|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بين كونية وكونية ـــ نبيل سليمان حين زرت مراكش لأول مرة كان سؤالي الأول: أين هو خوان غويتسولو؟ ولسوء حظي لم يكن هذا المبدع الاستثنائي الكبير في المدينة الحمراء. كان اكتفاء غويتسولو في إحدى رواياته بالنقطتين المتعامدتين من بين علامات الترقيم, قد أغواني, فحذوت حذوه في روايتي (مجاز العشق), وعرفت درباً جديدة في السرد. من بين ما قرأت لغويتسولو أن الإمبريالية الثقافية تعتمد على أصولية تكنو ـ علمية. وحديث الإمبريالية الثقافية يتصل بحديث الكونية التي يرادفها كثيرون بالعالمية, وهو الحديث الذي تشرئب إليه أعناق كثيرين من كتابنا. وقد كان هذا الحديث موضوع مساجلة بيني وبين الروائي والناقد المغربي محمد برادة الذي قدم في مهرجان القرين (الكويت ـ 2004) مداخلة بعنوان (الرواية العربية: الكونية أفقاً). من تلك المساجلة أستعيد قول برادة بالكونية كحلم للثقافة الإنسانية لا تخفى نسبيتها, كما لا يُخفي تطلعُها الطوبوي إلى نسق من القيم التي تقترب بين الشعوب والثقافات, أن مضامينها المختلفة كانت وما تزال تستعمل لتبرير الاستعمار باسم مبادئ كونية تنشر الحضارة والتمدين المستمدين من مرجعية كونية محكوم لها بالتفوق والكمال. وفي ذلك ما يصلنا بما هو عليه أمرنا وأمر العالم اليوم, ومنه القول بكونية الرواية العربية أو عالميتها, كذلك القول بالرواية العالمية أو الكونية. لإضاءة هذا القول أبدأ بهومي بابا في كتابه (موقع الثقافة) والذي ترجمه ثائر ديب ترجمة مميزة, كالعهد به. يرى بابا أن موقع الثقافة اليوم يقع على حواف التماس بين الحضارات, حيث تنطلق بينية وهجنة وهويات جديدة. والكونية ـ العالمية المنشودة, وبالتالي, هي في منظور الأقلية ذلك الدال الذي يقاوم إضفاء الطابع الكلياني, دون أن يكون محلياً أو خصوصياً. وعند هومي بابا أيضاً أن الأصولية السلفية والبراغماتية الجديدة تصنّمان الخصوصية, وعنده أن العالمية موسومة بالمركزية الإثنية, وبلاغاتها إرادوية, وأن العالمية والخصوصية جلاء لديناميات السلطة والإخضاع والمقاومة, المقاومة التي تدخل الجِدّة إلى العالم. لقد تحدث هومي بابا عن الحداثة ما بعد الكولونيالية, وتحدث سواه عن النقد ما بعد الكولونيالي, وعن التأويل ما بعد الكولوينالي... وفي كل حديث تحضر الكونية والعالمية, بل والعولمة والحداثة وما بعد الحداثة. وبالنسبة لنا, ربما كان في رأس الأسئلة الملحة, ما صدَّرتْ به ر. رادا كريشنان مقالتها (العولمة والرغبة وسياسية التمثيل) قائلة: "ما هو وجه الفتنة في العالمية؟ ولماذا تكون خطابتها مغرية بشكل لا يقاوم؟ ما هي طبيعة سلطتها؟". ولئن كانت كريشنان تعد العالمية والعولمة البيان الدارويني لبقاء الأصلح, فهي تضيء السؤال والجواب إذ تقول: "تقدم العالم ذاته كواقع وكتمثيل لذاك الواقع, وكل ذلك ضمن زمانية موحدة, كما لو أن جوهر الواقع بحد ذاته عالمي, وبالتالي فإن أية محاولة لاستقصاء العالمية لن تكون أقل من تكذيب للواقع ذاته. لكن كيف أصبح الواقع معولماً بشكل مطلق ومعياري على هذا النحو؟ وبأية سيرورة تم سد الفراغ بين الواقع والتمثيل وإدعائه باسم العالمية؟". ولئن شددت كريشنان على نسبية وتباين العالمية, فقد تركّز قولها أيضاً في التوترات بين العالمية كأفق والعالمية كمضمون ـ وبلغة برادة: الكونية كأفق والكونية كمضمون ـ وبين العالمية أحادية القطب والعالمية متعددة الأقطاب, وبين العالمية كسيرورة والعالمية كرؤية متحققة ونتاج. ليست الكونية بحسب إيجلتون وهماً إيديولوجياً, بل السمة الملموسة لعالمنا, ليست فكرة يمكن للمرء أن يختارها أو يعارضها على هواه النظري, بل هي بنية الواقع العالمي, والكونية هذه تشتمل على الهوية التي لا تعكس ضرباً من جنون العظمة. تلك كونية, وإزاءها الكونية قصيرة الدارة التي تنتهك الحدود القومية كأنها شركة عابرة للقوميات. تلك كونية لا تتعارض بالضرورة مع الاختلاف ومع القومية, وإزاءها كونية راديكالية ومحافظة معاً, كونية رأسمالية ليست غير خصوصية مكوننة, والأمر إذن: ثمة كونية وكونية, فما لذلك ولعالمية وكونية الرواية العربية؟ هذا ما سيلي فيه الحديث. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |