|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
السهروردي بين الأسطورة والإشراق ـــ عبد الفتاح قلعه جي يروي العامة في حلب الأساطير عن قبة تظهر لبعضهم فجأة ثم تختفي وهي رمز لبيت المعرفة والعرفان, لها مثيلات لدى الشعوب الأخرى, ومنها بئر في الصين ينهل منه النازل إليه المعرفة. هذه القبة تسمى قبة دانيال, جدرانها مليئة بالكتابات السرية, فإذا ظهرت لبعضهم سارعوا وألصقوا قطع الطين على جدرانها ثم نزعوها وقرؤوا ما ارتسم عليها من كتابات. وقد ظهرت لأربعة دخلوها وخرجوا منها بعلوم انفردوا بها عن غيرهم, وهم أربعة الحلاج والسهروردي والنسيمي والسلاخ. تحدثوا بعلومهم العرفانية أمام الناس فأنكروا عليهم أقوالهم وشكوهم إلى الملك فأمر بإعدامهم فاستأذنوه أن يتوضؤوا من بركة القصر فأذن لهم فغطسوا في البركة وغابوا عن الأنظار, فظهر الأول منهم وهو الحلاج في بغداد, وظهر الثلاثة في حلب, وعادوا إلى ما كانوا عليه من القول, فانتهت حياتهم بالإعدام. وإذا كنا نعلم الكثير عن ثلاثة منهم فإننا لا نعلم شيئاً عن السلاخ أو في الحقيقة لم أعن بالبحث عنه, ولكن بعض كبار السن أكدوا لي أن قبره كان في الكلاسة قبل فتح جادتها تجاه جامع البيدر. تلك هي الأسطورة الشعبية فماذا عن الحقيقة؟ السهروردي يحيى بن حبش المولود في سهرورد سنة 1155م ـ 549هـ والمقتول في حلب سنة 1191م ـ 587هـ وقبره في الجامع المسمى باسمه في مدخل بوابة القصب عاش في عصر كانت المواجهة العسكرية مع الجيوش الصليبية الغازية القادمة من الغرب في أوجها, والخطرُ المغولي القادم من الشرق يتفاقم, في وقت كان فيه الفكر الإسلامي في تماس وتداخل مباشرين مع فلسفات ومؤثرات متعددة يونانية وفارسية وهندية. عندما نزل السهروردي في المدرسة الحلوية مستقراً في حلب سكناً وكانت حلب إحدى معاقل الفكر الديني الأساسي, لفت الأنظار إليه بمساجلاته مع علمائها وظهوره عليهم, وهو الشاب المسلح بفلسفة أفلاطون المثالية واستدلال أرسطو العقلي, وحكمة جاماسب وفرشادشير وبَزِرجُمهُر ومن قبلهم مع تضلع كبير وأصيل في الفكر الإسلامي, حتى لقب بالمؤيد بالملكوت وسيد الوقت, وكان من الطبيعي لهذا الذي سبقت شهرتُه قدومَه أن يكون مقرباً من ملك حلب غازي بن صلاح الدين الأيوبي وهذا ما أوغر صدور بعض من أدركتهم حرفة الفكر عليه مما عجل في نهايته ولمّا يتجاوز السادسة والثلاثين. أرسى السهروردي قواعد الفلسفة الإشراقية في كتابه حكمة الإشراق فكانت انقلاباً حقيقياً في الفكر, وهي فلسفة إسلامية في بنيتها, تنطلق في قواعدها وخطوطها الكلية من الفكر الإسلامي ومفهومه عن الوجود مع إمكان التباين في نقاط من التفكير بفعل التمازج الديني والثقافي, وبفعل حرية حركة فكر المفكر نفسه. يقول السهروردي في كتابه "هياكل النور": إن فينا نوراً شارقاً لذيذاً, والأجسام تشاركت في الجسمية وتفاوتت في الاستنارة, ونفوسنا الناطقة أنوار قائمة بنفسها, والنفس هي قائم دلت على الحي بذاته, القيوم الوجود, فأنت لست جملة هذه الأعضاء والأجزاء من البدن وإنما أنت وراء هذه الجملة. والإنسان مكرَّم بهذا الآن هذا النور الشارق فيه منسكب متشعشع ابتداء من النور الأتم الأقهر, مبتدأ الإشراق, واجب الوجود بذاته "الله نور السماوات والأرض", وهذه الأنوار الشارقة نزاعة بالشوق والعشق إلى مبتدئها, فمثلما انبثق العالم من إشراق الحق وانسكاب الأنوار وتشعشعها فإن المعرفة تعني الوصول العيني إلى الحقيقة العينية, وذلك لا يتم إلا بتصاعد هذه الأنوار من جديد إلى مبتدئها بعد نزولها الأول, وبرحلة الأنوار النازلة الصاعدة, وبهذه الحركة الجوهرية الكلية المستمرة والمتجددة والتي قوامها الشوق والعشق تتحقق المعرفة. على أساس النور إذن ابتنى السهروردي نظريته في المعرفة, وما يحفظ توازن الموجودات واستقرارها وانتظام قوانينها هو العشق وهذه الحركة الجوهرية, وهذا لا يعني انعدام التضاد, فالتضاد من ضرورة اللانهاية, ولولاه ما صح الكون من الفساد, بمعنى آخر وبخطاب العصر يدعو السهروردي إلى الحرية والتعددية وحتى إلى التضاد لأنه بدون ذلك تفسد المجتمعات ويفسد الكون. وكرامة الإنسان وقداسته ترتكزان على الوحدة التي يفيض منها المتعدد, وإذا كان الحق هو غاية المعرفة فإن معاينته تتطلب صفاء عميقاً خالياً من شوائب النزعات الدنيوية, ومن يصل إلى هذه المرتبة ير وحدة العنصرين الروحي والمادي, ويعاين وحدة الوجود والمصير الإنساني. يقول من قصيدة عند وفاته:
طوالع الفلسفة الإشراقية نجدها عند أفلاطون, وكانت فلسفته ذات بعدين: عرفاني وعقلي استدلالي. وقد نما البعد العرفاني واستمر في الأفلاطونية الحديثة ومن أعلامها: أفلوطين وفرفريوس وبريكلس. وإذا كانت المشائية الإغريقية عند أرسطو, والإسلامية عند الفارابي وابن رشد لم تعترف في الوصول إلى المعرفة على العرفان وإنما على الاستدلال العقلي والبرهان والتجربة, فإن الحكمة الإشراقية التي يعد السهروردي مؤسسها الحقيقي لم تنسف أصول الاستدلال العقلي ولم ترفضه وإنما تقره كمنبه للعقل وباعث للقوى السلوكية, أما المنزلة الأولى فهي للسلوك الإشراقي ـ العرفاني في الوصول إلى المعارف الكبرى. فالإشراقية في جوهرها فلسفة استدلالية عقلية وسلوكية إشراقية, هدفها اتصال الأنوار التي هبطت إلى البرازخ والغواسق بالنور الأتم الأقدس. لقد استوعب السهروردي جميع الفلسفات القديمة الإغريقية والفارسية الزرادشتية, والأفكار الدينية التوحيدية, والإسلامية, والسلوكيات العرفانية, وتمثلها بفكر منفتح, وابتنى منها فلسفته التي يسميها حكمة الإشراق. وقد عرف الحكيم الإشراقي السهروردي بالسيمياء وهو العلم الذي يعنى بتحويل المعادن الرخيصة إلى معادن ثمينة. وقد ذكر مؤرخ الأطباء ابن أبي أصيبعة السهروردي في كتابه وأورد حوادث عديدة عنه في السيمياء, والسهروردي يستخدم في عملية التحويل طاقة العارف الروحية. غير أن الجانب الأكثر إشراقاً في السهروردي هو شعره الغزلي المتعالي الذي إن قرأه العامة طربوا لما فيه من صور ومعان وموسيقى وشوق إلى المحبوب, وإن قرأه الخاصة وجدوا فيه وعاءً لأفكاره الصوفية والفلسفية مطرزاً بالنقوش البديعة. يقول في إحدى غزلياته:
هذا هو السهروردي, سيد الوقت, وحكيم العصر, واضع أسس الفلسفة الإشراقية, وأحد بناة المعرفة الإنسانية, ومن أحيطت حياته بهالة قدسية, وكانت شهرته تتقدمه إلى كل بلد نزل فيه, قضى وهو في ريعان شبابه, ولو امتد به العمر لكان له شأن آخر. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||