|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الكواكبي وأول مشروع لعاصمة للثقافة الإسلامية ومؤتمر قمة يعقد في أم القرى ـــ عبد الفتاح قلعه جي بعد جلاء القوات المصرية عن سورية (1831 ـ 1841م) ومع بدء العهد المجيدي, وما شهدته المنطقة من صراعات دولية وأحداث, ومن اتساع نوافذ الإطلال على الغرب, لم يعد بالمستطاع إيقاف ذلك المخاض الفكري والسياسي المؤذن بتباشير وعي للذات ونهضة تتبلور حيناً شعوراً إسلامياً وحيناً آخر حساً قومياً, وسط نزعات للإصلاح ونقد للفساد والاستبداد والجهل والضعف, وجراءة في نقد وتحليل البنية الاجتماعية والسياسية للدولة العثمانية, وهكذا اتسم النصف الثاني من القرن التاسع عشر, فمطلع العشرين بقَوْمةٍ عربية على اختلاف اتجاهاتها ومرجعياتها أخذت تتبلور مشروعاً نهضوياً غير ممنهج. الكواكبي صوت النهضة المبكر كان عبد الرحمن الكواكبي (1854 ـ 1902م) واحداً من تلك الأصوات المبكرة التي ارتفعت داعية إلى الإصلاح والنهوض ومقاومة الاستبداد, وقد اتصل بزعماء آخرين في هذا الاتجاه كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما من الداعين إلى النهوض بالشرق الإسلامي وتخليصه من عبودية الجهل والظلم والسيطرة الأجنبية. وقد اتخذ من الصحافة منبراً, فقد اصدر في حلب جريدة الشهباء وهي أول جريدة سياسية تصدر في حلب, ثم أوقفتها الحكومة لما ظهر فيها من نزعات إصلاحية, وأصدر بعدها جريدة الاعتدال وانتهت كسابقتها, وعندما هاجر إلى مصر راح يكتب مقالات في جريدة المؤيد. ولو أن أوراقه ومخطوطاته لم تصادر بعد وفاته في مصر لكان بالإمكان التعرف على جوانب أخرى من فكره, وبخاصة على ملاحظاته التي دونها خلال رحلاته كرحّالة عربي زار سواحل أفريقيا الشمالية والجنوبية ومنها دخل الحبشة وسلطنة هرر الإسلامية والصومال, ثم زار سواحل آسيا الجنوبية والمحيط الهندي وشبه الجزيرة العربية حيث اجتمع بأمراء وشيوخ القبائل ودرس الأوضاع الاقتصادية. وزار كراتشي وبومباي وسواحل جاوة والصين, ثم عاد إلى بلدان الخليج العربي فمسقط حيث أبحر إلى سواحل البحر الأحمر عائداً إلى مصر. وكانت رحلاته أكثر من سياحية. كانت دراسة لأحوال العالم الإسلامي, فقد كان يدوِّن مشاهداته ومطالعاته ولقاءاته مع الملوك والأمراء والأعلام, ساعياً إلى نشر أفكاره في الإصلاح والنهوض. هذه الرحلات الميدانية البعيدة الأمداء التي وسعت آفاق فكر الكواكبي ومعرفته واستطلاعاته وإن فقدت لأوراق الوثائقية الخاصة بها, نجد لها مكافئاً في شخصيات استحضرها خيال الكاتب من جهات العالم العربي والإسلامي والغربي في كتابه "أم القرى" لتقيم حواراً شاملاً في شؤون الدين والسياسة والاجتماع والثقافة والأخلاق في اثني عشر اجتماعاً. الخروج من الزنزانات نحن إذن أمام دعوة (يوتوبية) لمؤتمر قمة ليس للحكام وإنما لممثلي الشعوب من النخبة التنويرية المفكرة. كان هذا هو التفكير الطموح لمفكر حلبي واسع الفكر والخيال في القرن التاسع عشر, قبل أن تظهر على مساحات الواقع المعاصر السياسية والفكرية والاجتماعية مؤتمرات القمة العربية والإسلامية أو غيرها من الملتقيات والندوات العالمية التي نراها تعقد اليوم. وأهمية كتاب "أم القرى" لا تكمن في أفكاره وموضوعاته فحسب وإنما في أسلوبه, أي في أدوات التوصيل التي تخطت الراهن اللغوي للقرن التاسع عشر القائم على الصناعة اللفظية الكتيمة, كما تكمن أيضاً في الخروج بالأدب وبالأدب الصحفي من زنزانات اللغة العقيمة, والحكام ومديحهم ومن الموضوعات التقليدية السخيفة والتعبير عن المشاعر المصطنعة, إلى فضاء الحرية والموضوعات التي تنهض بالإنسان وترقى بوعيه وتعبر عن شعور الشعب. وقد أدرك ذلك الأديب الحلبي سامي الكيالي في كتابه الأدب العربي المعاصر في سورية, وانتصف له في ترجمته للكواكبي إذ يقول: "أدب السيد الكواكي من هذا اللون الذي يجمع بين النزعة الصحفية والخطابة معاً في إطار من الروح القومية, ويكاد يكون أول أديب سوري لم يشغل أدبه في تلك القشور, أي لم يسخر قلمه لمدح الملوك وتملق الحكام, كما أن مزاجه لم يطاوعه أن يجاري الكثير من الأدباء الذين قصروا أدبهم على الاهتمام بالصناعة اللفظية والشعوذات البيانية, بل اتخذ أدبه أداة للتعبير عن شعور الشعب". قلنا انتصف له لأنه من الغريب أن مفكراً مثل الكواكبي له هذه المكانة الكبيرة يغفله من الترجمة الأديب الحلبي قسطاكي حمصي في كتابه "أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر" علماً بأن ترجم لأسماء هامة وأخرى في غاية التواضع والجهل! بل ربما ليس بغريب إغفاله هذا فقد كان الحمصي عثماني الهوى وعلى علاقة وثيقة وصداقة حميمة مع أبي الهدى الصيادي رجل الدولة العثمانية الأول في العهد الحميدي. وكان الكواكبي رمزاً من رموز المعارضة, حتى إن حادثة موت الكواكبي في مصر تشير بأصابع الاتهام إلى رجال السلطة الاستبدادية, ومثل هذا الإغفال من أديب كبير مثل الحمصي يجعلنا نلقي بظلال الشك على مصداقية الترجمة والدراسات والنقد الأدبي في عهود الاستبداد السياسي والتبعية الثقافية بمختلف أنواعها.. عامة. أم القرى للسيد الفراتي أنا السيد الفراتي.. هكذا سمى الكواكبي نفسه, وتحمل صفحة الغلاف هذا التعريف: أم القرى للسيد الفراتي. وهو ضبط مفاوضات ومقررات مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكة المكرمة سنة 1316هـ. في مقدمة الكتاب يتحدث عن أسباب عقد هذا المؤتمر ويلخصها بـ "الخلل الطارئ والضعف النازل من أسباب ظاهرية غير سر القدر الخفي عن البشر", إذنه, ومن منطلق التفكير العلمي في دراسة الظاهرة لا يرد أسباب الضعف إلى قوى خفية وإنما إلى أسباب موضوعية ولهذا كان لابد من "التنقيب عن أفضل الوسائل للنهضة الإسلامية". وفي سبيل ذلك كان لابد من "عقد جمعية (مؤتمر) من سراة الإسلام في مهد الهداية أعني مكة المكرمة". وللتحضير لهذا المؤتمر قام برحلات إلى أمهات البلاد العربية "لاستطلاع الأفكار وتهيئة الاجتماع في مواسم أداء فريضة الحج.. واتخذت لي داراًً في حيٍّ متطرف في مكة مناسبة لعقد الاجتماعات بصورة خفية". انعقدت لجمعية (المؤتمر) تحت شعار: (لا نعبد إلا الله) وفي هذا الشعار موقف واضح من الاستبداد والظلم, في الاجتماع الأول حضر المدعون وعددهم (22) يحسنون العربية, ووزعت أوراق المؤتمر عليهم, وتعاهدوا على الجهاد. نلاحظ أولاً من الاختصاصات التي خلعها الكواكبي على الأعضاء أن فيهم العالم والمحدث والفقيه والرياضي والحكيم والمرشد والمجتهد والعارف والمدقق والخطيب.. كما نلاحظ ثانياً أنهم يمثلون أقطاراً وشعوباً متعددة: فيهم الشامي والمصري والعراقي والفارسي والأفغاني والقازاني والتركي والهندي والصيني والإنكليزي... الخ مما يضفي على المؤتمر صفة العالمية الإسلامية. ورقة العمل التي قرأها السيد المكي التي أسندت إليه رئاسة المؤتمر تتضمن مسألة تقهقر الإسلام, والشلل الذي أصاب الأمة, وتفوق الأمم الأخرى في العلوم والفنون المنوِّرة للمدارك, وبالإطلاع على ما كتبه الفضلاء في هذا الموضوع فإن الأمر يتعلق بأربعة مقاصد: 1. بيان الحالة الحاضرة ووصف أعراضها والتفكير فيها. 2. بيان أن سبب التخلف والخلل هو الجهل الشامل. 3. إنذار الأمة بسوء العاقبة. 4. الاتفاق على النهضة, والعمل على وحدة الصف والكلمة, وتوجيه اللوم للأمراء والعلماء والكافة لتناحرهم واختلافاتهم, لأن "قوة الاتفاق على النهضة" لا يمكن أن تتوفر مع هذه الخلافات. أسباب الضعف والانحطاط في الاجتماع الثاني قام أعضاء المؤتمر بتوصيف وتتبع أسباب ضعف المسلمين وفتورهم, في حوار فكري هادئ متعمق ومتعدد. فقد أعاد الفاضل الشامي الأسباب إلى القواعد الاعتقادية والأخلاقية كالعقيدة الجبرية والزهد في الدنيا. وعارضه البليغ القدسي مبيناً أن الأمة في العهد النبوي والراشدي كانت زاهدة فعلاً وليس كالزهد المرائي السائد الآن, ولم يمنعها ذلك من تحقيق المجد, ثم تابع البليغ القدسي قائلاً: "أما عندي فيخيل إلى أن أسباب الفتور هو تحول نوع السياسة الإسلامية حيث كانت نيابية اشتراكية أي (ديمقراطية) تماماً فصارت بعد الراشدين بسبب تمادي الحروب الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية, ثم صارت أشبه بالمطلقة". وهنا قدم لحكيم التونسي مداخلة أعاد فيها سبب البلاء إلى السلطة الحكمة قائلاً: "وفيما أتصور أن بلاءنا من تأصل الجهل في غالب أمرائنا المترفين الأخسرين الذين ضلوا وأضلونا سواء السبيل.. حتى بلغ جهل هؤلاء منزلة أحط من جهل العجماوات التي لها طبائع ونواميس, فمنها التي تحمي زمارها وتمنع عن حدودها وتدافع عما استحفظت عليه. وهؤلاء ليس لهم طبائع ونواميس.. يتشدقون بالإصلاح السياسي... ويبطنون الإصرار والعناد على ما هم عليه من إفساد دينهم ودنياهم". ومن الواضح أن الكواكبي يفرق بين الفساد والإفساد, ويعني هنا أن الحكام المفسدون هم الذين ينشرون الفساد في الأوطان, ولهذا استعمل قاصداً كلمة "إفساد". وفي تحليل أسباب الضعف والانحطاط حمَّل المولى الرومي (من القسطنطينية) التبعة على فقد الحرية, وهو وإن كان قد تظاهر بمعارضة التونسي إلا أنه من الناحية العملية عمل على إدانة الحاكمية الاستبدادية المفسدة بقوله: "وعندي أن البلية فقدنا الحرية, وما أدرانا ما الحرية, هي ما حرمنا معناه حتى نسيناه, وحرم علينا لفظه حتى استوحشناه.. ومن فروع الحرية تساوي الحقوق, ومحاسبة الحكام باعتبار أنهم وكلاء, ومنها حرية الخطابة (الرأي والإعلام) والمطبوعات وحرية المباحثات العلمية, ومنها العدالة بأسرها حتى لا يخشى إنسان من ظالم أو غاصب أو غدّار. ومنها الأمن على الدين والأرواح, والأمن على الشرف والأعراض, والأمن على العلم واستثماره.. إنّ الحرية هي