|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ظلُّ السَّراب ـــ سعاد محمد القادري على درجات بيتنا القديم, رفع سبابته وصوتهُ معاً, وراحَ يصرخ, ويصرخ.. مندداً بي, معلناً ندمه على أعوامٍ خمسة عشر قضاها متعلِّقاً بحبِّي... وأنا لم يعد صوتي يصل إلى حيث يسمعهُ أو أسمعه أنا.. كان يشاجرني بجنونٍ لم أشهد مثيله في تاريخ جنون حبِّه ودفاعهِ عنه وعني. أخرسني فكنتُ في نجوى لسرابٍ.. إنَّ هذه الشَّمس حارقة, قاسية جداً, أنانية لا تعرف إلاَّ نفسها.. من حقِّها أن تحرقَ كلَّ شيء... فها هي الأعشابُ الخضراءُ قد استحالتْ رمادية, وجفَّ الزَّهرُ, وماتَ الأقحوان والنَّرجسُ البريُّ... وشقائقُ النعمان... آهِ يا شقائق النعمان؛.. يا دحنون... كم قلبي حزين...! حزينٌ لدرجة الياسمين..!! كان في كلٍّ عامٍ ومنذ خمسة عشر عاماً يفضُّ بكارة الرَّبيع بأولِ وردة حمراء من شقائق النُّعمان يراها فيقطفها ويهديني إياها, أُقبِّلها وأضعها بين صفحاتِ كتاب في مكتبتي, وأكتب على الورقة تاريخ قطفها, وبعد أيام يتحوَّلُ لونها للأسود, وأظلُّ أراها بدمِ النعمان, وأراها أولَ الربيع دائماً.. وصار الرَّبيع يعني لي شقاق النعمان وشقائق النعمان تعني لي الربيع الذي يصنعه حبيبي فقط... ... لقد نذرتُ هذه اللّيلة للبكاء.. فلتشهد السَّماء بأنّني أفي... وبأنَّني أدفعُ ثمن حبِّي عذاباً..؛ وبأنَّني في الصبَّاح سألبسُ عباءةَ ادعائي للسَّعادة, وبأنْ لا مجزرة تقومُ ضدَّ شقائقِ النُّعمانِ,وبأنَّ الرَّبيعَ يسيرُ سيرهُ العادي, وأنْ لا أحدَ ينتفُ ريشَ عصافير حديقتنا. سأتجنَّبُ النَّظرَ إلى أماكن خطانا لأَدَّعي بأنَّ الفرحَ ما زالَ يعبرنا نديَّاً معافى. فهل إذا تجنَّبتُ النَّظرَ... ولبستُ عباءة الادعاء, وبقليلٍ أو كثيرٍ من المساحيقِ والرُّتوشِ, غيَّرتُ لونَ وجهي, وتعبَ وحزنَ عيني, وآلامُ صدري يعود..؟!! قالَ شيءٌ ما في داخلي: لا.. لأنَّ شيئاً آخر قد تغيَّر, شيئاً سوى قلبي, كان سبباً لحزن الياسمين, وتغيُّرِ ألوانِ الرَّبيعِ, وجفاف الدَّحنون. دعني أُلخصُ حالي, لن أجدَ لفظاً يوازي لحنَ الأنين المنبعث من قلبي.. فأنا لم أحيَ بقلبٍ هكذا حزين..! هل كنتُ أتمسَّكُ بظلٍّ لسراب, أم أنَّ أحلامي كانت قصوراً من رماد؟! ذات يومٍ يا أيُّها الَّذي تشغلُ أفكاري قليلاً, وعندما يترجمُ حالي لجنون الجنون, سأضحكُ.. سأضحكُ على أيَّامٍ مضتْ كنتُ فيها.. وفي ساعةٍ متأخرةٍ من اللَّيلِ... وحين لا أجدُ أحداً يسامرني.. حين لا أحد يشاركني نور ليلي الحالك إلاَّ أنتَ هناكَ... لكن شتَّان ما بين أنا وأنتَ...! تشربني الدُّموعُ وتقلقني وسادتي, وأتكىء على الفراغ.. أرسمُ.. أرسمُ في سقف غرفتي وجوهَ كلِّ الذينَ أحبوني وأمحوهم برفَّة هدبٍ, ليرتسمَ وجهكَ.. لا أقدرْ على محوهِ أبداً...! وهناك أنتَ, حين تضيقُُ بكَ اللَّحظاتُ, تمتطي صهوةَ الكلماتِ, وتسافر بعيداً جداً.., لأنَّ قدميكَ لا يثقلهما قيدٌ حديديٌ ضخمٌ, وقلبكَ لا يعاني عذابي, وهناكَ من ينيمُ رأسكَ على صدرهِ معتزّاً بأنَّكَ تشاطرهُ فنجانَ القهوةِ وكأسَ المتة أو كأسَ الماء... انظرْ.. انظرْ... أليستْ حياتي هباءً, ألا يستحقُّ العمرُ مني بعضاً من بكاء..؟! ويبدو أنَّني نسيتُ نفسي وسهوتُ عن واقعي, حتَّى قرعَ أحد الجيران باب منزلي حيث كان ينبعثُ صوتُ أغنيةِ (أنا ما نسيتش الحبِّ و...) مرتفعاً من آلة التسجيل الزرقاء التَّي أهداها لي في أحدِ أعيادِ ميلادي الماضية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |