جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 20/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البحث عن الأثر ـــ عبد القادر الحصني

لست ناقداً أدبياً.

هذه مقدّمة لابدّ من أن أضعها بين يدي هذا "المرفأ" لأبوح بعدها بملاحظة حول ما أقرأ من أعمال إبداعيّة حديثة الصدور. وهذه الملاحظة قد تكون لي على هذه الأعمال وقد تكون لهذه الأعمال عليّ. وأيّاً كان مآل الحكم فإليكم قصّتي معها.

تعلمون أن عدداً كبيراً من الأعمال الإبداعيّة الصادرة حديثاً لاسيّما في مجالي الشعر والقصّة القصيرة تُهدى إليّ من أصحابها أو من الجهات الناشرة لها في سورية وخارجها... وتعلمون أنني احترم هذه الكتب.. احترم الجهد الذي بُذل في التفكير والكتابة والطباعة والنشر والتوزيع, واحترم طموح مؤلفيها إلى أن يولجوا أسماءهم في عداد الكتّاب إذا كانن الكتب بواكير إنتاجهم, أو إلى أن يرسخوها إذا كانت لهم سوابق في الإصدار.

تعلمون ذلك, ولكنّ ما لا تعلمونه هو أنّني أقرأ معظم هذه الكتب, وأمنحها الصفو من أوقات الليل.. أقرؤها كاملة وأقرأ بعضاً من بعضها إذا لم أستطع إكمالها. وما لا تعملونه أيضاً أنّني بتُّ مريضاً بمرض بات مزمناً إذا كانت معاناة بضع سنوات من مرض ما كافية لنعته بالمزمن, ولكنه مرض خطير على أيّة حال, اسمه؟ لما أهتد إلى تسمية له بعد.

ولكنّ أبرز أعراضه ألخّصها بـ "عدم ترك الأثر".

فأنا أقرأ, في المتوسّط, عشر مجموعات شعريّة وعشر مجموعات قصصّية كل شهر, ثم أتساءل عمّا بقي منها لديّ بعد ذلك, فلا أجد شيئاً, أو أجد ما يجده آكل الخرنوب الذي يلوك رطلاً من الخشب, ليتمصّص نصف أوقيّة من الحلاوة. فأيّة خسارة ممنوٌّ بها أنا إذاً؟

وتتالى الأسئلة:

ـ ترى. لماذا يكون شأني على هذا النحو مع الأسماء الجديدة والأعمال الجديدة؟ وهل باتت ذائقتي قاصرة؟

ـ هل أنا مصيب في قراءة كلّ هذه الإصدارات؟ وماذا عليّ لو أهملت الكثير منها؟

ـ ماذا عن مرضي هذا؟ هل ثمّة آخرون مصابون به؟ وما السبيل إلى الشفاء منه؟

قال لي صاحبي, وقد أعاد كلمة "عدم ترك الأثر" بهدوء وأناة: ما الذي تقصده بعدم ترك الأثر؟

قلت: أقصد بالأثر ما يتبقى في الذاكرة والذائقة بعد مضيّ وقت يطول أو يقصر. فلماذا لا يتبقى من هذا الكتب عنوانات من عنوانات قصائدها وقصصها, ولماذا لا يتبقى من أسمائها إلاّ النزر اليسير؟

قال: العتب في هذا على الذاكرة, ثمّ إنّ كثرة الأسماء والعنوانات يُنسي بعضها بعضاً.

قلت: لعلّك مصيب في بعض ما تقول عن الذاكرة... ذاكرة الأسماء والعنوانات. ولكن ماذا تقول عن ذاكرة الذائقة وذاكرة النفس وذاكرة العقل وذاكرة الوجدان؟

* فاللغة اللافتة المختلفة, والأسلوب المتميّز معلمان لا ينسيان من معالم النصوص الإبداعيّة. فأنا لا أنسى هذين المعلمين في مجموعة "وحوش الغابة" الصادرة في السبعينيات لدريد يحيى الخواجة, مثلاً, لاسيما قصة "الأثر" وقصة "الإشارة يا سيدي رحال" من قصص هذه المجموعة.

* والتعامل الجديد مع الفكرة في إطار الموقف لا ينسى في مجموعة "العريف غضبان" القصصية الصادرة في السبعينيات أيضاً لحسن. م. يوسف, وهي باكورة أعماله.

* اعتلاجات النفس واضطرامها في أعصاب اللغة لا ينسى في مجموعة "وقت لشهوات المغني" الشعرية, الصادرة في مطلع التسعينيات لمحمد علاء الدين عبد المولى.

* الصوت الخاص لغة وخيالاً في مجموعة "الكتابة على شجر الليل" لمحمد مصطفى درويش لا ينسى أيضاً:

 

على شريط دمي سجّلت أغنيةً

 

 

للحب ليلية الإيقاع, فاستمعي

ماذا أسميك؟ ليس الليل تسمية

 

 

تليق بالسيل يغزو كلّ مرتفع

ماذا أسميك؟ لّميني ولو قطعاً

 

 

ولتصنعي نصباً للعشق من قطعي

ماذا أسميك؟ في عينيك مقفلة

 

 

حقائب الحبَّ. مفتاح الحنين معي

* الواقع المرّ بأماكنه وشخوصه وأزمنته في قصص عبد الله عبد الذي بات منسيّاً, هذا لا ينسى أيضاً من "مات البنفسج" إلى "ضحك آخر الليل".

ثمّة ما لا ينسى حقّاً.

فما الذي جرى عشيّة القرن العشرين وصبيحة القرن الحادي والعشرين؟ وما الذي جرى لذاكرتي وذائقتي؟

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244