|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الطريق ـــ عبد العزيز الدروبي هو اختارني لأمر سمعت عنه لكني لا أعرف كُنهَه. سررت لهذا الاختيار لاسيما وأن كلَّ واحد ممن هم بمثل اختصاصي كان يتمنى لو أن الاختيارَ قد وقع عليه. توجهت نحوه وكان يقف بالقرب من سيارته (الرانج). بادرني ما أن اقتربت بالقول: اصعد إلى السيارة، لم يترك لي فرصة للسلام عليه. صعدت وصعد هو وأخذ مكانه خلف المقود, وعلى طريق عامّة بين مدينتين انطلق بسرعة غير عادية.. قال لي ونحن في الطريق: لأمرٍ ما ستعرفه بعد قليل اخترتك. بظن مني أنك فهيمّ ولمّاحٌ.و هذا يعني أنك قادرُ على فهم ما أريد. ـ عند حسن ظنّكم بي سأكون, أجبته. المسافة التي قطعناها لا أدري هي كم تكون من الكيلومترات, لكن الزمن الذي استغرقته هو ربع ساعة فقط, أخذ يتلفّتُ يميناً ويساراً ثم أشار بيده قائلاً: هناك.. نعم هي هناك. ـ ما هي؟ سألتُه. ـ هناك النقطة الثانية, أما حيث نقف فهي النقطة الأولى, دوِّن هذه عندك. ثبتّت النقطة الأولى على دفتر كنت أحملُه, وثبتَّتُ بعض نقاط علام سأتمكن من خلالها من معرفة هذه النقطة. تابعنا المسير على طريق ترابية باتجاه النقطة الثانية. وهناك عندها قال لي: هذه النقطة والنقطة تلك مطلوب ربطهما بطريق معبدة. وقد اخترتك أنت لهذه المهمة, تُعدُّ الدراسة اللازمة مع المخطّطات وتقدمها لي للتصديق عليها ومن ثم اعتمادها, ولديك أسبوعان لإنجاز المطلوب. وعندما أصادق عليها ويتم اعتمادها سآمر لك بمكافأة مجزية. قلت: بنصف المدة وربما بأقل سأنجز لك العمل. حسناً, لكن تذكّر. فالدراسة التي أريدها يجب أن تكون مثاليةً. ـ حاضر ـ حاضر, لقد فهمت المطلوب وفهمت ما ترمون إليه. ستكون الدراسة وكذلك المخططات وفق ما يعجبكم ويرضيكم. ـ أحسنت, وأنك فهمت قصدي وما أرمي إليه فهذا شيء عظيم. وعندما عدنا كرر لي القول تذكر كلمة مثالية.. مؤكد قلت في سري أنها ستكون مثالية, وكيف لا وأنا المتمرس والمشهود لي في الدراسات ورسم المخططات وأعمال التنفيذ. أعملت تفكيري واجتهدت كثيراً, بقيت حبيس البيت لأيام وليال. أنجزت المطلوب مثلما قلت بنصف المدة. حملت إنجازي وأنا مغتبط وتوجهت إلى مكتبه, سُمح لي بمقابلته. كان ترحيبه بي جميلاً.. وضعت المخططات مع الدراسة أمامه على المكتب قلب الأوراق بشكل سريع ثم عاد يحملق في المخططات, وانتقل إلى الدراسة. لم يأذن لي بالجلوس فبقيت أمامه كالصنم واقفاً, استغرق الوقت أكثر من نصف ساعة, تارة ينظر في المخططات وتارة يقرأ في الدراسة, واستعان بمسطرة حاسبة ومن ثم استخدم الحاسب. كنت مضطرباً طيلة الوقت إلى أن رفع رأسه ليقول لي: رائعة وفيها جهد كبير. انتابني شعور بالفرح, أحسست بأن الأرض لا تسعني, أكاد من الفرح أن أطير يا إلهي... هتفت في سرّي, لقد نجحتُ... إنه حقاً انتصارٌ عظيم. لكن المطلوب ـ أضاف قائلاً ـ غير ذلك, أعد الدراسة. يا إلهي همهمت ـ ما هذه الصاعقة.. شعرت بالصدمة. فقلت: هل لكم؟ فقاطعني ولم يدعني أُتمَّ كلامي ـ قلتُ أعد الدراسة اذهبْ وعاين المكان من جديد وانتبه لما قلته لك. حاضر, حاضر, سأنفذ في الحال. خرجت أحدث نفسي وأنا أجر أذيال الخيبة. هل كان يستخف بي حين قال رائعة؟.. هل تراه وجد فيها ما يدعو للإعادة؟.. ربما.. ربما كانت هناك أخطاء، لاحظها هو ولم يشأ أن يكشفها لي وأرادني أن أكتشفها بنفسي... فاكتفى بالقول أعد الدراسة. تباً لي ـ أنا استعجلت ـ هو أعطاني أسبوعين لإنجاز العمل وأنا أنجزته في أسبوعٍ واحدٍ. من جديد عدتُ إلى المكان أعاينه, مشيت المسار المنوي جعلهُ طريقاً بالسيارة وبعضاً منه على الأقدام, عاينت كل نقطة فيه, قارنت عملي مع الواقع. كان التطابق تاماً. لكنّي رغم هذا كله آثرتُ إعادة النظر فيما أنجزت ـ دراسة ومخطّطات ـ فكرت كثيراً وافترضت افتراضات فكان نتيجة ذلك أنّي تمكنت من إجراء تعديل بسيط وهو أنّي اختصرت من طول الطريق خمسين متراً. قدَمتُ في اليوم التالي له العمل وأنا متيقنٌ من أنه سيصادق عليه ويعتمده, لم يطل النظر فيه هذه المرة ولم يتأمله جيداً, رماه على الطاولة أمامه وقال لي بنبرة فيها عدم الرضا: خذ أوراقك, أعد الدراسة. ركِّز انتباهك للمطلوب وتذكر ما قلته لك وتذكَّر أن هناك مكافأةً ماليةً مجزية... تفضل.. لم أَنْبِسْ ببنتِ شفةٍ, حملت أوراقي وانسللتُ من مكتبه تتملّكني الحيرة, سألتُ نفسي: ما الذي عليّ أن أتذكره؟.. قال لي أريد الدراسة مثالية ودراستي أحسب أنها مثالية وكذلك المخّططات. فماذا يقصد بكلامه؟.. ثم ما نوع المثالية التي يريد ويقصد؟.. سرحت طويلاً, رحت أقلّبُ أفكاري لم أصل إلى نتيجة ولم أفهم أيَاً من مقاصده. لكنّي أخيراً قررّتُ إعادة النظر من جديد علّني أعثرُ على ما رآه من عيب في عملي. بدأت أمعنُ النظر في الدراسة والمخططات, فكرت وفكرت وفكرت, بذلتُ كل جهد ممكن, حاولت إيجاد مخرج, لم أتمكن من شيء, ولم يكن بوسعي إجراء أي تعديل, فما كان مني إلا أن أقدمت على رسم المخططات من جديد. وأعدتُ صياغة الدراسة. لكنَّ هذا الذي قمت به, لم يخلّصني من حيرتي ولم يرحني, وفيما أنا كذلك.. خطرت لي خاطرة وهي لماذا لا أستشر؟.. لكني ترددت وبعد حوار وتساؤلات بيني وبين نفسي وأخذ ورد قررت أن استشير زملائي من ذوي الخبرة والدراية. فلعلَّ في مشورتهم ما يفيد وينفع, وفعلت. أثنى كل الذين استشرتهم واطّلعوا على العمل على هذا الإنجاز وصفوا الدراسة بأنها قمّة في المثالية والمخطّطات غاية في الرَّوعة والدِّقة توجهتُ بها إليه للمرة الثالثة فنظر إليها بعجالة ثم رماني بنظرات استخفاف وقال: تبَيّن لي أنك على عكس ما تصورتك. لم تفهم قصدي ولم تصل إلى ما رميت إليه, وشطّب بالأحمر على عملي وهو يردد: مرفوض, مرفوض. حاولت مناقشته فأبى وصرفني بنبرة حادة. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت الدراسة والمخططات وأعلن عن فوز غيري بالمكافأة وأعلن اسمه في لوحة الشرف إلى جانب دراسته والمخطّطات. لم أصدّق ما رأيت, كذبت عينيّ ـ لكن ما الفائدة إن ما أراه حقيقة واقعة, قلت في سرّي أصحيح أن هذا الذي أراه في لوحة الشرف هو الذي كان يريده؟... هل هذا هو المطلوب؟ وهل هذه هي المثالية التي يطمح إليها؟.. لم أطق صبراً.. طلبت مقابلته ـ رجوته حين سمح لي بمقابلته أن يستمع لما أقول باهتمام. فقال: هات ما عندك واختصر. رميتُ أوراقي أمامه وقلتُ: الطريق التي اعتمدتموها وصادقتم عليها غير معقولة, فهي كثيرة الالتواءات والتعرجات والانحناءات هذا غير أن طولها تضاعف. وأهم ما يسم هذه الطريق أنها بسبب ما ذكرت غير آمنة, وخطرة ووقوع الحوادث عليها مؤكد وكثير, بينما الطريق التي درستها وهي أمامكم آمنة لأنها مستقيمة وهي أقصر بمقدار النصف وزمن تنفيذها قصير جداً وتكاليفها أقلُ بكثير, وإذا كنت أعرض أمامكم ما عرضت فإنني اقترح إلغاء اعتماد الطريق التي اعتمدتموها كما أقترح اعتماد الطريق.. ـ كفى لا تكمل, لن نغير اعتمادنا ولن نلغيَ مواقفَنا, ولن نأخذ بمقترحك واعلم بأن الطريق التي تسميها ملتوية هي الأكثر سلامة وهي الأقصر بالنسبة لنا. ومن قبلُ رفضنا عملك والآن نرفضه ونرفض مقترحك فلملم أوراقك, واغرب عن وجهي.. المقابلة انتهت. ـ هل بكلمة أخيرة. لملم أوراقكم قُلتُ وانصرف, مثلُ هذا الهُراء لا وقت لدي لسماعه الأيام ستعرّفك لماذا تُعتَمُد الطريق هذه عندما تعضك بنابها. وحين النّقود تُظلّ طريقها فلا تعرف إلى جيبك درباً عندها ستعرفُ لماذا مثل هذه الطريق تُعتمَد, وإليَّ عندئذٍ سترجع وسترسُم لي الطريق وفق ما أهوى وأرغب. ـ هذا ضربٌ من المحال, ولها الأيام أن تعض.. وتنهش .. ولو عدتُ ألف مرة لن أرسمُ الطريق إلا مستقيمة وسأظل ما حييتُ أَرٍسُُمها مستقيمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |