جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ابن العديم الحلبيّ من كنوز الثقافة العربية الإسلامية ـــ سليمى محجوب

كان ابن العديم مكتظاً بالثقافة, وفي عنفوان المعرفة العلمية والأدبية والفنية, ومن هنا بدأت أتلمس طريقي إليه..

كانت بداية رحلتي مع المؤرخ والعالم الموسوعي ابن العديم منذ بداية الثمانينات, حيث وقع اختياري على كتابه المخطوط "الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب".

وتمشياً مع هدف معهد التراث العلمي العربي في تحقيق المخطوطات وطبعها، فقد قمنا في تحقيقه وتقديم كتاب تراثي جديد للمهتمين بتاريخ العلوم العربية, وبذلك: أصبح رافداً من روافد البحث في تراثنا العربي الثر الغزير.

وتابعت رحلتي مع ابن العديم الحلبي لأجد فيه وصفاً حياً لما قاله ياقوت الحموي مشيراً بثقافة الكمال ابن العديم الواسعة.

إذ يقول فيه:

"كان محدثاً فاضلاً, حافظاً مؤرخاً صادقاً, فقيهاً, مفتيّاً, منشئاً بليغاً, كاتباً محموداً, درس وأفتى, وصنّف وترسل على الملوك, وكان رأساً في الخطّ المنسوب لاسيما النسخ والحواشي".

في مدينة الثقافة الشامخة بتراثها على مرّ العصور, حلب الشهباء ـ ولد "كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن عبد العزيز بن أبي جرادة المعروف بابن العديم العقيلي الحلبي" وكان ذلك عام 588 هـ. 1192م. ينتهي نسبه إلى أبي جرادة صاحب أمير المؤمنين ـ عليّ عليه السلام ـ عربي في نسبه عدناني في أصوله. كانت أسرته على جانب كبير من الثروة والفن, ولم تقع يوماً في عسر أو فاقة. قال ياقوت: سألته لم سميتم بابن العديم؟

فقال:... هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون بهذا. ولا أحسب إلا أن جدي القاضي فاضل هبة الله مع ثروة واسعة ونعمة شاملة, كان يكثر في شعره من ذكر العدم وشكوى الزمان فسمي بذلك, فإن لم يكن هذا سببه فلا أدري ما سببه؟"

في بيت عريق نشأ ابن العديم, في أسرة تولت القضاء والمناصب الرفيعة كما ألمت بعناصر الثقافة المختلفة, فأخذ عنها وتأثر بجده وأبيه الذي كان له المعلم الأول, كما تلقى علومه على عدد من كتاب ومشايخ عصره إلى جانب رحلاته المتعددة والتي شكلت جزءاً من ثقافته.

في حلب حفظ "اللمع" على شيخ حلب الضياء بن دهن الحصا, وحفظ "القدوري" في فقه الحنفية.

وسمع في حلب عن "عمر بن طبرزد" و"افتخار الدين عبد المطلب الهاشمي" و"بهاء الدين يوسف بن شداد" قاضي حلب و"عبد الرحمن بن علوان" وثابت بن شرف, وجماعة كثيرة غيرهم.

وهؤلاء جميعاً كانوا مشعل العلم في عصره مما أتاح له علوما ًعدة من لغة وأدب وفقه ومنطق. ويشهد على ذلك مؤلفاته الكثيرة التي تفيض علماً ورواية ومعرفة واسعة شاملة.

لقد كان ابن العديم ناثراً وشاعراً ومبدعاً في الخط, فقد طرز بخطه ووشيه كثيراً من كتب من سبقه, وقد سار خط ابن العديم في مشرق البلاد وغربها.. "قتهاداه الملوك وجعل مع اللآلئ في السلوك". كما يقول ياقوت الحموي في معجم الأدباء.

ولا يزال لابن العديم خط شاهد على إبداعه زيّن به محراب مدرسة الحلاوية بحلب سنة 634 هـ وكان يتولى التدريس فيها وهو في الثماني والعشرين من عمره. ثم ولي القضاء. وزار مصر وبغداد, واتصل بالسلطان الملك الظاهر ببيرس ولد صلاح الدين الأيوبي, ونشأت بينهما صداقة قوية, وكان لديه من المقربين.

لقد كان خط الكمال بن العديم مضرب المثل في الحسن والتنميق وقد قال فيه الشاعر الحلبي ابن القيسراني مشيراً:

بخدّ معذبي آيات حسن

 

 

فقل ما شئت فيه ولا تحاشي

ونسخة حسنه قرئت فصحّت

 

 

وها خط "الكمال" على الحواشي

أما عن شعر الصاحب كمال الدين بن العديم, فقد ذكر الطباخ في أعلام النبلاء ديواناً لابن العديم, لكن هذا الديوان المخطوط لم نعثر عليه.

لكن ياقوت الحموي نقل شيئاً من شعر ابن العديم ليدلل على تفوقه في صناعة النظم والقريض, وهو من شعر الشباب قبل أن يتجاوز الكمال سن الثلاثين.

وقد طرق مؤرخنا وأديبنا ابن العديم مختلف أغراض الشعر وهو يذكرنا بغزله بأبي فراس الحمداني. كما يذكرنا بفخره بالشعراء الفحول.

