جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

يوم الكتاب وتنشيط مهارات القراءة ـــ إسماعيل الملحم

يتعلل الناس على مختلف اهتماماتهم وتعدد تجاربهم بإعادة ما نراه ونلمسه من عزوف عن القراءة لدى الكبار والصغار إلى الثورة المتفجرة بالمعلومات ووسائط الاتصال. يتيسر للمرء بطرق مختلفة أن يجد ما يشبع نهمه إلى المعرفة, بخاصة في عصر أطلق عليه البعض اسم (عصر الصورة) لكن اليسر في سلوك هذه الطرق يخفي وراءه مخاطر جمة جسدية وفكرية وبالتالي مخاطر اجتماعية وأخلاقية.‏

فكثير من ذكرياتنا تقع يومياً ضحية التضليل الإعلامي إما في تضخيمها أو في محوها, أو انحرافها وإن سرعة تدفق المعلومات المتزايدة التي تصلنا عبر وسائل الاتصال الموارة بالصور والحركة والإغراء, في الوقت الذي ما زالت حواسنا وقدراتنا الذهنية ـ ثابتة كما هي, تؤدي بالإنسان أن يصبح هدفاً لانسحاقه أمام عصر المعلومات الجارف, كما يقول نبيل علي, فالواقع الوجودي للإنسان شبكة مليئة بالفجوات والفراغات, والذاكرة هي الفعالية القادرة على أن ترتق الأنسجة المتمزقة فتضفي عليها شيئاً من الوحدة التسلسلية أو التضامن الشبكي, لكن السرعة الهائلة في عملية تلقي المعلومات وفيضها أو سيلها الجارف بات يهدد الذاكرة, إن من حيث الكم الزائد الذي تستقبله, أو من حيث ما يحصل من تلاعب بالذكريات تزييفاً وتزويراً, فالإفراط في المعلومات والصور يقتل المعلومة ذاتها, بخاصة وأن من خصائص الذاكرة أنها سريعة العطب.‏

مع كل مغريات وسائط الاتصال وجاذبيتها فإن الكلمة المكتوبة في كتاب أو صحيفة أو مجلة تظل سيدة الموقف وذات تأثير كبير في فعاليتها وأهميتها. فهي تفسح للقارئ حرية وفضاء مفتوحاً للتفكير والمشاركة في فهم النص المقروء, وتفتح الذهن على معان كثيرة يشعر معها الإنسان أنه شريك في النص, وفي مستوى أرقى يرى القارئ أنه سيد نفسه مع الكتاب يفكر بما فيه ويوازن وينقد ويقوم فتبقى قدراته العقلية يقظة في حالة تفاعل وتكامل ونشاط.‏

يمنحنا الكتاب قدرات على التذكر وعلى التعمق فيما يعرضه علينا, ولأهمية الكتاب وقدرته على إيصال المعلومة بسلاسة وتؤدة فقد عمد بيل غيتس رئيس مجلس إدارة أهم شركة في مجال المعلومات والاتصال في العالم وهي شركة ميكروسوفت, وهو صاحب لقب المرشد الروحي في عالم الحواسب, عمد في سعيه لتقويم وتقييم ثورة المعلومات إلى الكتابة الورقية التقليدية وقد صدر له في هذا الشأن كتاب ورقي ذو غلاف من الورق المقوى, لاعتقاده أن ذلك أكثر جدوى وأكثر تأثيراً من صوغه الكترونياً أو نسخه على الرقائق.‏

ومن الملاحظ أنه في دول العالم المتطورة ما زال الكتاب رفيقاً للإنسان, وفي بلد كالولايات المتحدة الأمريكية وهي الدولة المتطورة جداً في مجال المعلومات والاتصالات ما زالت مبيعات الكتب في أسواقها تحقق أرقاماً قياسية وأن التكنولوجية الآن تستثمر في بلدان العالم المختلفة في زيادة الاعتماد على الكلمة المكتوبة حيث أن قراءتها أكثر راحة بكثير من القراءة عن الشاشات وهي أسرع منها أيضاً.‏

كانت القراءة منذ بدايات العصور التاريخية وسيلة من أهم الوسائل التي يتواصل بوساطتها الإنسان مع الإنسان, تقرب المسافات وتوسع في أفق المعرفة.‏

وتندرج وسائل الاتصال الأخرى في جملة ما يكمل القراءة فلا تلغيها.‏

وقد أدرك الإنسان منذ القدم أهمية القراءة والكتابة فكلاهما فعلان انفرد بهما الإنسان دون غيره من المخلوقات, ففي تعاليم أحد قدامى المصريين إلى ابنه, قال:‏

ليتني أستطيع أن أجعلك تحب الكتب أكثر من حبك لأمك, وليت في استطاعتي أن أبرز لك ما في الكتب من روعة وجمال, الكتابة أشرف مهنة في الوجود.‏

بالقراءة يتعلم المرء أي شيء وكل شيء, وهي واسطة تعليمية هامة تفسح في المجال لتعلّم ذاتي دائم ومستمر ما استمرت الحياة يستطيع المربي النبيه أن يشخص كثيراً من الصعوبات النطقية والمشكلات النفسية التي يكشفها فعل القراءة, وقد يجد في ذلك المفتاح الذي يفتح له المجال لحل هذه المشكلات وتدارك تلك الصعوبات في سن مبكرة, حيث يكون العلاج أكثر نجاعة.‏

شكلت القراءة والكتابة قفزة نوعية في تطور الإنسان من حالة بدائية إلى مراحل أكثر تطوراً وتقدماً. فإذا كان ظهور الكتاب بداية للعصور التاريخية المعروفة فإن القراءة وسيلة هامة من وسائل التطور والانتقال بالإنسان من عصر إلى عصر أرقى, وهي أداة للتقدم والترقي.‏

يجد المرء فيها متعة على درجة عالية من السمو والرفعة, عندما أراد أحدهم أن يعرف سر فهم عباس محمود العقاد للقراءة, أجابه:‏

لست أهوى القراءة لأكتب, ولا أهواها لأزداد عمراً في تقدير الحساب, وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا, وحياة واحدة لا تكفيني, ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة, والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة في مدى عمر الإنسان الواحد لأنها لا تزيد عن هذه الحياة من ناحية العمق وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب, فكرتك أنت فكرة واحدة, وشعورك أنت شعور واحد, خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك, ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى, أو لاقيت بخيالك خيال غيرك, فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين وإن الشعور يصبح شعورين, أو أن الخيال يصبح خيالين, كلا, وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات الفكر في القوة والعمق والامتداد".‏

القراءة تُنتج لدى الفرد حالة من التفرد والتميز فلا يبقى رقماً في قطيع كما الحيوانات الأخرى.‏

في القراءة تقرأ أفكاراً وتعاين معلومات, وكلما زادت فاعليتك بهذا الاتجاه فأنت تتمرد على كونك آلة تسجيل صماء أو متلقٍ تصغي إلى محاضرة أو لما يقوله آخرون أو يقرؤونه في حضورك.‏

أفكارك الآن ثمرات تقطفها من بساتين شتى ترتبها على مائدتك بالشكل الذي تسمح به خبرتك في المواضيع التي تتطرق لها الكتابة.‏

القراءة النشطة مبعث حيوية فكرية ونفسية تتفاعل فيها المعارف والعواطف والانفعالات الشديدة, بقدر ما يكون الفكر يقظاً وهو ما تشترطه القراءة أكثر من أية وسيلة اتصالية أخرى تنشط المحاكمة العقلية ـ مهما كانت الموضوع الذي تقرأ ـ يخرج المرء من أفكاره المسبقة ومن القوالب الجامدة التي تروجها وسائط الاتصال المغايرة, أو التي صارت جزءاً من معرفة مبتسرة مصدرها عادات وتقاليد ووسائط شفوية تشكلت منذ سنوات العمر المبكرة.‏

القراءة النشطة تسهم في عمليات مقارنة ومقاربة مع جملة المكتسبات للشخص وتدعوه لممارسة عملية نقدية وتقويمية تلقائية أو متعمدة, فيعود إلى حيث ما يريد أن يكون المرء هو ذاته, فيصحح الكثير مما يخترنه أو يتلقاه, ويدعم بعضه بصورة مستمرة ودائمة, إنها القراءة النشطة إن كانت العينان وسيلتيها فإنها تشرك الحواس الأخرى فيكاد القارئ يشم الروائح التي يتحدث عنها النص ويتذوق الأطعمة ويسمع الهمسات وحتى الضجيج, كأن الفيلسوف الفرنسي ـ باسكال ـ يخاطبنا نحن معشر القراء والكتاب حين يقول:‏

ولسوف ترى هذه الرسالة من غير أن تُرى وستُسمع من غير أن تُسمع.‏

لا تكون قدرات الإنسان المعرفية على مستوى تثبت عنده في مرحلة من مراحل العمر, وإنما هي في حالة نمو دائمة إذا تيسر لها تدريب متواصل, وإذا هي لم تلق من صاحبها تدريباً مستمراً فإنها قد تثبت إلى حين عند مستوى معين ولا تلبث أن تبدأ بالتراجع, وربما بالضمور.. أو أنها في حالة تركها لأحلام اليقظة تدغدغها اطمئناناً, أو تزييناً فإنها تدفع بصاحبها إلى حالات من فوضى النمو العقلي فتحيله إما إنساناً عنيداً يتشبث بأفكاره أو يتشبث بعناوين محددة لأفكار يراها منسجمة مع ركوده الذهني فتخمل معارفه أو تتحجر ويعيش غريباً عن عصر كل شيء فيه في تغير مستمر وسريع.‏

اعتياد القراءة ـ حتى تصبح جزءاً من برنامج الحياة اليومية ـ يمنح صاحبه مرونة في التفكير ومستوى أفضل في المحاكمة, ورغبة قوية في ارتياد الأمكنة البعيدة والأزمنة الموغلة في القدم أو تلك التي ستكون فيما يلي من سني العمر بالنسبة للقارئ الفرد وبالنسبة للجماعة القريبة أو الإنسانية بعامة.‏

القراءة فعل إبداعي:‏

ليس الفكر الإبداعي في مجالات الأدب والفنون وغيرها حصراً بالمبدع نفسه كان فناناً أم شاعراً أم روائياً أم عالماً في أي من العلوم... لكن المبدعين أيضاً نجدهم في طرائقهم وتمثلهم لما يتلقونه من هؤلاء... قراءة لوحة تشكيلية تختلف من شخص لآخر والمبدع منهما ذلك الذي يكتشف فيها إضافة إلى تناغم اللون والخط معاني أخرى غير ذلك الأثر الفوتوغرافي على العين, يبتكر صوراً ذهنية أخرى وقيماً توحي بها الصورة الظاهرة... ويتفاوت الأشخاص في هذه القدرة التي لا يمكن تصنيفها خارج القدرات الإبداعية للشخص.‏

كذلك الحال في قراءة قصيدة أو قصة أو نص نثري... فمن القراء من هو مبدع في طرائق قراءته وتأويله وفي تفاعل ثقافته وتجاربه مع النص الذي بين يديه.‏

فالنص ـ أي نص ـ كما يقول (دي مان) لا يقرأ نفسه مهما كان نوعه, وإنما يكون في حاجة إلى قارئ يقرأ ويكشف عنه ويحرّكه ويجعله نابضاً بالحياة, وهو لا يكون كذلك إلا بفعل عيني قارئ وبصيرته.‏

القراءة حوار جدلي بين القارئ والنص, بين الأسئلة التي يثيرها القارئ ـ قبل وأثناء وبعد فعل القراءة ـ والأجوبة التي يقدمها النص, وتلك التي تستدعي من القارئ أجوبة عليها. والقارئ في هذه العملية يغدو كأنه يكتب نصاً جديداً كما يقول (عبد الكريم درويش ـ الكرمل ربيع 2000). أو أنه يبني نصاً على النص.‏

القارئ في نشاط القراءة يكون أكثر من مجرد نفسه, فهو يتخيل بغير خياله, ويشعر بقلب غير قلبه ـ كما يقول (ج. س. لويس) ـ "عندما أقرأ الأدب العظيم أصبح ألوف الرجال ومع ذلك أبقى أنا نفسي, إني أرى بملايين العيون, لكن الذي يرى لا أزال أنا... وكما هو الحال في العبادة والحب والفعل الأخلاقي, وفي المعرفة فإني أسمو على نفسي, ولكني حقيقة نفسي أكون أكثر منه في أي وقت من الأوقات".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244