جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحصان الحجري ـــ لي قوانتيان ـ ت.ساسي حمام

ـ آه... لم أعتقد يوماً أن أخي... هو الذي سيفارقنا الأول!‏

ـ فعلاً.. لقد ذهب وتركنا.. قريباً سيكون دورنا!‏

في آخر أيام الخريف يكون الطقس منعشاً والشمس الفاترة محببة إلى النفوس فيأتي الشيوخ الذين ليس لديهم ما يفعلونه للجلوس في أشعة الشمس أمام هذا الباب الكبير الذي اهترأ بفعل الزمن.. يدخنون ويتحدثون ويتأملون المارة.. جاء شيخان يمسك كل منهما بيد حفيده.. تقدما في السن فأصبح شغلهما الوحيد هو الاعتناء بالصبيين... يلتصق الطفلان بالشيخين ليسمعا ما يقولانه فيبعدانهما...‏

ـ ابتعدا قليلاً... كونا مهذبين... اذهبا امتطيا الحصان...‏

هذا الباب الكبير يحدد شارعا عريضاً جداً تحفه من الجانبين منازل منخفضة... لا يظهر فيه غير عجل نحيف يقف أمام أحد الأبواب أو حمار هزيل شد إلى وتد أو بعض أشجار الأكاسيا وأشجار أخرى مجردة من أوراقها رغم أن هذه الجهة عرفت فترات مزدهرة منذ أكثر من مائة عام...‏

يقال إن سكن هذه الجهة كانوا يسوقون حيواناتهم الكثيرة التي يصعب عدها إلى النهر الذي يبعد خمسة كليو مترات لتشرب تحت حراسة مواكب الخيول والبغال المنتشرة على طول الطريق. تحول النهر اليوم إلى حقول... بقي بعضهم يذكر في بعض الأحيان أن الخيول والمواشي وقطعان الغنم كانت ترد في هذا المكان... بقي الحجر الذي يعتليه السكان للركوب على ظهور خيولهم ممدداً في مدخل الشارع لم يتغير... أصبح مقعداً يجلس عليه العاطلون عن العمل لتزجية الوقت... ويجتمع حوله الأطفال للعب ويستعمله الشبان لاختبار قوتهم ولكنهم في كل مرة يعجزون عن زحزحته.. إذن صحب الشيخان حفيديهما ليمتطيا الحصان الحجري... الأطفال يحبون دائماً حث الحصان بأصوات مرتفعة وضربه بأيديهم الصغيرة ـ الصخرة أصبحت ملساء لامعة ـ.‏

يسكن الشيخان هذا النهج. أما أخوهم الشيخ الآخر الذي يحمل نفس الاسم فيسكن جهة أخرى من جهات القرية. يكفي أن يُذكر الشيوخ الثلاثة ليعرف الجميع أنهم أولئك الذين يجلسون دائماً أمام الباب الكبير ولا يفارقونه إلا وقت النوم أو الأكل.... ما زالوا يتمتعون بذاكرة قوية.. يعيدون ذكرياتهم بأدق تفاصيلها دون انقطاع... لا ينسون الماضي الجميل أبداً... لا يبدؤون حديثهم إلا بـ: "عندما كنا صغارا... أو أخبرني جدي أن...." لا يهتمون كثيراً بما يدور حولهم وعندما يسمعون شيئاً لا يروقهم يتنهدون ويقولون بحزن... لم نعد نصلح لشيء... لم يعد للحياة جدوى... من الأحسن لنا نتمتع بالراحة الأبدية تحت الأرض... في بعض الأحيان يتبادلون الأسئلة: أخي من سيفارقنا الأول؟‏

فيسرع كبيرهم مجيباً: بالطبع.. أنا سأفارقكم الأول... لأني أكبركم! آه.. لن أستطيع توديعكما أو الذهاب في جنازتيكما...! فيجيبه الأخوان في نفس الوقت وهما يضربان غليونيهما على الأرض... مثلما تريد...! مهد لنا الطريق...! أعلمنا عندما تستقر هل يمكننا أن ندخن هناك وأن نتحدث... ما يخيفنا هو عدم وجود الشمس التي تدفئنا...!‏