كما طرق باب الإخوانيات والمناسبات. والرثاء وغير ذلك من الموضوعات.

فمن غزله قوله:

وأهيف معسول المراشف خلته

 

 

وفي وجنتيه للمدامة عاصر

يسيل إلى فيه اللذيذ مدامه

 

 

رحيقاً, وقد مرَّت عليه الأعاصر

أما في الفخر فيقول معتزاً بنفسه وبأسرته:

سألزم نفسي الصفح عن كل من جنى

 

 

عليَّ, وأعفو حسبة وتكرّماَ

وأجعل مالي دون عرضي وقاية

 

 

ولو لم يغادر ذاك عندي درهما

وأسلك آثار الألى اكتسوا العلى

 

 

وحازوا خلال الخير ممن تقدما

وفي آبائه يقول:

أولئك قومي المنعمون ذوو النهى

 

 

"بنو عامر" فاسأل بهم كي تعلما

إذاما دعوا عند النوائب إن دجت

 

 

أناروا بكشف ما كان أظلما

وإن جلسوا في مجلس الحكم خلتهم

 

 

بدور ظلام والخلق أنجما

والقصيدة طويلة لا يتسع المجال إلى ذكرها كلها.

أما من رسائل ابن العديم فقد بعث بهذه القصيدة إلى ولده قاضي القضاة مجد الدين يقول فيها:

هذا كتابي إلى من غاب عن نظري

 

 

وشخصه في سويدا القلب والبصر

ولا يَمُنّ بطيف منه يطرقني

 

 

عند المنام, ويأتيني على قدر

وليس لي أرب في غير رؤيته

 

 

وذاك عندي أقصى السؤال والوطر

هاجم التتر مدينة حلب عام 657هـ. ورفض ابن العديم منصب القضاء الذي عرضه هولاكو عليه, مترفعاً أن يجعل نفسه في خدمة الأعداء. وهرب مع سيده إلى "برزة" وهي ضاحية في دمشق, ومنها سافر إلى مدينة "غزة" في فلسطين ومنها إلى مصر.

وهناك لقي من الحفاوة والإكرام ما جعل الطلاب يتوافدون للأخذ عنه, ولكن هواه ظل معلقاً في حلب البلد التي أحبها حتى العشق.

فقرر العودة إليها عام 659هـ بعد أن هزم التتر في عين جالوت سنة 658هـ. وأجلي التتر عن مدينة حلب الشهباء.

لكن المؤرخ والأديب والشاعر ابن العديم حز في نفسه ما رآه في مدينة الثقافة حلب من خراب ودمار فبكاها في شعره. وقرر العودة حزيناً إلى مصر. لكن المنية لم تمهله, فهصرته بعد عام من عودته. وكان ذلك في العشرين من جمادى الأولى سنة 660 هـ.

ودفن بسفح المقطم, وانتقل الخبر المؤلم إلى بلاد الشام فحزن عليه علماء حلب وأدباؤها حزناً عميقاً.

وبقدر ما أمضه الخراب الذي لحق بمدينة حلب فقد آلمه فراقها وفي رثاء الشهباء يقول:

وعن حلب ما شئت من عجائب

 

 

أحل بها يا صاح إن كنت تعلم

غداة أتاها للمنية بغتة

 

 

من المُغل جيش كالسحاب عرمرم

فيا لك من يوم شديد لغامه

 

 

وقد أصبحت فيه المساجد تهدم

وقد درست تلك المدارس وارتمت

 

 

مصاحفها فوق الثرى وهي ضخّم

فيا حلبا أنى ربوعك أقفرت

 

 

وأعيت جوابا فهي لا تتكلم

أنوح على أهليك في كل منزل

 

 

وأبكي الدجى شوقاً وأسأل عنهم

ولكنما لله في ذا مشيئة

 

 

فيفعل فينا ما يشاء ويحكم

هذا الحزن الشديد لما ألم بمدينة حلب على أيدي التتر كان سبباً لوفاته بعد عام فقط من مغادرتها.

هذا هو ابن العديم مؤرخ حلب وعالمها المعروف الذي خلد تاريخ حلب في أهم كتابين وهما: "بغية الطلب في تاريخ حلب". ويقع في أربعين مجلداً. وقد رتبه على حروف المعجم.

وكتاب "زبدة الحلب في تاريخ حلب". وهو مختصر لكتابه السابق في تاريخ حلب. وقد كتبه على السنين.

هذا بالإضافة إلى كتبه الأخرى. وأذكر منها.

كتاب "الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب". وقد حققناه وطبع عام 1984 من منشورات جامعة حلب, معهد التراث العلمي العربي.

ومنها كتاب "الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجريّ عن أبي العلاء المعري" والكتاب مطبوع.

وكتاب "الدراري في ذكر الذراري" وهو مطبوع أيضاً.

وكتابان ذكرهما الشيخ محمد العرضي, وهو من رجال القرن الحادي عشر ونسبهما إلى ابن العديم وهما:

1 ـ الإشعار بما للملوك من النوادر والأشياء.

2 ـ مراد المراد ومواد المواد.

لقد أمد ابن العديم المكتبة العربية بآثاره ومؤلفاته التي لا تزال تشهد على ما كان لابن العديم الحلبي من أثر في إغناء تراثنا العربي.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244