روح الدين". ورأى المجتهد التبريزي أن الأسباب كامنة فينا, فقد كنا خير أمة أخرجت للناس لأننا لا نخضع لغير الله, نأمر بالمعروف قولاً وعملاً وننهى عن المنكر, أما اليوم فإننا غارقون في عبادة أمرائنا وأهوائنا وأوهامنا والمستبدين بنا. وأعاد المرشد الفاسي الأسباب إلى انحلال الرابطة الدينية والخلفية وانحصار همة الأمراء الدخلاء بالجباية والجندية, أما المحقق المدني فأعاد أسباب الانحطاط والضعف إلى العلماء المدلِّسين وغلاة المتصوفة, حتى التبس على العامة علماء الدين الحقيقيون الفقراء من هؤلاء السحرة المدلسين الأغنياء الأعزاء بالسلطان حتى تشوشت عقائد العامة وضعف يقينهم. وتابع المولى الرومي الموضوع نفسه في الاجتماع الثاني قائلاً: "ومن أهم دسائسهم أنهم ينفثون في صدور الأمراء لزوم الاستمرار على الاستقلال في الرأي (الاستبداد) وإن كان مضراً, ومعاداة الشورى وإن كانت سنة, والمحافظة على الحالة الجارية وإن كانت سيئة". الدعوة إلى الاشتراكية يعتبر الكواكبي في كتابه هذا من طلائع الداعين إلى الاشتراكية الإسلامية لحل مشكلة الغنى والفقر في المجتمع, ويسميها "الاشتراك العمومي المنتظم" وهذه المسألة تناولها على لسان عضو المؤتمر السعيد الإنكليزي, كأنه لا يريد بذلك أن ينقل لها خبرة وتجارب الغرب فحسب وإنما يؤكد لنا أن ما نبحث عنه من حلول لمشكلاتنا موجود في جوهر التشريع الإلهي لدينا. يقول السعيد الإنكليزي في الاجتماع الثاني: "لو عاش المسلمون مسلمين حقيقة لأمنوا الفقر وعاشوا عيشة الاشتراك العمومي المنتظم, التي يتمنى ما هو من نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي, وهم لم يهتدوا بعد لطريقة نيلها مع أنه تسعى وراء ذلك منهم جمعيات وعصبيات مكونة من ملايين باسم "كومون وفينان ونيهليست وسوسياليست" كلها تطلب التساوي أو التقارب في الحقوق والحالة المعيشية. ذلك التساوي والتقارب المقررين في الإسلامية ديناً". ويشير الكواكبي إلى العلاقة بين الرأسمالية والاستعمار, وبين الرأسمالية والاستبداد الداخلي والخارجي. يقول: "إن هذه الثروات التي يكنزها الأفراد تمكن الاستبداد الداخلي فتجعل الناس صنفين: عبيدا وأسياداً, وتقوي الاستبداد الخارجي فتسهل التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة مالاً وعُدّة. وإن تحصيل الثروة في عهد الحكومة العادلة عسير جداً, وقد لا يتأتى إلا عن طرق المراباة مع الأمم المنحطة أو التجارة الكبيرة التي فيها نوع احتكار أو الاستعمار في البلاد البعيدة مع المخاطرات". أفكار وموضوعات كثيرة اجتماعية وسياسية ودينية وأخلاقية عالجها كتاب أم القرى بطريقة الحوار الديموقراطي لا زال كثير منها محتفظاً براهنيته وصلاحيته للعصر منها: الشورى والحاكمية والخلافة وضرورة أن يكون الخليفة عربياً من قريش والاستشراق والجدل والاجتهاد والتصوف والتوحيد كأساس للحرية والحكمة القرآنية والإدارة الحكومية, ومسائل أخرى تتعلق بأنظمة الجمعية التي دعا إلى تأسيسها السيد الفراتي... حتى جاء الكتاب مطالعة عامة للحياة في القرن التاسع عشر ونقداً لها, حاملاً تصورات المؤلف من أجل نهضة عربية إسلامية شاملة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |