جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المستشرق يانوش دانيتسكي يتحدث عن تفاصيل رحلته الطويلة في إرساء التقارب والتفاهم بين الثقافات ـــ أحلام الترك

ـ اللغات شغفه الأول فعدا اللغات الأوربية التي تزيد على الخمس, ويتقنها هناك أيضاً العديد من اللغات الشرقية, والعربية أولها, بعد أن وقع في إغراء ما يُروى عنها, وحفزّه ليسافر إلى أراضيها, ويعود وقد أضحت القراءة بالعربية هاجسه, نال الماجستير والدكتوراه وفي عام (1982) حصل على درجة الأستذة في مجال الثقافة الكلاسيكية العربية والإسلامية, وفي عام (1989) على درجة البروفيسور كعالم في (علوم اللغة العربية) معروف على المستوى العالمي, يحاضر في كثير من الجامعات الأمريكية والألمانية, ويعمل في هيئات تحرير مجلات: (المشهد الاستشراقي) و(الدورية السنوية الاستشراقية) و(المشهد الإنساني) ورئيس تحرير المجلة الدولية (دراسات عربية وإسلامية) وهو أيضاً رئيس المركز الشرق أوسطي, كما يدير معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة وارسو, (ـ هذه المعلومات قد وثقتها مجلة العلوم في بولندا) ـ عن البروفسور (يانوش دانيتسكي) أحد أهم وأكثر المرجعيات في بولندا شهرة ومصداقية وموضوعية, والذي يقف في خط الدفاع الأول عن الثقافة العربية والإسلامية مكرِّساً لها كل وقته وفكره محاولاً تقريب وجهات النظر بين الثقافتين (العربية والبولندية), وهو الذي يمتلك المنطق والعلم وقوة التحليل للذي يجري في العالم من أحداث, فلم يكتفِ بتقديم معلومات تحتويها الكتب عن عالمنا العربي الإسلامي, بل راح يقرأ حتى الأحداث السياسية فيه, وقد قدّم أثناء زيارته لسورية هذا الشهر بحثاً هاماً تحت عنوان (الإسلام والإرهاب موضوعان مختلفان) في (مجمّع أبو النور), مثلما قدَّم عن / الدراسات والترجمات العربية والإسلامية إلى اللغة البولندية/ في (مجمع اللغة العربية), وكذلك /طرائق تدريس العربية للطلاب البولنديين/ في قسم اللغة العربية (بجامعة دمشق)... أيام حافلة بالعطاء تلك التي زار بها البروفسور سورية تشير إلى مدى عشقه لرسالته العلمية والحضارية... وكان لابدَّ من اللقاء معه, وهو على علوِّ شأنه الثقافي والعلمي, فإنّ التهذيب والتواضع ودماثة الخلق بدت إحدى صفاته.. بداية الحديث عن اللغة ثم تشعَّب الحوار....‏

س1 ـ بداية من أين جاء اهتمامك باللغة العربية, وبمنطقة الشرق عموماً؟‏

ج ـ بدأ اهتمامي بالعالم العربي منذ مرحلة الدراسة الثانوية, في الستينات, وفكّرت أنه من الضروري لكي أعرف عنه أكثر, أن أتعلَّم اللغة العربية, فاشتريت كتباً عنها, وكنت شغوفاً باللغات, وبدأت التعلُّم بنفسي ولم أجد أمراً يساعدني, إذْ كنت أقطن مدينة بعيدة عن العاصمة حيث الجامعة "وارسو" التي انتسبت إلى قسم اللغة العربية والدراسات الشرقية فيها, وبعد خمس سنوات ذهبت لمصر ودرست بجامعة القاهرة ثم بالأزهر, وكان اختصاصي في اللغة فقط وفيما بعد بتاريخ الأدب العربي, كنت أهتم بقراءة الصحافة العربية التي كانت نادراً ما تصلنا (حينذاك) ولاسيما من السفارات العربية, لكن الآن الحالة تغيّرت جذرياً, لأنَّ الاتصال مع الناس في الشرق وبوسائل إعلامها أصبح متاحاً للجميع ففي أوربا توجد خمسون قناة فضائية عربية وغيرها من قنوات الشرق الأوسط, هذا الشرق الذي أغرتني القصص والروايات والكتب التي تحدَّثت عن حضارته, بأن أعرف أكثر عنه, فحاولت أن أتعلَّم أيضاً بعضاً من لغاته كالتركية والفارسية والعبرية ثم أدرس تاريخه وفكره...‏

غواية الحرف العربي‏

س2 ـ ماذا تحدثنا عن علاقتك باللغة العربية, منذ بدايات الدراسة, وحتى الآن بدءاً من الصعوبات بالحوافز ثم الطموحات؟‏

ج ـ كان لشكل الحروف العربية غواية ما, وهذا يضاف إلى ما جذبني نحو المنطقة العربية مما سمعته عنها, بدايات التعلُّم كانت صعبة في كل شيء بدءاً من النطق ثم قواعد اللغة العربية, فاللغة البولندية مختلفة تماماً عن العربية, ولم تكن أسس تعليم النطق موجودة, أما القراءة والمحادثة فكثيراً ما كانت تجري بيننا نحن الطلاب دون تصحيح, ثم تأتي صعوبة فهم النصوص القديمة, فكيف نفهم ما كتبه مؤلف عربي عاش منذ خمسة قرون, وليس فهم الكلمات هو الذي يُشكِّل الصعوبة؛ إنما الفكر الذي وراءها, وكان لابدَّ بعد تعلم اللغة وآدابها من قراءة تاريخها, ثم فلسفة الفكر العربي الإسلامي, وكان هذا يأخذ زمناً ممتداً, وما يزال طوال الوقت الانشغال بهذا العالم.‏

ولابدَّ من ذكر أنه بعد وصولي القاهرة واكتشافي لجزء من العالم العربي, ازددت بالأجواء المختلفة تماماً عن بلادنا, والتي بدت لي سحرية بشمسها الساطعة وآثارها ونخيلها, وعلاقات الناس فيها وحتى بالازدحام والضجيج في شوارعها, وبعد عودتي إلى بولندا وعملي في تدريس الطلبة البولنديين اللغة العربية, بدأت من صعوبة النطق محاولاً تذليلها بمساعدة أساتذة عرب يشاركون في التدريس بجامعتنا.‏

أما طموحي فقبل كل شيء يرتكز على رفع مستوى تعليم اللغة العربية لطلبتي والوصول بهم إلى أعلى مستوى ممكن سواء بطريقة النطق أم الكتابة أم المحادثة, وقد افتتحت (مدرسة) مدة التعليم فيها ثلاث سنوات, وأرى من الضروري أن يكون لهذه المدرسة فرع في إحدى الدول العربية نوفد إليها طلبتنا لتكون الفائدة المرجوَّة أعمق أثراً, وأعلى مستوى.‏

أما طموحي على الصعيد الشخصي, فأن أنقل لطلبتي ثم لأفراد شعبي في بولندا فكرتي الصحيحة عن الإسلام والعرب بوضوح وكما هو حقيقة, وليس كما في أذهان البعض, حيث الأفكار الثابتة والمواقف المسبقة, والتي ترى في الإسلام أنه ضدّ الحضارة والتقدم, وأصعب شيء هو أن نُغيِّر طريقة تفكير الناس, فهذا يحتاج لاتصال مباشر معه يُشكِّل صعوبة إضافية؛ على أنني أعمل بهذا الاتجاه دون كلل, عبر مشاركاتي في برامج إذاعية وتلفزيونية, وكتابات في الصحافة مستمرة.‏

الترجمة أولاً وأخيراً‏

س3 ـ كيف ترى تعميق وتمتين جسور التواصل بين آداب البلدين سورية وبولندا؟‏

ج3 ـ في الترجمة أولاً وأخيراً من وإلى (اللغتين) وواجبكم الترجمة إلى البولندية, فهنا في العالم العربي لا يوجد مراكز تعليم هذه اللغة وعدد سكانها يزيد على الأربعين مليون نسمة, على أنه إلى جانب دراسة اللغة لابدَّ من دراسة تاريخ وآداب وجغرافية, وكل ما يحيط بالشعب الذي يتحدّث هذه اللغة, ثم لابدَّ من الاتصال المباشر مع الشعب, وهذا يتمُّ عبر السياحة, التي لا تقف عند الآثار فقط, فلابدَّ من زيارة الأسواق والحارات والمراكز والمعالم الثقافية.‏

الترجمة عن العربية في ازدياد‏

س4 ـ من أية مصادر, وكيف تحصلون على ما تقومون بترجمته, وهل من جهات تُرِّشح لكم أسماء الكتب أو الكتّاب؟‏

جـ4 ـ أنا صاحب القرار في الاختيار, أعتمد على علاقاتي الشخصية, وخبراتي في القراءة والاستماع, فأختار ما هو قيِّم ثم أسأل دار النشر هل تقبل بنشره كذلك غيري من الأساتذة, فأظنَّه يختار بنفس الطريقة أيضاً, ومع أن عدد المترجمين قليل إلاَّ أنّ الترجمة عن العربية تزداد.‏

اهتمامات القارئ البولندي ترشد المترجم‏

س5 ـ ما هي أهم الأسماء في الأدب العربي التي تسترعي انتباهكم وتستثير اهتمامكم في الأدب القديم والحديث؟‏

ج ـ نبدأ من القديم, وأتكلم عن تجربتي, فصعب إحصاء كل الكتب المترجمة عن العربية, لقد ترجمت للجاحظ رسالة في الأخلاق ورسائل التربيع والتدوير, ولابن حزم الأندلسي طوق الحمامة, ثم ترجمت المعلَّقات كلها وأقصد معانيها, فترجمة الشعر صعبة جداً إغراءً لأنَّ اللغتين مختلفتان تماماً فحروف العربية طويلة عكسها في البولندية قصيرة, كذلك ترجمت مقامات الهمذاني, وفي الأدب الحديث الأسماء كثيرة منها لتوفيق الحكيم وليوسف إدريس وغسان كنفاني وبعض القصص العراقية, ولوليد إخلاصي وزكريا تامر وغادة السمان, والشاعر أدونيس, ويكون اختيار الكتاب أو المادة الأدبية على أساس قيمتها عند القارئ البولندي وما تنقله إليه عن فكر ومكان الإنسان العربي.‏

الكتب وحدها غير كافية‏

س6 ـ للولوج في عمق اللغة, فلابَّد من التواصل المباشر معها, ومع أهلها, وبالذات الأدباء, هل تقيمون علاقات مباشرة مع أدباء عرب معروفين؟‏

ج ـ هذا الاتصال أساس عملي, فدون الاتصال مع العرب, الكتب وحدها غير كافية, توجد بعض الاتصالات المباشرة, كان الشاعر البياتي صديقي, وأدونيس أيضاً, وعندي أصدقاء آخرين إنما ليس ضرورياً أن يكونوا أدباء, وفي قسم اللغة العربية (بجامعة/ وارسو/ ثلاثة أساتذة سوريون يدرِّسون العربية وآدابها لطلبتنا.‏

إنجازي العلمي الأهم هو: تصحيح المعرفة عن الإسلام والعرب‏

س7 ـ تقومون بدور مهم جداً للتعريف بالثقافة والحضارة العربية, ولاشك بأنه ليس من السهل القيام بهذا, ما هي الشجون والمصاعب, ثم ما هي الأحلام المتعلِّقة بمستقبل ذلك؟‏

تبدأ هذه المصاعب من فكرة الخوف من الآخر, وكيف يمكن النظر لهذا الآخر كإنسان يشبهني في كل شيء ويعيش معي على نفس الكرة الأرضية, وليس في كوكب آخر؛ فالناس لا يفهمون الآخر, ولا يريدون ذلك وأقصد بالناس (عندنا وعندكم)؛ وطالما لا نعلم عن هذا الآخر شيئاً, لا بل أحياناً لدينا معلومات مسبقة وجاهزة تنصب العداء له, فإنَّ عملية نقل المعلومة الصحيحة له تُجَابَهُ بالرفض, ولدينا في بولندا تصوَّرات سلبية عن المسلمين مبنية على مفاهيم مسبقة مزوَّرة ساهم بها إلى حدٍّ كبير الإعلام الغربي, ومحاربة هذه الأفكار تتم بالمعرفة أولاً وأخيراً يجب أن نعرف عن بعضنا, وهذا يتمُّ بالاتصال المباشر والمتبادل, تدرسون لغتنا وحضارتنا وتزورون بلداننا, وبالمقابل نقوم نحن بذلك أيضاً, ويمكنني القول إنّ أهم إنجاز حققتّه هو تصحيح المعرفة في بولندا عن اللغة العربية وعن العرب والإسلام, وذلك عبر كتب كثيرة ألفتها أولهَّا القاموس العربي البولندي بالتعاون مع زميلتي, وكتاب عن قواعد اللغة العربية وآخر عن لهجاتها, هذا غير مئات الدراسات والبحوث في مجلات وصحف بولندا عن الحضارة العربية والإسلامية, والإشراف العلمي على عشرات البحوث لطلبة الدراسات العليا (ماجستير, ودكتوراه) في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية والشرقية في جامعة (وارسو), أما عن الأحلام, فأتحدَّث عن نفسي, أحلم حقاً أن أعيش في العالم العربي حتى أكتشفه أكثر وأقرأ وأكتب عنه أكثر, وأعمل فيه, لكن ضغوط عملي كبيرة, فلو كانت عندي فرصة العيش خارج ارتباطاتي الوظيفية, لاخترت دولة عربية أعيش فيها وتصبح هموم مواطنها هي همومي أنا أيضاً.‏

نتقاسم المسؤولية في التعريف عن حضارتكم‏

س8 ـ زرت سورية, وبعض بلدان الوطن العربي, كصديق من بولندا تعلم أنَّ هناك حملة تشويه تظهر في الإعلام ضدَّ الحضارة العربية والإسلامية, كيف يمكن أن نتعاون لتصحيح هذا التشويه المقصود في أغلب الأحيان؟‏

ج ـ طريقتي أنا هي الوصول لأكبر شريحة من الشعب البولندي, والتحدُّث معهم مباشرة عن حقيقة ما يحدث في العالم العربي والإسلامي, وليس ما تبُّثه أجهزة الإعلام الغربي, والمسؤولية نتقاسمها نحن وأنتم, فعليكم أنتم أيضاً أن تقوموا بالتعريف عن أنفسكم, وحضارتكم, يجب أن تترجموا كتباً عن آدابكم وفكركم وتاريخكم الماضي والحاضر, كتب ودراسات تتوفر للجميع, وبالمقابل نقوم نحن بترجمة كتب عن بلادنا وحضارتنا, يجب أن يتم تبادل المعرفة, فبالمعرفة نزيل حاجز الجهل, ونصَّد افتراءات الآخر علينا... حملة التشويه في الإعلام الغربي يجب أن تقف مقابلها حملة معلومات صحيحة وموضوعية تستند لحقائق تاريخية ومعلومات حيَّة عن تاريخكم وحضارتكم...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244