطلعات التي هي خاصية إنسانية بامتياز.‏

أدفع بهذه الأسطر استهلالاً للحديث عن دراسة معقودة على الشاعر العثماني محمد بن ذؤيب الفقيمي عمل عليها الأستاذ ماهر النجار فتُعرّف به, وبشعره, وبعصره, ومكانته, ودوره في الحياة الثقافية التي عاشها, وتُحقّب من خلال شعره, حيوات المجتمع الذي عاش فيه: السياسية, والاجتماعية, والثقافية.‏

وأبو العباس, الشاعر العماني, رجل حياة, عمَّر كثيراً حتى صار ـ عمره عمر أزمنة وعصور ودول لا عمر فرد بعينه, فقد عاش قرابة ثلاثين ومئة سنة, عاصر خلالها برهتين مهمتين من الزمن العربي التالد, هما برهة العصر الأموي, وبرهة, ليست بطويلة, من العصر العباسي انتهت بنهاية خلافة هارون الرشيد (193 هجرية), وكان شاعراً مقرباً من الخلفاء والأمراء وأولي الأمر في كل الأوقات التي عاشها, وهو شاعر مفلق, مطبوع, يقول القصيد والرجز وينتقل بينهما كما لم يفعل ندٌّ له في عصره, أو سابقٌ عليه, كما أنه كان شاعراً ذا مكانة ومهابة وحضور في القصور, والمجالس, وبين أقرانه العارفين بملكات الشعر وسحره. كما كان شبيهاً بالأنهار ففي ضفتيه تتوازع مواضع المحبين والخلص في ضفة, ومواضع الحاسدين, والكارهين في ضفة أخرى. وعندي, أن الأهمية والمكانة اللتين حاز عليهما العماني لم تأتيا من فراغ, أو شغور مقاعد الشعر من أصحابها, أبداً.. وإنما جاءتا من قدرة العماني الإبداعية, وموهبته الخصيبة, وسرعة بدهيته, وحسه السليم, وطباعه السامية, فقد كان صاحب مناددة ومقارعة مع الأقران في مجالس الخلفاء, والأمراء, والقواد, وأهل الغنى والثراء.‏

إن مدح أبهج وسرَّ, وإن هجا أوجع وأقلق, وإن رثى أبكى وأحزن, وإن وصف أتى بما تراه القلوب لا العيون. لم يعرف الخرس الشعري في يوم من أيام حياته, ولم يهجره الشعر حتى في أيامه الأخيرة, فظلَّ نبعة الشعر السيالة مدحاً, ووصفاً, ورثاءً وهجاءً, وحكمةً.‏

كان شعره مأنوساً, رقيقاً فلا مستغلق فيه, ولا بهجة أو غموض, أقرب إلى الغناء والإنشاد من أي شيء آخر, لهذا تميّز شاعراً للرجز, إذ لم يذكر الرجز في مدونة العصرين الأموي والعباسي إلا وذكر العماني بنبوغه, وموهبته وجمال شعره.‏

وأهمية شعر العماني ليست فنية وحسب, وإنما هي أهمية أبعد من ذلك بكثير, وذلك لأن شعر العماني أرخ لأحداث وأخبار, وأعلام، ومواقع، ومناسبات, ما كان يمكن معرفة دلالاتها التاريخية من جهة وعلاقاتها بالخلفاء والأمراء والقواد, وأولي الأمر والأمكنة من جهة ثانية لولا شعره الذي ماشى العصر فكتبه.‏

وفي وهمي, أن قراءة العماني في شعره, وسيرته الذاتية, وهي نزيرة للأسف, هي قراءةٌ لأحوال عصرين غنيين جداً من عصور الحياة التاريخية للعرب, قراءة لما استبطنته حياة هذين العصرين فتصور عنايتهما بالثقافة والأعلام, وتقديرهما للمواهب والعقول النجيبة, والأذهان الذاهبة نحو السحر الحلال.‏

وأقول أيضاً إن قراءة شعره هي قراءة للرجز العربي في أحسن صوره وتمثلاته، وفي أجلى معاني قوته الفنية, وترسماته الجمالية في العصرين الأموي والعباسي، أما إن ذهبنا إلى خصوصيات العماني وتجلياته في الشعر, فإنه كان واحداً من أبرع شعراء العربية في وصف الخيل, وما أدراك ما الخيل في أسفار العرب.‏

وبعد, فإنني سعدت بصحبة هذا الكتاب الذي منَّ الله عز وجل بفضله على أخي ماهر النجار, فأمده ببراعة العين الرائية, واليد الرامية, والذهن المنقب الوقاد, والروح الصبور, حتى أتم تحقيق هذه الدراسة فجلاها على أحسن هيأة وحال, ووضعها بين أيدي الدارسين العارفين القدامى, وأيدي الدارسين الطالعين ليعوا إلى أي ماضٍ هم ينتسبون, وإلى أي مستقبل هم يمضون. فمثل هذه الرسالة لا تنهض بها إلا النفوس الكبار التي إن أرّقها العلم والبحث سمت, وإن واجهتها العقبات والمصاعب تجلدت وتقحّمت, وإن أصابها النجاح أو الفوز قالت: "ربنا لا تذقنا حلاوة أنفسنا".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244