جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الجولة الأخيرة ـــ أحمد علي الشيخ

موجةٌ من الدفء تجتاح كيان الشيخ الهزيل المتهالك على مقعد سيارة ابنه توفيق الفارهة, الذي عاد إلى الوطن منذ يومين فقط لتسوية ما اعوجَّ من أمور.‏

السيارة تنطلق بانسياب خارجةً من مشفى الأمراض العقلية, والشيخ يرقب أضواء لوحة القيادة, ألوان خضراء تنبعث بقوة خلال الظلام, والخطوط البيضاء المنصِّفة للشارع تتراكض مسرعةً تحت السيارة وحالة من الصمت تسود المكان, حيث لا يجد الابن ما يحدِّث به والده, الشيخ العليل, الذي أثمرت سنوات عمره المديد أخاديد وثنايا في وجهه, واستنفدت معظم ما كان عليه من عافية, هو أيضاً لا يجد في نفسه الرغبة في الحديث مع ابنه, هذا الابن المهاجر إلى ديار بعيدة.‏

لقد أنهى للتوّ معاملة إخراج والده الشيخ من المصحّ العقلي بعد أن وقَّع على أوراق يتعهَّد فيها بإتمام علاجه بوسائله الخاصّة، وبأنَّ هذا الشيخ لا يُشكِّل خطراً من أيِّ نوع على المجتمع، بعد أن أمضى أربع سنوات فيه.‏

ويستمرّ الصمت، بينما السيارة تشقّ طريقها إلى فندق الـ (شيراتون) في الناحية الغربية من المدينة.‏

صمت لا يُبدِّده سوى صوت ماسحات الزجاج, تزيح من وقت لآخر بعض رذاذ خفيف يغشى الزجاج الأمامي, ومن قلب الصمت يأتي صوت الشيخ ضعيفاً متهالكاً: (لا أدري لِمَ كلّ هذا الاستعجال؟ لو أمهلتَني إلى صباح غدٍ, كنت أودُّ أو أودِّع بعض الأصدقاء في المصحّ!".‏

"عمَّن تتحدّث يا أبي؟ إنهم بضعة مجانين, عليك أن تنساهم, أنت لست مثلهم.. إنسَهم..".‏

"وكيف أنساهم وهم وحدهم مَنْ لهم أقدام مثل قدميَّ؟".‏

يتمتم الشيخ بصوت منخفض: "صار لزاماً أن تُقرَأ لوحة المصحّ من داخله".‏

يتهالك الشيخ على أريكة فارهة, بينما ولده توفيق منشغلٌ ببعض شؤونه داخل جناحنه في الفندق, يلتفت إلى والده:‏

"الحمّام جاهزٌ الآن, تفضّل خذ حمّاماً ساخناً, هذه بعض الملابس الجديدة أدخلْها معك, ستشعر بالانتعاش, ستنام هنا, على هذا السرير".‏

نام الشيخ نومة هانئة, ولم يستيقظ من نومه إلاّ وخيوطٌ ذهبية تتسلّل عبر فجوات بين السحب المسافرة شرقاً, وشعور بالأمان يخالجه, وهو في كنف ولده الثريّ, لِمَ لا؟: "إنّه ولدي الوحيد, الآتي إليَّ من البلاد البعيدة, ليعيد داري المسروقة منّي, لابدَّ أنَّ ذكرى والدته, رحمها الله قد عاودته, لقد كان صغيراً عندما توفيت, لكنه يتذكر كيف تبدو وهي في ثياب الصلاة, مثل حمامة بيضاء على طرف (بحرة الماء) التي تتوسَّط فناء دارنا, كانت تردِّد أورادها بصوت هامس. إنَّ هذه الذكرى وحدها ستجعل ولدي توفيق يقاتل قتالاً عنيداً, لإخراج الغرباء من دارنا".‏

استغرق الشيخ في قراءة القرآن من مصحفه المرافق له أبداً, بعد أن صلّى الصبح قضاءً, بينما ولده توفيق يعقد ربطة العنق, ويضفي لمساته الأخيرة على مظهره. أغلق الشيخ مصحفه بعد أن قبَّله ثلاثاً, وقال وهو يتثاءب: "انتظرني بضع دقائق ريثما أُصلّي الضُّحى, سأذهب معك لمواجهة أبناء عمِّك".‏

"لا عليك أبي, ابقَ هنا في الفندق, وستكون الأمور على ما يُرام, لن يطول غيابي عنك, سأعود بعد ساعتين أو ثلاث ساعات على الأكثر".‏

ثلاث لياٍل مرَّت والشيخ لا يخرج من الفندق, بينما ولده توفيق يخرج لساعات ويعود في المساء, والشيخ يتحرَّق لفرصة يحدِّث فيها ولده عن حكاية الأقدام والحوافر, تلك القصة التي أرَّقتْه طويلاً, وجعلت بينه وبين الناس فجوة عميقة.‏

"نعم يا بنيّ كان ذلك منذ خمس سنوات خلت, أذكر أنّها كانت ليلة الخميس من أواخر شهر رجب, عندما دخلت إلى حمّام (القبو) بعد صلاة العشاء, واتجهت إلى (الجوّاني) لأغسل الملاءات المبتلّة وأنشرها على بلاط (بيت النار) لتجفّ, وكان هذا دأبي في كلّ ليلة.‏

وبعد أن انصرف آخر زبائن الحمّام, تناولتُ العشاء مع (أبو عبدو) الحمّامي وبعض عمّاله, ومثلما جرت العادة في كلِّ يوم, أقفلوا الباب وراءهم, فأويتُ إلى ركني المعتاد على مصطبة القاعة, ولأني كنتُ منهكاً ليلتها فقد غفوتُ على الفور.‏

لا أدري كم مضى على نومي, عندما استيقظتُ وجدتُ المصابيح الكهربية مضاءةً و(أبو عبدو) الحمّامي يجلس وراء طاولته العتيقة كالمعتاد! بدا الأمر مثيراً للاستغراب, ورحتُ أجول بنظري في أنحاء المكان, ليستقرَّ آخراً على وجه (أبو عبدو), كانت نظراته غريبة, ووجهه يحمل أثر ابتسامة ماكرة, وقبل فراغي من قراءة المعوّذتين سمعتُه يناديني: "تعال... انظرْ.." قلتُ: "انظر ماذا؟".. "تعال ولا تخف" وكم كان خوفي شديداً عندما أخرج قدميه من وراء الطاولة, لقد كانتا مثل أظلاف البقر, يعلوهما شعرٌ أحمرُ كثيف.‏

خطواتُ خطوات متسارعة ألتمس الباب, وقهقهات مجلجلة تدوّي ورائي, ومن الدهليز الضيق خرجتُ نحو الباب الكبير الذي أفضى بي إلى الجادّة. كنتُ أبحث في ساعات الصباح الأولى عمَّن يُعيد الطمأنينة والسكون إلى قلبي الفزع؟‏

أذكر أنّي رأيتُ ثلاثة رجال يرتدون زيَّ الشرطة, يقفون إلى جانب سيارتهم, وبلهفة.. حدَّثُتهم عن الأقدام والحوافر, فأجاب أحدهم وعلى وجهه ابتسامة ماكرة أيضاً: أتقصد بأنها مثل هذه؟..‏

نعم يا ولدي, كانت لهم حوافر, وما كانت كأقدام البشر".‏

يأخذ الشيخ نَفَساً عميقا ًكمن هو غافٍ, ويطرق برأسه إلى صدره:‏

"وللمرّة الثالثة يا بنيّ.. كان لأبي نذير الحمّصاني حوافر كحوافر الحيوانات, الشيخ سعدو مؤذِّن زاوية (الدراويش) كانت له قدمان كأقدامهم أيضاً... لم أُصلِّ صلاة فجر ذلك اليوم, وكان خوفي أشدّ وأكبر عندما عاد إليَّ رشدي في مشفى المدينة, رأيت أبناء عمِّك, ومعهم طبيب وممرِّضة, رأيتُهم يقفون حولي!..‏

أقسم لك يا ولدي إنّهم كانوا يشيرون إلى أقدامهم.. إلى حوافرهم! كانت غيبوبة تعاودي بين حين وآخر, لأجد نفسي في عهدة مشفى الأمراض العقلية. قالوا: إنّي سأتعافى سريعاً في غضون أيام, ولكنّ الأيام صارت شهوراً, والشهور صارت سنوات, حتى عدتَ إليّ, فلولاك لا أخرج من المشفى أبداً".‏

أنهى الشيخ روايته عن الأقدام والحوافر, وهو ينظر إلى وجه توفيق المتشاغل بهاتفه النقّال:‏

"هكذا إذاً؟ ولكن قلْ لي.. ما الذي دفع بك إلى ذلك الحمّام اللعين؟ أما كان يجب أن تكون في رعاية أولاد عميّ؟ أما كنتَ قد تجنَّبتَ كلَّ تلك المتاعب يا أبي؟".‏

"إنهم أولاد عمِّك! هم حوَّلوا بيتنا إلى مطعم.. نعم مطعم يرتاده الأجانب, ومَنْ هم في حكمهم من أبناء الشام, لقد طردوني من داري, ووضعوا لي بسطة صغيرة في أول الزقاق المؤدّي إلى دارنا, وجعلوني أبيع بعض أصناف الحلوى لأطفال الحيّ, وقالوا يومها: إنَّ تصرّفاتي غير لائقة.. وغير حضارية, ولا تناسب المشهد السياحي للمطعم, نعم... طردوني من داري! لا لشيء إلاّ لأني كنتُ أنهى عن المنكر داخل داري, هؤلاء الأغراب يا بنيّ يجلسون رجالاً ونساءً في فناء الدار وغرفها, يجلسون وهم متخفِّفون من معظم ملابسهم, إلاّ ما ستر القليل.. القليل من عوراتهم, والله ما عدتُ أطيق هذا النَّمط من الحياة... وأنا متشرَّدٌ أمام داري, أرى الأغراب يدخلون ويخرجون متى شاؤوا, وكأنّ الدار دار آبائهم وأجدادهم, وأنا صاحب الدار لا أدخل إليها إلاّ في آخر السهرة.‏

قلتُ أذهب إلى بعض معارفي من خلَّة الماضي, كان أحدهم صاحب ذلك الحمّام الذي حدَّثُتك عنه, كنت أقضي جلَّ نهاري في زاوية (الدراويش) أصلّي وأقرأ القرآن, واختلف من حين لآخر إلى حلقات الذكر والحضرات, وأقرأ الفاتحة على أضرحة الصالحين والأولياء, ومساءً كنتُ أبيتُ في الحمّام, بعد أن أكون قد قدَّمتُ لأصحابه بعد خدمات بسيطة.‏

يومها كنتُ أتمنّى أن تكون أنت معي, لا أظنُّهم كانوا سيفعلون بي ما فعلوه.. لو كنتَ إلى جانبي.. أما وقد عدتَ يا ولدي فلن أخشى شيئاً بعد الآن, ستعود الأمور إلى ما كانت عليه في سابق عهدها, سأخرج لصلاة الفجر في المسجد المجاور لدارنا, لأقيم صلاة الضُّحى تحت شجرة (النانرج), وستعاود أسماعي صوت خطوات أُمِّك رحمها الله, تمرُّ بجانب (البحرة) لتضع أطواق الياسمين البلدي على وجه الماء, ولتقدِّم لي بعدها أكواب الشاي".‏

الشيخ يقول عباراته وهو مزهوٌّ بالنصر القادم, وبريق الأمل قد عاود عينيه, وكأنّه يشمّ عبير الياسمين متفقِّداً داره التي عاد إليها... وعادت إليه, وكأنَّ يديه تتلمَّسان الحجر والطين, تداعبهما في حوار صامت, يجمع ماضيه بحاضره, وكأنَّ أرواح الميتين من أجداده قد عادت إلى أجسادهم, وجاؤوا إليه ليحتفلوا بنصرهم العظيم, جاؤوا ليقدِّموا الشكر والثناء لحفيدهم توفيق, الذي صبَّ السَّكينة والرضا على أرواحهم القلقة.‏

ويصحو الشيخ الفرح من أحلام يقظته, ليسأل ولده البارّ: (متى سنذهب إلى دارنا يا ولدي؟...".‏

يرفع توفيق رأسه عن حاسوبه الشخصي: "نعم.. نعم يا أبي.. لا عليك, سنسوّي الأمور, وستكون أنت بخير.. إنْ شاء الله".‏

وبينما كان أبناء العمّ يديرون مطعمهم الدمشقيّ التراثيّ بكفاءة عالية, كان ابن عمِّهم قد طار إلى ما وراء المحيط, حيث عالَمه المفضَّل, عالم المال والأعمال, بعد أن جدَّد عقد شراكته في المطعم مع أبناء عمِّه الثلاثة.‏

كان الشيخ يحكي لأقرانه من المسنّين في مأوى العجزة, حكاية الحمّام, حكاية الأقدام والحوافر, حكاية فردوسه المفقود.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244