|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حلب في شعر المتنبي ـــ إبراهيم عمر المقداد خلَّد أبو الطيب المتنبي في شعره ذلك الأميرَ العربيَّ الفذَّ سيفَ الدولة الحمدانيَّ, الخالدَ أصلاً ببطولاته ضدَّ الروم, وذودِه عن الحمى, ومحاولاته الدؤوبة أن يردَّ للعرب مجدهم الضائع بين أنياب الأعاجم ومخالب الشعوبيين. وإذا ذكرنا هذين الرجلين العربيين الطموحين: الشاعرَ العظيم الثائر, والأميرَ الغازي الفاتح, فلابدَّ أن يتبادر إلى أذهاننا مدينة حلب, تلك القلعة الصامدة التي جمعت شملها نحواً من تسع سنين؛ فما صورة حلب في شعر أبي الطيب؟ وكيف تطوَّرت؟ وفي أيِّ سياق كان يذكرها؟ وما تاريخ ذلك؟ أول ما يطالعنا من ذكر حلب في شعر أبي الطيب قوله:
من قصيدة أرسلها من محبسه إلى والي الشام, يمدحه فيها ويبرأ مما اتُّهِم به, وكانت تحفته هذه سبباً في إطلاقه من السجن. وأما تاريخ نظمها فقد استظهر الشيخ محمود شاكر ـ رحمه الله ـ أنه في أواخر سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة, أو أوائل سنة ثلاث وعشرين, وأما الخيول التي ذكرها فهي جيوش أرسلها إلى حلب والي الشام محمد بن طُغْجٍ الإخشيد, ليردَّ الدُّمُسْتُقَ (قرقاش) المتوجِّهَ إلى حلب في خمسين ألفاً من الروم, وذلك بعد أن حاصر هو وجيشه مَلَطْيَةَ حتى هلك أكثر أهلها جوعاً, ثم هدم سورها وقصورها, ومن بعدها سُمَيْساط التي ذبَّحوا أهلها وفعلوا فيها الأفاعيل... وجديرٌ القولُ: إنَّ ذكر حلب في هذه القصيدة هو المفتاح الذي ساعد الشيخ محموداً في استظهار تاريخها. ثم يطالعنا بيتٌ من قصيدة مَدَحَ بها سيف الدولة, وذَكر استنقاذه أبا وائل تغلب بن داوود من الأسر, وهو:
إن سيف الدولة هو زينة حلب؛ فإذا فارقها عَرَيَتْ عن زينتها؛ بَيْدَ أنها على كلِّ حالٍ مَعادُ المنتصر... وسنرى بعدُ أن هذه الصورة التي رسمها لحلب قد تطورتْ, فهاهو يقول إذ سار سيف الدولة إلى الموصل لنصرة أخيه:
فواضحٌ أن تلك المدينة لم تَعُدْ امرأةً عاريةً عن زينتها إثر خروج سيف الدولة منها, بل غدت في شوق عارم لاستقبال أميرها المظفَّر؛ فالبيتان السالفان يشتركان في أن حلب موطن الظافر ومَعاده بعد غزوه, ويزيد الثاني أنها أَلِفتْ عودة أميرها منتصراً, بل هي في توحُّش له. ثم في آخر قصيدة أنشدها بحضرة سيف الدولة مادحاً إياه سنة خمس وأربعين وثلاث مئة نقرأ بعد أن ذكر إبادة الأمير أعداءه:
فقد ضرب مثلاً لإبادة سيف الدولة أعداءه, وذلك تلّ بطريق من أرض الروم قرب مَلَطْيَة, إذ أقسم ابن شُمُشقيق لَيَلْقَيَنّ سيف الدولة, مغترّاً بأنه بعيد عنهم وعن حلب, متوهماً أن انصراف هذا الأمير عن دار ملكه مدعاة لانتفاض أهلها عليه, وشقّهم عصا الطاعة. ولكنّ حلب الوفية تَخيّب ظن البطريق, وتثبت ولاءها لأميرها العربي, وبُعْدَها عن ظُلمات الفتن؛ ولذا لن تكون لُقمة سائغة للأعداء, ليس هذا فحسب, بل (إنما الناس بالملوك) كما يقول أبو الطيب نفسه, إذ أتبع البيتين السالفين بقوله:
إذن ليس الأمير مصباحاً بل شمساً تحفظ حلب وتنيرها ـ وإن نأتْ عنها وبعدت ـ وموتاً يبتر أعمار الأعداء. وإذا ما استمرّ تتبُّعُنا لذكره حلب فسنصل إلى سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة, إذ أرسل المتنبي العظيم قصيدته من الكوفة إلى سيف الدولة بحلب, يمدحه فيها ويشكره على هدية أرسلها إليه, فقال في معرض وصف الرحلة إلى الممدوح:
فالرجل يصف رحلته إلى حلب, ويسأل متجاهلاً وهو العارف؛ ولكنَّ من اشتاق إلى شيء سأل عنه وإن كان أعلم الناس به. ويقول بعد هذين:
إذن فشاعرنا يغذّ السير حاثّاً الخُطا, لا يلوي على من تعذّر, ولا يمكث في مكان وإن طاب المكث فيه, ولمّا لم يستطع المكانُ الرحيلَ معه كان لابدّ له من تركه, لأنه متَّجه إلى غاية أسمى ومكان أعظم.
وهل ألذُّ من الإقامة في روضة غنّاء؟ فكيف إذ هي رحبّت؟ بيد أنّ أمام أبي الطيب ماهو أهم وأعظم, لأن (حلب قصدنا), ولكنّه لشدة ما أعجبته الرياض حاول إرضاءها, بأنْ لا غنى له عنها فقال: (وأنت السبيل) ثم أكمل:
أَجَلْ... فأيُّ شيء أعظم من أمير حلب الذي نعقد عليه آمالاً عظاماً؟
فحلب هذه التي تشدّ إليها شاعرَنا العظيم إنما تفعل ذلك به لأنها موطن الأمير المأمول. وحريّ بنا في هذا الموضع أن نذكّر بأن صلة أبي الطيب بسيف الدولة ليست صلة الشعراء المتكسبين بكرام الملوك والأمراء, بل هي صلة العربيِّ الثائر الذي قضّ مضجعَه سيطرةُ الأعاجم الشعوبيين على مقاليد الدولة العربية, بالأمير العربي الثائر الذي نذر نفسه لتقويض سلطان أولئك الأعاجم وبَعْثِ المجد العربي من سباته. وأمرُ هذه الصلة لا يخفى على من ألمَّ بسيرة هَذين العربيين الثائرين, ولو إلماماً بسيطاً. وبعدُ فهذا شيء عَرضَ فقلنا فيه, وإذا عدنا إلى حلب فسنجد لها ذكراً في المرثية التي أنشدها أبو الطيب وقد توفيت خولة أخت سيف الدولة بميّافارقين سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة إذ يقول:
وليس في هذا البيت شيء يوقف عنده من أمر حلب, سوى أنها تضمّ في ربوعها (فتى الفتيان). وأما آخر قصيدة ذكر فيها حلب فأنشدها سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة, أي قبل مقتله ـ رحمه الله ـ بسنة, وكان سيف الدولة كتب إليه يستدعيه, فقال فيها:
فهذا هو أبو الطيب الوفيّ, الذي فارق سيف الدولة سنة ست وأربعين وثلاث مئة, يقول بعد انقضاء تلك السنوات إنه لم يستقرّ في موضع بعد فراقه أمير حلب, ولا بدَّل ولاءه له.. وإنما تركه مغادراً لأنه لم يحصِّل طموحه, ولا سيما مع كثرة الوشاة والحاسدين الذين ينفثون سمّهم في أذن ذلك الأمير. ولا نشكّ في أنّ أبا الطيب كان صادقاً في بيته السالف هذا, كما لا نشكّ في أن كثيراً من هذا التعلّق بسيف الدولة إنما مَرَدُّه إلى ما أسلفنا الإشارة إليه, من توافق هوى الرجلين في حبّ العرب وبُغضِ الأعاجم الشعوبيين الذين أفسدوا في البلاد, ونحّوَا العرب جانباً في كثير من الأمصار العربية, إلى غير ذلك من توافقهما في الطموح وغيره من شؤون السياسة. ونُقْسِمُ ـ وتاريخ الرجل يشهد ـ إنه كان صادقاً إذ قال:
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||