جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لماذا حلب عاصمة للثقافة الإسلامية؟ ـــ د.أحمد فوزي الهيب

حلب الشهباء أقدم مدن العالم التي لما تزل عامرة مأهولة إلى يومنا هذا, عرفها الإنسان الحجري واستوطنها, وليست هذه المغاور الموجودة إلى الآن في حي (المغاير) المعروف في حلب إلا دليلاً واضحاً على سكناه, إنها, أي المغاور, مدينة كبيرة منحوتة تحت الأرض, ممتدة الطرقات, ذات منافذ كثيرة متباعدة, لا نعرف منها سوى القليل, تحتاج إلى من يكتشف خفاياها وأبعادها ويرسم خرائطها.‏

وحلب أيضاً من أكثر المدن أهمية لما تتمتع به من موقع استراتيجي مهم جداً, لأنه يربط بين الشام وآسيا الصغرى من جهة, وبين البلاد التي تشاطئ البحر المتوسط شمالاً وغرباً والعراق وما يتلوها من بلاد المشرق بدءاً من إيران وانتهاء بالصين, الأمر الذي جعلها من أهم محطات طريق الحرير الشهير.‏

واسم حلب يدل, فيما يدل, على ذلك, فقد رأى عبد الله العلايلي أن أصل مادة (ح ل ب) هو (ل ب), لأن من الثابت أن جميع الألفاظ الثلاثية هي ثنائية التركيب في بدء الوضع, ثم أدخلت (الحاء) لتؤيد معنى (ل ب), وهو الضخامة والخصب والغلظ والامتلاء, وقرر بعد ذلك أن اسم حلب يعني المدينة الخصبة المكتنزة التراب, وقد صحّ أيضاً عند الكرملي ما ذكره عبد الله العلايلي في كتابه القيم مقدمة لدراسة لغة العرب, بينما رأى الأسدي أن أصل لفظ (حلب) وهو (حلب) بتضعيف اللام, واستند في ذلك إلى الآثار الواصلة إلينا, ففي مقدمة شريعة (حمورابي) قائمة بأسماء المدن وغيرها, ومن المدن المذكورة (حلبو). وفي نصب لشلمنصر ذكرت (حلب) بالتضعيف, كما ذكرت مضعفة أيضاً (حلب) و(حلبو) في وثائق (بوغاز كوي) في الألف الثانية قبل الميلاد. ومن هذا نستطيع أن نصل إلى أن لفظ (حلب) القديم هو (حلب) أو (حلْ لبْ), أي أنه مركب من كلمتين أصليتين منفصلتين, هما (حل) و(لب), مُزجتا معاً, فكان منهما اسم (حلب), رُكّب تركيباً مزجياً, مثل (بعلبكَ) و(حضرموت), ويؤيد هذا انها دُعيت بلفظ (حل) جزئها الأول أو كلمتها الأولى على سبيل الاكتفاء, وهو أمر كان الساميون يستسيغونه, فهذه آثار (شلمنصر) تدعوها (حل وان), ولفظ (وان) ملحق خاص بالأعلام كما نستطيع أن نوافق الأسدي فيما ذهب إليه من أن حلب كانت في الأصل مضعّفة, وأن إزالة التضعيف محدَثة, دفع إليها التسهيل ليجري لفظ حلب مجرى الثلاثي الطاغي في معظم الكلمات السامية, وثمة تقارب بين مدلول (حل) في العربية والسريانية, والأكادية والبابلية والآشورية والعبرية, إذ تعني في جميعها (المكانية) كما هناك تقارب أيضاً في مدلول (لب) في العربية والأكاديمية والعبرية والحبشية والسبئية, لأن معناها فيها هو (التجمع). ومما تقدم نجد صحة ما ذهب إليه الأسدي من أن معنى (حلب) هو (محل التجمع), ويغلب على الظن أن يكون هذا التجمع للحرب, كما سماها الساميون سكانها الأقدمون, لأن حلب ثغر قائم بين بلاد الساميين وبلاد الآريين, الأمر الذي جعلها بحكم موقعها الجغرافي هذا عرضة لسلسلة طويلة ورهيبة من النزاع واللدد والخصومة, وغلبة الظن هذه لا تنفي أن يكون هذا التجمع أيضاً للتجارة والمثاقفة في أوقات السلام.‏

وحلب منذ فتحتها جيوش أبي عبيدة بن الجراح بقيادة عياض بن غنم عام ستة عشرة للهجرة عاصمة من العواصم العربية الإسلامية بسبب متاخمتها للروم, ولأن الناس كانوا يعتصمون بأسوارها الحصينة وقلعتها المنيعة من غارات الأعداء وعدوانهم كما قال ابن شداد في كتابه القيم الأعلاق الخطيرة, وظلت هي ودمشق وما بينها قطب الرحى الذي دارت حوله وبه أهم الأحداث الرئيسة في بلاد الشام, وبقيت كذلك قرابة ألف عام إلى العصر العثماني الذي انتقلت فيه من عاصمة على الثغور إلى مركز لولاية كبيرة جداً في وسط الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف.‏

واستطاعت حلب, فضلاً عن ذلك, أن تعيد بلاد الشام إلى دائرة الضوء ثانية بعدما انتقلت الأضواء عنها إلى بغداد والعراق بعد زوال الخلافة الأموية على يد العباسيين, وذلك بوساطة حكامها العظام, وأهمهم:‏

ـ الحمدانيون, يمثلهم أمير حلب سيف الدولة الذي حكم حلب بين عامي 333 -356هـ ووقف سداً منيعاً أمام الروم, يجاهدهم بشجاعة قل نظيرها في معارك كثيرة ألهمت شاعر العربية أبا الطيب المتنبي أجمل قصائده المسماة بالسيفيات نسبة إليه, وقد كان عظيماً في انتصاره كما كان عظيماً في انكساره, كما كانت إمبراطورية البيزنطيين تخافه منتصراً وتجله منكسراً, كما قال المستشرق الفرنسي (شلمبرجر), وفضلاً عن شجاعته, كان جواداً عالماً شاعراً أديباً ناقداً محباً لأهل الأدب والعلم, فقصدوه من حدب وصوب حتى غدا بلاطه مجمعاً علمياً أدبياً لا مثيل له في حينه, ضم كبار أعلام عصره, مثل الفارابي وابن خالويه والطبري والمتنبي وأبي فراس الحمداني وأبي العباس النامي والصنوبري وعلي بن عبد الله الناشئ والسري الرفاء وأبي الفرج الببغاء وأبي الفرج الوأواء وأبي الفتح كشاجم وأبي نصر بن نباتة السعدي وأبي العباس الصفري والخالديين وغيرهم حتى قال الثعالبي في اليتيمة عنه: إنه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه.‏

ـ الزنكيون, وفي مقدمتهم عماد الدين زنكي الذي تملك حلب عام 522 هـ, وجعلها عاصمة له, واستطاع بشجاعته وحكمته وإيمانه أن ينتصر على الأعداء في معارك كثيرة, وأن يحرر مدينة الرها من أيدي الفرنجة الذين سموا أنفسهم بالصليبيين, والذين أسسوا فيها إمارة فرنجية ألحقت كثيراً من الأذى بالمسلمين, فكان هذا أول انتصار مهم حققه المسلمون ضدهم.‏

وأتى بعد استشهاد زنكي عام 541هـ, وهو يحاصر قلعة جعبر, ابنه نور الدين محمود, فسار على سيرة أبيه شجاعة وهمة وحكمة وهيبة وانتصاراً واتخاذاً لحلب عاصمة له, انطلق منها ليحرر البلاد ويوحدها ويعيدها إلى ظل الخلافة العباسية في بغداد, حتى شمل سلطانه الشام ومصر والحجاز واليمن, وغيرها, وقد كان ذلك كله تمهيداً لابد منه لتحرير القدس والمسجد الأقصى الذي صنع له منبراً لائقاً به, لينقله إليه بعدما يحرره من الفرنجة, ولكنه لقي وجه ربه قبل أن يستطيع تحقيق هذه الأمنية الغالية عام 569هـ, وبعد فتحه لدمشق اتخذها عاصمة أخرى له, وفضلاً عن انتصاراته العسكرية والسياسية وإقامته للعدل عُني عناية عظمى بالعلم والأدب, فاستقدم رجالاتهما وبنى لهم المدارس والخوانق والمساجد والرباطات, كما عُني أيضاً بالزراعة والتجارة وطرقها وخاناتها, وقد خلد الشعراء بطولاته وأعماله الجليلة, وكان من شعرائه, ومن الذين مدحوه, وأشادوا بجهاده وشجاعته أسامة بن منقذ وابن منير الطرابلسي والقيسراني والحافظ ابن عساكر وعلم الدين الشاتاني وابن الدهان الموصلي وابن قسيم الحموي والعماد الكاتب وطلائع بن رزيك وغيرهم.‏

