جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

خاسر عظيم دومينيك أوسناك ـــ ت.عدنان الدالي

توفّي الروائي التشيلي روبيرتو بولانيو في 14 تمّوز في برشلونة على إثر مشكلة في الكبد. نتاج إنسانيَ جريء, اكتشف في فرنسا العام الماضي, يخلط بين السياسة والشعر, الأساطير والأدب.‏

ذات يوم أصبح كبده عديم الفائدة ولم يتغذََّ هذا الكاتب العظيم الرائع ذو الخمسين عاماً, توقّف عن الكتابة. هل كان يُفرط في الشراب؟ لا أعلم شيئاً عن ذلك. ولكنّني متيقن أنه على ما يبدو كان يدخّن السيجارة تلو السيجارة. الكبد, إنّه غريب, إنّه غامض, أتت هذه الكلمة من اللاتينيّة والتي تعني متخماً بثمرة التين. الكبد لطالما يبدو مليئاً بالموادّ الدهنيّة. وهو يفرز في الواقع السمّ والمادّة الصفراء. الميلانكوليا, الاسم الإغريقي للكآبة, حدّد بالفرنسيّة سجلاً للحالات والمشاعر يتطوّر من الحزن العميق إلى القلق. هل كان روبيرتو بولانيو سوداويّاً؟ حزن هادئ كان ينبعث من كتبه هل الكآبة تلائم التشيلييّن؟ هل تناسب الباتاغون, أولاد ألندي كما هي الحال بالنسبة إلى أولاد بينوشيه؟ لطالما خلط بولانيو الأوراق بروعة وذلك بمزجه الصحيح مع الخطأ, الحلم مع الواقع, الماضي مع الحاضر للإيحاء بهذه الحقيقة الاستقلابية الوحيدة المختلجة والمحسوسة والّتي هي حقيقة الأدب, ما هو مدهش في كتبه, بالإضافة إلى طموحها غير العادي, وعمق مجالها الكبير, هو غياب ترتيب إعطاء المعلومات, جانبيّاً نظيف, ومتقن الصنع.‏

إنّ لفظة باروك التي تصف في حذرها الاشتقاقي لؤلؤة فيها عيب (لؤلؤة غير متناسقة) توافقه تماماً وكأنّه كان عبر كتابته يضمر الإجلال للنقص وبناء عليه لما هو إنسانيّ, الإنسانيّ من خلال الرعب, من خلال الخيبة, ومن خلال الجمال الخفيّ والأخرق.‏

لقد غامر بولانيو كثيراً وخبر الحياة, وعرف قمع الأحلام والثورات الأمريكيّة اللاّتينيّة, بقي الشرّ إشكاليّته الرئيسية, إذ كيف يمكن لكائن بشريّ أن يتصرّف كجلاّد, كقذر سيّء؟ لم يجب عن هذا السؤال, مفضلاً ربّما بدعابه وبتبحّر أن يؤكّد مجموعة أعماله.‏

ولد في سانتياغو في تشيلي عام 1953, ترك المدرسة في الخامسة عشرة من عمره, وهو يقرأ بكثرة (رفض دائماً صفة العصاميّ), لحق بأهله فترة في المكسيك. يبدو أنّ والده كان ملاكماً, بطلاً محترفاً قديماً من فئة الأوزان الثقيلة لم يخسر أيّة مبارزة. في (الغسق الأخير على الأرض), قصّة مستمدّة من رواية (المومسات القاتلات), مجموعة نشرت في آذار 2003م لدى كريستيان بورجوا, يتذكّر بولانيو العطلة الّتي قضاها (ب) ووالده في أكابولكو. حيث أنّ (ب) شعر بالقلق أسبوعاً فخصص وقته لقراءة كتاب شعريٍ: مختارات من أعمال السيرياليّين الفرنسيّين. لفت انتباهَه شاعرٌ فُقِد خلال الحرب العالميّة الثانية, إنّه غي روزي. "والحقيقة أنّ روزي لم يبدُ له مهمّاً. فهو يحبّ دوزنوس, يحبّ إيلوار أكثر من روزي. ولو أنّه في النهاية يعود دائماً إلى قصائد هذا وتأمّل صورته, صورة الاستيديو الّتي يبدو فيها روزي ككائن متألّم ووحيد, بعينيه الكبيرتين الكابيتين وربطة عنقه القاتمة الّتي تبدو تخنقه". يبدو أنّ (ب) انبهر باختفاء هذا الشاعر أو بالأحرى يفعل كلّ ما بوسعه لكي يكون ذهنه ملبّداً به لأنّ الحقائق تخبّئ كثيراً من الحقائق الأخرى عند بولانيو. وهو يحاول أن يتقنّع بالدوّامة الجهنّمية التي كان يميل إليها والده, وهي ارتياد الحانات والمواخير, ولعب الورق والمشاجرات. قصّة لها ذلك التأثير والجانب المظلم كما في رواية (حلم أبطال الأرجنتين), صديق بورخيس, أدولفو بيو كازاريس الّذي يحكي أيضاً عن مغامرة كبيرة في السُّكْر, وممارسة البغاء.‏

في عام 1973, وافت بولانيو الفكرة المشؤومة بالعودة إلى تشيلي قبل بضعة أيّام من الانقلاب الشنيع الّذي قام به أوغيستو بينوشيه في 11 أيلول أُوقف في السّجن ثمانيةَ أيّام, يسمع أنين النّاس الّذين يعذّبون قبل أن يتم التعرّف إليه, ويُطلق سراحه اثنان من رجال الشرطة الخاصّة أخرجاني من هذه الورطة. صديقان قديمان من ليسيودو هومبريس من لوس أنجلس". كتب هذا في "مفكّرة حفلة راقصة" القصّة المأخوذة من رواية (المومسات القاتلات), هذه القصّة هي عبارة عن نصٍّ غريب يتألّف من 69 فقرة يحكي فيها أنّه في الوقت الّذي يتذكّر فيه بابلو نيرودا, يتذكّر الهزائم السياسيّة للثوّار التشيلييّن والإسبان. "39. بعد بعض الوقت سمعتُ قصّةَ امرأةٍ تشيليّةٍ من استوكهولم, شابّة مناضلة سابقة من مير, عُذّبت في شهر تشرين الثاني عام 1973 بواسطة الفئران وماتت, مع دهشة الأطبّاء الّذين كانوا يهتمّون بها, من الكآبة, الكآبة المرضيّة". الفقرة 40. هل يمكن أن يموت المرء من الحزن؟ يمكن أن نموت من الجوع (مهما كان ذلك مؤلماً), يمكن أن نموت من السأم". الفقرة 41 هذه التشيليّة غير المعروفة, الواقعة تحت التعذيب والموت, أكانت هي نفسها أم كان المقصود ثلاث نساء مختلفات, مع أنّهنّ مشاركات في الحزب نفسه وهنّ في مستوى جمالها؟ حسب رأي أحد الأصدقاء, كان المقصود تلك المرأة, الّتي كما في رواية دو فاليجو "ماسّا". إنّها تعطي شعوراً وهي تموت بأنّها متواجدة دون أن تتوقّف من أجل ذلك عن الموت.‏

أقسم بولانيو أنّه لن يعود ثانية إلى تشيلي, مارس ألف مهنة صغيرة وهو يسافر خلال حوالي 20 سنة إلى أمريكا وأوربا والمغرب, لكي يستقرّ أخيراً قريباً من برشلونة, وإذا كان قد أسسّ حركة طلائع حول الواقعية التحتيّة, فإنه لم يكتب كتابه الأوّل إلاّ في سنّ الرابعة والثلاثين. كان عنوانه "نصيحة من أحد تلاميذ موريسون إلى متعصّب لجويس". وهو لم يترجم بعدُ إلى الفرنسيّة. في صيف 2002, نشر كريسيتيان بورجوا (نجم المدى) و(البومة التشيلية). هاتان الملحمتان التمليحيّتان لأمويلتو. الأولى تحكي عن المغامرات المشؤومة لشاعر فاتن وجذّاب, مجرم وفاشيّ, ينتمي إلى نظام بينوشيه الّذي كان يخلق أعمالاً فنيّة وهو يعرض صور ضحاياه أو وهو يكتب قصائد في السّماء بفضل التفاف طائرته النفّاثة. أمّا (البومة التشيلية) فهي تذكّر بالأيّام الأخيرة لكاهن وناقد أدبيّ فاشيّ أعطى بينوشيه محاضرات عن الماركسيّة. "وماذا بعد؟ بسرعة مدوّخة, تظهر الوجوه التي أعجبت بها, تلك الوجوه الّتي أحببتها وكرهتها وحسدتها واحتقرتها, الوجوه الّتي حميتها, الّتي هاجمتها, وجوه أولئك الذين قاومتهم, الوجوه الّتي بحثت عنها دون جدوى.‏

ومن ثمّ عصفت ريح هوجاء "كان أمويلتو يحكي قصَة إحدى المثقّفات الّتي تمرّدت على نمط الحياة الأمريكيّة الراهنة, هامشّية جداً, أفلتت من مجزرة قامت بها شرطة الطلبة في جامعة مكسيكو. لقد بقيت عدّة أيّام قاعدة على كرسيّّ المراحيض, تضع كتاباً شعرياً على ركبتيها.‏

في صيف 2002م أردت أن ألتقي بولانيو, كنت مستعداً للذهاب إلى بلانيس حيث يسكن مع زوجته وأولاده. لكنّ هذا اللّقاء تمّ من خلال البريد الإلكتروني, كنت محروماً من ذلك في البداية, ثمّ واسيت نفسي معقتداً أنّ هذه العلاقة الطيفية كانت تناسب كثيراً هذا الكاتب الّذي أقارنه بدانتي (ل. م. د. ا) في خريف 2002, ظهر بيلانيو ثانيةً بطلاً للكتابة في "جنود سالامين" لخافير سيركاس. حيث جسّد دوره الخاصّ. كاتب قبل الأوان بعشرين عاماً, بينما كان ساهراً اللّيل في مخيّم على ساحل كاتالان, صادف جمهورياً إسبانيّاً. هذا الأخير في نهاية الحرب الإسبانيّة, كان قد اختار ألاّ يجتذب موظّفاً فاشياً كبيراً. يبدو أنّ بولانيو قد لعب هذا الدور سابقاً, فهو متمرّن قليلاً, عرّاف قليلاً في أعمال لمؤلّفين شباب أمريكييّن جنوبييّن. في ربيع 2003, نشر بورجوا كتابين آخرين هما "الأدب النازيّ في أمريكا" و"المومسات القاتلات", كان الأوّل يحصي كتّاباً ساحرين, كلّهم من ابتكار بولانيو.‏

أمّا الثاني فيجمع 13 قصّة قصيرة, تتحدّث عن كائنات بشريّة وقعت تحت تعذيب الحياة والجمال والرعب والمقدّس والخلاعيّ. يظهر فيها غالباً تحت الحرف ب أو تحت اسم مختلف هو رامبالدين أرتورو بولانيو, تغيب أيضاً "أمبيريس" و"رجال التحرّي المتوحّشون" وكان يجب أن تنشر من هذا المكان عام 2005 روبيرتو بيلانيو, بانتظار ما سيحصل لكبده, كان قد انتهى من كتابة رواية تتألّف من أكثر من 1000 صفحة, كان يتساءل فيها عن جرائم القتل الدينية وغير المفسّرة لـ 325 امرأة في سيوداد خواريز في المكسيك.‏

بولانيو, أنت الّذي كتبت "لا ننتهي من القراءة أبداً, ولو انتهت الكتب, وبالطريقة نفسها, لا ننتهي من العيش حتّى ولو كان الموت واقعة لا ريب فيها". هل كنت ستقبل كبد فاشيّ فاجر أو الأفضل من أحد هؤلاء المستهلكين الصامتين, المنقادين, الحمقى الّذين يعدّون أنفسهم مواطنين من زمننا, بالتأكيد ما كان للطعم أن ينمو أبداً.‏

لو ماتريكول دي زانج Le Matricule des Anges مجلّة أدبيّة مستقلّة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244