جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جُثَّةُ المَكَانِ ـــ مصطفى خضر

لم نكنْ نحنُ, أنا, أنتَ, هوَ, القَتْلى...‏

ولكنَّ المكانَ اكتُشفتْ جثّتهُ,‏

والأرضُ كانتْ خاليهْ!‏

لم يكنْ إلاّ سديمٌ غيرُ مرئيّ.. وكانتْ هاويهْ!‏

كلُّ ما لمْ نتوقَّعْهُ من الحرب انتهى, وافُتتن النّاسُ بهِ,‏

وابتلعَ الغزوُ الحطامَ البشريّ!‏

فهل الغزوُ مزاجٌ آدميٌّ أم فسادٌ دنيويُّ؟‏

وهل الذاتُ أم الآخرُ في داخلنا، نحنُ, العدوُّ الخارجيُّ؟‏

ولماذا بهتتْ صورتُنا الأولى, ورثّتْ هيئةٌ,‏

واستسلمتْ جملُتنا للْلخَلْخَلَهْ‏

بين شكٍّ, ويقينٍ, أو صراعٍ ودوارْ!‏

وعلى الأرض ِ التي تستهلكُ الحربُ قواها الخيّرهْ‏

يتهاوى عالمٌ رَخْوٌ, كثيرٌ, ووحيدٌ.. عَلَنيٌّ وخَفِيّْ..‏

ربّما لم تمتلكْ بَعْدُ اسمَهُ... لم يمتلكْ أيَّ اختيارْ‏

ليرى ما لا يُرَى.. ما لم يَرَهْ..‏

وَهْوَ يرمي برؤاهُ الباليهْ‏

وبعينيهِ تنامتْ أسئلهْ‏

بعد أََنْ أهَّلَتِ الثّروةُ أحوالَ خرابٍ ودمارْ!‏

وعلى الأرضِ سماءٌ من رصاصٍ,‏

ولقاحاتُ وباءٍ واحتضارْ‏

بينما يطفحُ موتٌ بيولوجيٌّ..‏

فهل تَأْذنُ بالخَلْقِ نَوى مُسْتَتِرَهْ‏

والولاداتُ تلاشتْ بين سجنٍ وحصارْ!‏

***‏

ما الذي تفعلهُ الحربُ, وما لم نستطعْ أن نفعلَهْ‏

ضدَّ موتٍ قذرٍ, أو ضدَّ حربٍ قذرهْ..‏

ضدَّ حمّى في سباقٍ همجيّْ,‏

روّجتهُ حَلَبَهْ‏

توّجتْ آلتُها آلهةً مضطربهْ...‏

ومتى سوف نوافي فِتْنةَ التكوينِ في وجهِ بتولْ‏

ونوافي أفقاً يلبسُه جسمٌ فصولْ‏

والفضاءُ اغتَنَتِ البرهةُ فيهِ‏

بشعاعاتِ أكفٍّ وعقولْ‏

وبها يغتسلُ الأحياءُ والأشياءُ‏

تصحو عتباتٌ وبيوتٌ وحقولْ..‏

وعلى الأرضِ استفاقتْ غابةٌ سوداءُ أم دبّابةٌ خضراءُ؟‏

والتربةُ سوداءُ.. النّدى أسودُ..‏

والشمسُ التي يحجبُها المدفعُ سوداءُ...‏

قناديلُ سوادٍ ودَمٌ أسودُ...‏

ماءٌ أسودُ.. والأعضاءُ سوداءُ..‏

السّوادُ اكتملتْ أشباحهُ أيضاً...‏

وكانتْ خردواتٌ من سوادٍ..‏

طرقاتٌ من عظامٍ نَخِرَهْ..‏

واختباراتُ نموٍّ... وشبكاتٌ من رمادٍ..‏

دودةٌ في شجرهْ..‏

وخلايا مَعْدِنٍ... أَهْويةٌ للقَتْلِ أو أفضيةٌ للقتلَهْ...‏

***‏

لم نكن نحنُ, أنا, أنتَ, هو, القَتْلى... ولكنْ!‏

ما الذي لم نتوقَّعْهُ منَ الحربِ؟‏

أيأتي السّلُم من داخلها؟‏

والسلم يبني ثكْنَةً أم كتبهْ؟‏

ومتى يُعنى سلاحٌ بخطا الأطفالِ في البيتِ أو الحيِّ..‏

بنايٍ وخروفٍ, وبدربٍ قمريٍّ وغناءٍ قمريّْ..‏

وبثلْمِ الماءِ... بالملحِ على الجرحِ..‏

بتخمِ الضّوءِ في الصبحِ... بسفْر الخبزِ والزيتِ...‏

وبالنَسمةِ في نافذةِ الصّوتِ,‏

وبالبهجةِ في حبرِ كتابٍ مدرسيّْ‏

وبحلوى من بياضٍ رقميٍّ... وإلخ!‏

ولماذا استغرقتْ قبْعَةُ الجنديِّ في الحلْم؟‏

وهل أغواهُ نومٌ بلقاءٍ ورجاءٍ وبشَارهْ؟‏

ومتى يكتشفُ العَصْرُ حوارَهْ‏

بينما يضطربُ الكوكبُ بالموتى,‏

وما زالتْ عروضٌ وبيوعٌ, حُشِدَتْ فيها جموعٌ,‏

كسدتْ فيها تجارهْ‏

تتآوى بين ربحٍ وخسارهْ...‏

وفحولُ السّوقِ ضاقتْ بالمكانْ!‏

***‏

ما الذي تفعلهُ الآنَ عبارهْ‏

والمعاناةُ مرايا وصُوَرْ!‏

كلّ ما لم نتوقّعْهُ من الحرب انتهت سيرتهُ,‏

واختصرتْهُ الجلبَهْ‏

فَيْضُ إعلامٍ... رموزٌ... شبكاتٌ تُخْتَصَرْ...‏

ما الذي لم نستطعْ أن نُعْرِبَهْ؟‏

هو ذا الكائنُ يبقى مفرداً في التجربهْ‏

تالفاً لم يمتلكْ أيَّ رهانْ...‏

وعلى الأرضِ تجلّى وَجَعُ الأُسْرةِ... همُّ الأَبِ...‏

جوعُ الطفلِ... فقر الأمّ.. بُعْد الدّارِ.. صمتُ المقبرهْ...‏

خفّةُ النطفةِ أو إشراقةُ البذرةِ,‏

سرُّ الماء في العُذْرةِ..‏

نورُ القوسِ... قوسُ القنطرهْ..‏

لغةُ الشّعرِ... جموحُ القلبِ... أهوالٌ وأحوالٌ...‏

إلخ...‏

ومتى تدْخلُنَا الحربُ إلى السّلمِ؟‏

أَتَأْتي الحربُ بالسَّلمِ, ويأتي السّلمُ بالحربِ؟‏

وبين الحربِ والسَلمِ اختيار العنفِ!‏

والعنفُ قرارٌ أم قَدَرْ؟‏

آفةٌ أم ثمرهْ؟‏

وهل العنفُ سوى الإرهابِ‏

ضدَّ الأرضِ, أو ضدَّ البشرْ؟‏

مصنعٌ للظلم والباطل تبنيهُ إراداتٌ وأهواءُ,‏

ويغوي الوحشَ في الداخل والخارجِ,‏

يغري نخبةً حاكمةً, لاهيةً, مُبْتَذَلهْ...‏

ما الذي لم نتوقَّعْهُ من الحربِ الوسيعِهْ؟‏

هل خُدِعْنَا بكناياتٍ وشاشاتٍ, وأقْفلنا رواياتٍ؟‏

وهل يخدعُنَا غير احتفاءٍ بتراثاتٍ,‏

وتضليل حداثاتٍ... ولا تنويرَ,‏

لا تحريرَ في ظلِّ خديعهْ!‏

***‏

ليكنْ! وَلْنعترفْ بالمشكلهْ!‏

كيف نبني عالماً نرفضهُ, يقبلُنَا, نقبلهُ, يرفضُنَا...‏

أو كيف نرضى بانقلابٍ كوكبيّْ‏

ربّما لم نستطع أن نقبلَهْ!‏

كلُّ ما لم نتوقّعْهُ اختبارٌ‏

يشملُ التاريخَ والواقعَ,‏

والعالم يدعوهُ مصيرٌ دنيويّْ‏

فليكنْ أيضاً حوارٌ ممكنٌ بين اتصالٍ وقطيعهْ‏

واختبارٍ واختيارْ...‏

وَلْنحاولْ أن نرى ما لا يُرى في المرحلةْ!‏

***‏

ما الذي لم نستطعْ أن نفعلَهْ؟‏

الحياةُ اختلفتْ, واختلفَ النّاسُ على الأرضِ..‏

ولكنْ! تستحقُّ الأرضُ أن تحيا,‏

ويحيا النَّاسُ في الأرض...‏

فهل يَسْتكشفُ الإنسانُ فيها, دائماً, مستقبلَهْ؟‏

***‏

لم نكنْ نحنُ, أنا, أنتَ, هوَ, القتلى...‏

ففي أيّ مكانٍ جثّةٌ تصعدُ, تنمو؟‏

السّياساتُ, إذاً, لهْوٌ ووَهْمُ!‏

وكأنّ الأرضَ قَبْرٌ؛‏

ينبغي أنْ نَشْغَلَهْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244