ـ الأيوبيون, وفي مقدمتهم تلميذ نور الدين الذي أتى بعده, وحل محله في حمل راية الجهاد والتحرير بعدما قضى على بعض ضعاف النفوس الذين حاولوا من أجل مصالحهم أن يعطلوا حركة الجهاد الذي بدأه نور الدين, فسار صلاح الدين على هدى أستاذه, وتتبع خطاه, وأكمل رسالته, وحقق حلمه في تحرير القدس عام 583هـ, فكان البطل الأنقى في الإسلام كما وصفه المستشرق الفرنسي (البير شاندور) في كتابه العظيم عنه, وكان ذلك بعدما مهد له بفتح حلب عام 579هـ, والتي دخلها قائلاً: "ما سررت بفتح قلعة أعظم سروراً من فتح مدينة حلب".‏

جعل صلاح الدين ابنه الملك الظاهر غازي ملكاً على حلب, فجدد عمارة قلعتها وحصن أسوارها, وضم إليه اللاذقية وجبلة, وساعد غيره من الملوك الأيوبيين في التصدي للصليبيين واستقدم العلماء مثل ابن شداد,وبنى المدارس, وغدت حلب ملاذاً لمن شاء من الأيوبيين, وعُني أيضاً بالإصلاحات الاقتصادية والعمرانية وزود حلب بالماء العذب بوساطة قناة من حيلان, توزعت بين البيوت والأسبلة بأقنية كثيرة, الأمر الذي جعل حلب قبلة استقطبت أعلام الفكر والأدب والشعر من أنحاء العالم الإسلامي, فزادوها مع أمثالهم من أبنائها تألقاً وازدهاراً, كما تزوج الملكة ضيفة خاتون بنت عمه الملك العادل مما ضمن له استمرار ملك حلب في ذريته.‏

توفي الملك الظاهر غازي عام 615هـ بعدما تملك حلب واحدا ًوثلاثين عاماً, فخلفه ابنه الملك العزيز محمد, وتابع سيرة أبيه, الأمر الذي كان له أطيب الأثر في حلب من جميع النواحي, ولكن العمر لم يطل به, إذ توفي عام 634هـ.‏

خلف الملك العزيز محمد ابنه الملك الناصر يوسف الذي أكمل ما كان بدأه جده وأبوه, واستطاع أن يضم إلى ملك حلب حمص ودمشق زمن سلطنة الملكة المملوكية شجر الدر, ثم سار إلى مصر على رأس جيش كبير ضم كثير من أمراء البيت الأيوبي يريد إعادتها إلى الأيوبيين, وانتصر على العساكر المصرية التي كان يقودها معز الدين أيبك, وتبعت عساكره فلول الجيش المصري, وبقي مع ثلة من خواصه يتبعهم على مهل, فاستغل (أيبك) ذلك, وباغته مع جماعة من جنده, واستطاع أن يتغلب عليه, فانهزم إلى دمشق, وقد أدى ذلك إلى تردد جنده بين الدخول إلى مصر أو العودة, وبينما هم في ترددهم سبقهم (أيبك) ودخل مصر معلناً انتصاره, ولو أنهم سبقوه في دخول مصر لاختلف وجه تاريخ هذه الفترة, ثم استقر الصلح بين الطرفين عام 651هـ على أن يكون نهر الأردن فاصلاً بينهما, وبه كانت البداية الفعلية للدولة المملوكية.‏

ولكن الإعصار المغولي الذي هبت عاصفته بقيادة هولاكو, واجتاح الممالك الإسلامية في الشرق, ووصل بغداد وهدمها عام 656هـ, استطاع أن يهدم حلب ودمشق والشام كلها قبل أن يتمكن المماليك بقيادة قطز الانتصار عليه ورده على أدباره في معركة عين جالوت الخالدة, واستطاعوا بذلك أن يرثوا الأيوبيين في الشام وغيرها عامة, وفي حلب خاصة, بعدما ظلت الأعلام الأيوبية ترفرف عليها 79 عاماً هجرياً.‏

أفاد الأيوبيون من قوة الدفع التي اكتسبتها حلب في عهد الزنكيين, وعُنوا عناية عظيمة بها من جميع النواحي: العسكرية والعمرانية والاقتصادية والعلمية والأدبية, فازدهرت ازدهاراً كبيراً, كما أكرموا مع وزرائهم ورجالات دولتهم العلماء والأدباء والشعراء إكراماً كثيراً, وفتحوا لهم مجالسهم ومكتباتهم وخزائن أموالهم, وشاركوهم في العلوم والأدب والشعر مشاركة فعالة, لأنهم كانوا على قدر عال من الثقافة والعلم والأدب, فأتاهم العلماء والأدباء من مشارق العالم الإسلامي ومغاربه, ولكنهم حاربوا التصوف الفلسفي الإشراقي الذي دعا إليه السهروردي, والذي قتل بأمر من صلاح الدين الأيوبي لأسباب عقدية وسياسية. كل ذلك أدى إلى أن تغدو حلب زمن الأيوبيين هذا ـ كما وصفها ابن خلكان ـ أم البلاد مشحونة بالعلماء, فبلغ عدد مدارس الحديث النبوي الشريف وزواياه تسعاً, ومدارس الفقه ستاً وأربعين, ومدارس الطب ثلاثاً, والمساجد 725 مسجداً, كما كثرت المكتبات, وكان منها مكتبة بني جرادة ومكتبة القفطي, ومكتبة الجامع الكبير وفيها أدوات فلكية, ومكتبات المدارس مثل العصرونية والحلاوية والرواحية. ونرى بجوار ما تقدم مجالس العلم والأدب في بلاط الملوك وفي منازل العلماء والأدباء مثل ابن العديم والقفطي وابن شداد.‏

ومن علماء حلب آنذاك في التفسير والحديث والفقه وعلوم العربية والخط والتاريخ والجغرافية الفلك والرياضيات والطب والفلسفة: القفطي وابن العديم وابن سعيد الأندلسي وابن شداد وابن العجمي وعالي بن إبراهيم الغزنوي وابن الصلاح والكاشغري والكاساني وصقر بن يحيى وعبد الله الجماعيلي والهاشمي عبد المطلب بن عبد الفضل وابن الخباز وشهدة بنت ابن العديم وابن يعيش وابن عمرون وابن مالك والواسطي القاسم بن القاسم والحسين بن هبة الله الموصلي وسعيد بن أبي منصور الحلبي وحمد بن علي المازندراني وابن خروف النحوي وعبد اللطيف البغدادي وعلي بن أبي الفرج البصري والأسعد بن مماتي وابن المولي ويحيى بن محمد وابن أبي طي وياقوت الحموي وحمد بن طلحة والهروي علي بن أبي بكر والسهروردي الفيلسوف المتصوف وأبو الفضل بن يامين الحلبي وأبو الحجاج يوسف الإسرائيلي وغيرهم, ومن أطبائها عبد اللطيف البغدادي وعفيف بن سكرة الحلبي وحسون الرهاوي.‏

كما كان شعراؤها حينذاك كثيرين متنوعين, منهم: المحترفون مثل راجح الحلي, ومنهم أصحاب مذهب الشعر للشعر مثل الملك الناصر وابن العديم, ومنهم الشعراء العلماء الذين رأوا الشعر كمالاً مثل القفطي. وأهمهم يوسف بن إسماعيل الشواء وراجح الحلي والقاسم الواسطي وابن الحلاوي وأحمد بن عبد العزيز العجمي وسليمان بن بليمان ومحمد بن عبدوس ومحمد بن هاشم بن هاشم ومحمد بن طلحة ومسعود بن الفضل وسليمان بن مسعود ومحمد بن محمد الخضري والحسن بن نوفل وعلي بن ظافر ومحمد بن محمد بن علي وعبد الرحمن بن النابلسي وابن أبي طي النجار وعلي بن أبي بكر الهروي وجعفر بن محمود وغيرهم, وفضلاً عما تقدم نجد في قائمة الشعراء اثنين من الملوك الأيوبيين هما الملك الظاهر والملك الناصر.‏

ـ المماليك, انتهت الفترة الأيوبية في حلب, وارتفعت عليها رايات المماليك عام 659هـ, ودخلت في مرحلة جديدة من مراحل تاريخها الطويل, واستطاعت أن تضمد جراحاتها من الغزو المغولي سريعاً مستفيدة من قوة الدفع التي اكتسبتها زمن الزنكيين والأيوبيين, حتى صارت حلب أكبر من الشام ونياباتها, واشتملت على عدد كبير من النيابات الصغرى ليس له مثيل في بقية نيابات الشام, وازدهرت فيها الحياة الاقتصادية (التجارية والصناعية والزراعية) والعمرانية (العسكرية والدينية والمدنية) والعلمية والأدبية, كما حظي آل البيت والعلماء والمتصوفة بمكانة سامية لدى المماليك وبكلمة مسموعة ورأي مطلع ومشورة نافذة, وعاش أهل الذمة من مسيحيين ويهود فيها حياة اتسمت بالتسامح والإخاء, ونبغت فيها أسر شهيرة توارثت العلم والأدب مثل بني العديم والشحنة والحنبلي, كما كان عدد كبير من نوابها (أي أمرائها) على قسط وافر من الدين والعلم والكرم والشجاعة والخصال الكريمة, وتركوا فيها آثاراً عمرانية كالمدارس والمساجد والخانقاهات (أماكن يأوي إليها المتصوفة) والبيمارستانات (المشافي) مثل أرغون الدوادار الذي ألف ـ استجابة لرغبته محب الدين بن الشحنة كتابه (روض المناظر) ومنكلي بغا الذي كان مجازاً بالإفتاء والتدريس وقصروه وغيرهم.‏

جذبت حلب وأمراؤها ورجالاتها زمن المماليك كثيراً من شعراء العصر فأتوها مادحين من مصر والأندلس والعراق وما يليه من الشرق والشمال, فممن أتاها من مصر ابن نباتة المصري وابن سودون القاهري والسراج عبد اللطيف الفيومي وعبد الرحمن بن علي المنوفي, ومن دمشق ابن حبيب وعلي بن محمد الدمشقي, ومن العراق علي بن محمد الحصكفي الموصلي وابن نعال الحلي، ومن فارس ابن الخراط المروزة، ومن ماردين البدر المارديني, ومن المغرب ابن جابر ورفيقه أبو جعفر الأندلسيان, ومن الرها عمر بن إبراهيم وغيرهم, كما أن ثمة شعراء حلبيين قليلي العدد رحلوا عنها ليتولوا منصباً رفيعاً في غيرها مثل ابن الشحنة عبد البر بن محمد الذي تولى قضاء القاهرة ومجالسة السلطان قانصوه الغوري وطاهر بن الحسين الذي تولى نيابة سر القاهرة وغيرهما.‏

وفضلاً عن ذلك فقد بنى المماليك الكثير من المساجد حتى بلغ عددها 725 مسجداً, أهمها الجامع الكبير, وكانت هذه المساجد آنذاك شبيهة بالجامعات الحرة. كما بلغ عدد المدارس ودور الحديث والزوايا 52 مدرسة وداراً وزاوية, ومدارس الطب ثلاثاً ما عدا البيمارستانات (أي المشافي). وقد كان لكل مدرسة مكتبتها ومدرسوها ومعيدوها وإمامها ومؤذنها وخدامها وقيّمها وغير ذلك مما يلزمها. وكذلك كان لكل مؤسسة مما تقدم أوقافها التي تؤمن لها مورداً مالياً كافياً حتى تؤدي وظيفتها على خير وجه في حياة الواقف وبعد مماته.‏

ولا شك في أن من عوامل النشاط الفكري والأدبي المهمة في حلب وجود أسر علمية توارث أبناؤها العلم والأدب جيلاً بعد جيل, مثل بني العديم وبني الشحنة وبني الخشاب وبني الحنبلي وغيرهم.‏

وأما التصوف فقد ازدهر آنذاك في حلب ازدهاراً عظيماً لما لقيه من تشجيع كبير من الحكام والشعب على حد سواء, مما جعله يترك آثاره واضحة على الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية, ومن رجالاته حسين بن حسن البيري الحلبي وابن الشماع المجاهدي الأيوبي محمد بن محمد بن علي وابن الزكي وغيرهم. على الرغم من ذلك فإن التصوف الفلسفي قد حورب بشدة أدت إلى مقتل بعض أصحابه مثل النسيمي وابن صدقة الحلبي. ومع كل ما تقدم لم تستطع حلب في العصر المملوكي أن تصل إلى المستوى الذي كانت عليه زمن الأيوبيين. واستمر المماليك في حلب حتى عام 922هـ الذي انتصر فيه العثمانيون عليهم في معركة مرج دابق شمال حلب.‏

كان دخول العثمانيين لحلب بداية لمرحلة جديدة في تاريخها, اختلفت عن المراحل التي سبقتها, وكان له تأثيراته المتنوعة الإيجابية والسلبية, إذ تحولت حلب فيها من مدينة ثغرية حدودية إلى مركز لولاية كبيرة تقع في وسط الامبراطورية العثمانية المترامية الأطراف, والممتدة من اليمن والسودان جنوباً إلى حدود روسيا شمالاً, ومن إيران شرقاً إلى الجزائر غرباً, الأمر الذي أفادها اقتصادياً وثقافياً, فنشطت فيها التجارة على صعيد الإمبراطورية العثمانية, وكذلك على الصعيد العالمي بين الشرق والغرب, وترك لنا هذا آثاره الواضحة فيها, مثل المدرسة الخسروية والشعبانية والرضائية والأحمدية وغيرها, كما نجد فيها أيضاً عدداً وافراً من العلماء, مثل شيخ الإسلام عبد الوهاب العرضي وأبي بكر العمادي وأسعد الخوجة معلم السلطان مراد بن سليم وأحمد بن محمد الكواكبي وغيرهم, ثم عدداً وافراً أيضاً من الشعراء والأدباء,مثل إبراهيم بن أبي اليمن البتروني وحسين بن عمر العرضي وحسين بن أحمد الجزري الحلبي وحسين البقاعي الشاعر وغيرهم.‏

ولكن هذا لم يستمر إذ تحولت طرق التجارة العالمية بسبب اكتشاف رأس الرجاء الصالح, ثم حفر قناة السويس, كما أن ضعف الدولة العثمانية في النصف الثاني من فترة حكمها لحلب بسبب الحروب والفساد والكوارث الطبيعية وغيرها ترك آثاره السلبية على البلاد جميعها, وعلى حلب أيضاً, وكذلك ترك بصماته السلبية على الحياة الفكرية والأدبية, فخبا ضوءها شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى العصر الحديث, فازدهرت ثانية وتألقت على جميع الأصعدة.‏

ومثلما كان الناس قديماً يختارون المدن العواصم ذوات القلاع والأسوار, يعتصمون بها, لتحميهم من الأعداء وعدوانهم, اختار العرب والمسلمون من المغرب إلى أندنوسيا, ومن أواسط إفريقية إلى أواسط آسيا حلب عاصمة ثقافية لهم, ليعتصموا بأسوارها الثقافية الأصيلة العريقة ضد عدوان الغزو الثقافي المتمثل اليوم بتدنيس المقدس وتقديس المدنس وبالعولمة التي تعني, فيما تعنيه, محو الآخر وجعله تبعاً ثقافة وبالتالي اقتصاداً ووجوداً, والأمة في هذه الحال لا تجد بداً من العودة إلى جذورها وأصولها تعتصم بها وتستمد منها القوة ولكن هذه العودة إلى الجذور لا تعني التطرف ولا الجمود على القديم والتقوقع عليه وسد جميع الأبواب والنوافذ أمام رياح التجديد.‏

وإنما تعني هذه العودة أن نتخذها أساساً نستند إليه, ثم ننطلق منه بقوة وصحة إلى الحاضر مستفيدين من كل معطياته كائناً ما كان مصدرها, فالحكمة ضالة هذه الأمة, كما تعني هذه العودة أيضاً التخطيط العلمي الدقيق للمستقبل والعناية بالعلوم المستقبلية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244