لم يبق الآن غير شيخين... فارقهما الأصغر الذي يسكن في الطرف الآخر من القرية منذ أيام.. بقي الأكبر رغم العهد الذي قطعه على نفسه... أصابه زكام كاد أن يقضي عليه لولا تدخل الطبيب... فبقي الثالث أياماً يأتي مع حفيده ويجلس وحيداً في الشمس... شفي رفيقه فأتى ليحدثه... لم ينس أخاه الذي غادرهما ولم يفارقه الحزن... إنه يعرف أنهما يترقبان أجلهما وأنهما سيذهبان الواحد تلو الآخر... يقول المسن:‏

ـ آه... يخيل إلي في بعض الأحيان أنه يناديني... أنه معنا... وبعد مدة أتذكر أنه لم يرجع... لا لقد رجع فعلاً... لقد رأيته في المنام...‏

ـ أنا كذلك رأيته يتجه نحو السوق وبيده سلة من قصب وقال لي أخبرني أخي كم ثمن رطل من القلقاس؟ لم أرد عليه... لو لم أنس أنه قد فارقنا منذ مدة لطلبت منه أن يحدثني عن العالم الآخر... أخي... هل القلقاس فأل خير أم شر؟‏

ويتواصل كلامهما عن الأحلام... الأحلام تفسر كل شيء في هذه الحياة... أليست الحياة حلماً؟ لإنهاء الحوار يرجع الحديث حول من فارقهما ومن غادروا العالم منذ مدة طويلة ثم حول الماضي الجميل والحاضر وهذا الجيل الذي يختلف كلياً عن جيلهم. إنهما يحبذان غلق عيونهما إلى الأبد على أن يريا هذا الجيل المزعج.‏

وأخيراً يرجعان إلى بداية حديثهما فيقترح الأصغر:‏

ـ لنتراهن... خمن من منا سيرحل الأول؟‏

ـ لا فائدة في المراهنة... أجاب الآخر.. حصاد الصيف... حصاد الخريف... حصاد الشيوخ...!‏

إذا لم أرحل هذا الخريف فإني سأرحل في الصيف القادم...‏

كان الشيخان منهمكين في الحديث بينما كان الأطفال يشيدون منزلاً من التراب وقطع الآجرّ والقرميد.‏

ولما انتهيا من البناء أرادا أن يراه الشيخان ولكن فجأة انهار المنزل فارتفع صياحهما فهرع الشيخان لاستطلاع الأمر فوجدا كومة من التراب والحجارة الصغيرة فلم يتمالكا عن الضحك.‏

انتبها إلى أن الوقت قد مر بسرعة والظلال قد امتدت أمام الباب الكبير وغمرت الأرض... هبت ريح غربية باردة فقال الشيخان للطفلين: ”هيا.. أيها الصغيران... هيا لنرجع بسرعة..." خففا عن الطفلين اللذين يريدان بناء منزل جديد ووعداهما بالرجوع غداً عند شروق الشمس لبناء منزل جديد أجمل وأبهى. مسك كل واحد حفيده من يده وغاصا في الشارع العريض... لم يرجع الفلاحون من حقولهم ولم تأت الدواب لترد من البئر... غابت الشمس فدخل كل واحد منزله ولم تبق غير ريح خريفية تثير بعض الغبار الذي لا يلبث أن يختفي أمام المنازل ذات الأبواب المنخفضة....‏

* ولد لي قوانتيان سنة 1906 في عائلة فقيرة. عاش طفولة بائسة وصعبة كان لها تأثير عميق في حياته. زاول التعليم الابتدائي في قريته ثم التحق بمدرسة ترشيح المعلمين ومنها تخرج معلماً. عمل فترة بالمدارس الابتدائية ثم التحق بالجامعة فتخرج معيداً سنة 1952. انخرط في النضال السياسي والاجتماعي فعرف الغربة والسجن والعذاب الجسدي والنفسي توفي يوم 2 نوفمبر 1968. كتب المقال والقصة القصيرة والرواية والشعر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244