جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حين يتخطى الشاعر عصره ـــ د.عبد الكريم الأشتر

لا أدري ما الذي أغرى رجلاً جليلاً كالشيخ مصطفى عبد الرزاق (من شيوخ الأزهر) بأن يكتب كتاباً1 عن شاعر لطيف الغزل, حلو الدعابة, رقيق الحاشية, من شعراء القرن الهجري السابع (ت656هـ), اسمه (البهاء زهير)2. والحق أن الشيخ استطاع أن يلتقط أبرز الخصائص في تكوين الشاعر, وأهم خصائص شعره. ففي تكوينه خفّة الدم التي يرى الشيخ أن مصر ركّبتها فيه, لطول المُقام وطول المعاشرة, وإن كان مولده في الحجاز. في شعره ميل شديد إلى التبسيط جعله يكَلف بلغة الحياة الجارية من حوله, وينسجها, في بعض الأحيان, شعراً يبلغ الغاية من خفة التناول وسهولة الأداء وحلاوة الموسيقا:‏

من اليوم تعارفنا ونطوي ما جرى منّا‏

ولا كان ولا صار ولا قلتم ولا قلنا‏

وإن كان ولابد من العتب فبالحُسْنى‏

فقد قيل لنا عنكم كما قيل لكم عنا!‏

كفى ما كان من هجرٍ, وقد ذُقتم وقد ذُقنا‏

وما أحسن أن نرجع للوصل كما كنا!‏

بمثل هذا الروح السخي الأليف كان يعاتب إخوانه ومحبيه, كأنه كان يلقاهم في بعض الطريق فيصافحهم. فإذا لم ينفع العتاب وكان لابدّ من الهجر, فبعد أن يستنفد الشاعر جهده في رأب الصدع:‏

نراكم قد بدا منكم أمور ما عهدناها‏

كشفتم بيننا أشياء قد كنا سترناها‏

وكم جاءت لنا عنكم أحاديثٌ رددناها!‏

وأشياءٌ رأيناها وقلنا ما رأيناها!‏

وما زلتم بنا حتى جسَرَنا3 وفعلناها:‏

وكانت بيننا طاق4, فها نحن سددناها!‏

لون من أدب الأخوَّة يشيع في كل عصر, ولكنه هنا صافٍ عذب, يهذب النفس ويرتفع بالصلات الإنسانية إلى المرتبة التي تليق بالإنسان, ثم إنه ينفي كدر الحياة إلى الحد الذي يمكن أن يهنأ به الإنسان, ويقرّبه من فهم قيمة التواصل الإنساني في إدراك معانيها, إذ هي, دون هذا التواصل, لا معنى لها, ومن هنا يكون الحب, بمعانيه كلها, أعلى مراتب الإحساس بالوجود وأهم معانيه, وهذا الذي فطن له المتصوفة وبلغوا به درجة الفناء, فضمّوا إليهم الكون وكل ما فيه.‏

على أن (البهاء زهير) لم يبلغ هذه المرتبة في الحب ولم يسعْ إليها, ولكن شعره يظل يجول في معاني حلاوة التواصل, ومرارة الهجر, على نحو ما درج عليه شعراء الغزل التقليديون في الأدب العربي, وإن بدا هو أكثر انشغالاً به وأكثر احتفاءً بالجانب الإنساني الواسع فيه:‏

يا أعز الناس عندي وعليّ!‏

وحبيباً هو مني وإليْ‏

يا حبيبي أين ما أعهده؟‏

يا تُرى من ذا الذي زاد عليْ؟‏

فاتني إذ مرّ ما كلمته‏

كدت أن آكل من غيظٍ يديّ!‏

أنا من قد مُتُّ في العشق به‏

هنئوني! ميَت العشاق حيّ!‏

جملة من الأفكار أريد أن أختم بها هذا الحديث:‏

1. فالشاعر عاش في المرحلة التي بدأت غُمّة الحروب الصليبية تنزاح فيها عن صدورنا, مما أتاح له أن ينعُم باستكشاف الجانب الإنساني في صلاته بالناس, وينصرف إليه.‏

2. ثم إن شعره يلفتنا إلى ضرورة أن نعيد النظر في تعميم أحكامنا على شعر العصر, فهاهنا بُعْد واضح عن الصنعة والتزويق, وقرب من لغة الحياة الجارية يوشك أن يكون مذهباً في الشعر.‏

3. ثم إن في شعره نماذج تصلح للغناء في كل عصر: معان قريبة, ولغة سهلة, وأوزان خفيفة, وجمال في الروح تكشفه الصياغة العذبة التي يفيض فيها الطبع. وقد كان أحد كبار مطربينا سألني أن أدلّه على نصوص شعرية تصلح للتلحين والغناء, فلعله يجد في هذا الحديث بغيته.‏

***‏

ولكن ترى ما الذي جعلني أذكر (البهاء زهير) وأكتب في شعره هذا الحديث؟‏

ألعله الدلالة على انتعاش الفكر الأدبي, على إطلاقه, بابتعاده عن التكلف, واقتراب لغته, في وقت واحد, ودون ابتذال على الإطلاق, من لغة الحياة الجارية, أم لعله الدلالة على قدرة اللغة على إذكاء الإحساس بجمالياتها, في توجهها إلى البساطة الغنية!‏

1 رجعت فيه إلى الطبعة الثانية ـ مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ـ القاهرة 1935.‏

2 من أكبر شعراء العصر الأيوبي. رأس عندهم ديوان الإنشاء أيضاً, وكان له أثر فيه. في شعره قبس من روح أبي نواس المرح, مع الميل به إلى حياة عصره ولغتها وصورها.‏

3 جَسَر يجسُر على الأمر جسارة: أقدم عليه.‏

4 عقد البناء, وجمعه: طاقات وطيقان (فارسي معرَّب).‏

??‏

??‏

??‏

??‏

رقم المادة /672/عدد1007 2006‏

1‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244