جريدة الاسبوع الادبي العدد 1007 تاريخ 28/5/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التوأمة المنبرية ما بين القدس وحلب ـــ د.خير الدين عبد الرحمن

لطالما عدت الانتصارات التي توجهت في حطين على الغزاة الفرنجة تدين بالكثير لمحمود زنكي, الملقب بنور الدين الشهيد, دون انتقاص من دور صلاح الدين الأيوبي الذي أكمل المسيرة.‏

كانت حلب منطلق نور الدين محمود زنكي في جهاده وسعيه إلى توحيد أمتنا بعدما كانت ممزقة ومتنافرة في إمارات ضعيفة ومستباحة ومهانة, وإقامة دولة واحدة قوية ضمت الشام والعراق ومصر نشر فيها العلم والعدل والتقدم, وحقق انتصارات كثيرة على الغزاة الفرنجة...‏

ظلت حلب وفية للقائد الذي وصفه المؤرخون بالشجاعة والجرأة وشدة الصبر والورع والإكثار من الصلاة والدعاء وقيام الليل والبكاء لدى مناجاة الله عز وجل. بل قال ابن الأثير أنه بعد ما درس سير الملوك لم يجد فيهم بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من نور الدين محمود أو أكثر منه عدلاً.‏

ورث نور الدين محمود زنكي أفضل صفات أبيه عماد الدين الذي ولد في حلب وحكم الموصل فكان صلباً وحازماً ومخلصاً مثله, لكنه امتاز عن أبيه بشدة تقوى الله والزهد في طيبات الدنيا وسلامة النية. أحب كل من كان مؤمناً, صالحاً, عفيفاً, مستقيماً, شجاعاً, مخلصاً, وجمع من لهم هذه الصفات حوله, وخاصة العلماء والأتقياء والفقراء. كانت أخلاقه وحسن سلوكه أكثر ما جعل المسلمين يثقون بقيادته ويجتمعون حوله, وأكثر ما أخاف الغزاة والخونة من أمراء مسلمين تعاونوا معهم.‏

أيقن نور الدين, مثل أبيه, أن الأمة لن تنهض وتتقدم إلا بتوحيدها, ولن تتوحد إلا عبر قتالها ضد الغزاة. كان انتصار عماد الدين عظيماً عندما قاد جيش المجاهدين المسلمين من حلب والموصل سنة 1144 م لتحرير إمارة "الرها" إلى الشمال الشرقي من حلب. فتلك أول إمارة أقامها الفرنجة عند بدء غزوهم. جمع ملوك الفرنجة جيوشاً جديدة من كل أنحاء أوربا لاستعادة الرها, فتحرك سبعمائة ألف من الجنود المشاة وسبعون ألفاً من الفرسان, قادهم ملك فرنسا لويس السابع وملك ألمانيا كونراد الثالث. لكن شدة الحر والعطش وتلاحق المعارك على الطريق مع السلاجقة والتركمان ألحقت خسائر كبيرة بالغزاة. في هذه الأثناء مات عماد الدين زنكي سنة 1146, عند قلعة جعبر بالقرب من الرقة, إذ قتله خادم خائن وهو نائم, فاتفق ولداه نور الدين محمود وسيف الدين على أن يحكم الأول حلب, ويدير الثاني الموصل, ويعملا لاستكمال تحرير بلاد المسلمين الذي بدأه أبوهما.‏

استغل الصليبيون مقتل عماد الدين فاحتلوا الرها مجدداً. واتفق ملوك فرنسا وألمانيا والقدس المحتلة على احتلال دمشق في منتصف سنة 1148, غادرين بحاكمها (معين الدين أنر), على الرغم من أنه الحاكم المسلم الوحيد الذي تحالف سنة 1140 مع ملك الصليبيين في القدس المحتلة لمجابهة سعي عماد الدين لتوحيد دمشق وحلب والموصل في دولة واحدة. رأى ملوك الغزاة أن احتلال دمشق يسهل عليهم إسقاط الدولة القوية التي وحدت شمال بلاد الشام وشمال العراق, بخنق مركزها حلب عبر محاصرته من الرها شمالاً ودمشق جنوباً.‏

استغاث حاكم دمشق "معين الدين أنر" بنور الدين عندما تأكد غدر حلفائه الصليبيين به وبدء حصار جيوشهم لدمشق. فتحرك جيش ضم مجاهدين عرباً وأتراكاً وأكراداً من الموصل وحلب بقيادة نور الدين لمساعدة أهل دمشق, فقاتل أهلها والمجاهدون الذين جاءوا لنجدتهم بشجاعة عظيمة. رأى أنر فقيهاً هرما مغربي الأصل اسمه الفندلاوي, يمشي بصعوبة حاملاً سيفه لقتال العدو فقال له: يا شيخنا أنت معذور لكبر سنك, ارجع إلى المدينة. رفض الشيخ وقال: بعت نفسي لله, واشتراها الله مني, ثم تقدم فقاتل وسقط شهيداً. أصر شيخ عجوز زاهد آخر لقبه "الحلحولي", نسبة لبلدته حلحول في فلسطين, أن يقاتل دفاعاً عن دمشق حتى مات شهيداً.‏

فشل حصار الفرنجة فارتدوا خائبين, وعرف أهل دمشق قيمة وحدة الأمة في تحقيق النصر فازداد حبهم لنور الدين الذي أسرع لنجدتهم وعزز انتصارات الأمة المتلاحقة.‏

هزم جيش نور الدين جيش ريمون, حاكم أنطاكيا الصليبي, في منتصف العام التالي 1149 فتحرر كل شمال بلاد الشام, عندئذ قرر نور الدين في منتصف العام التالي 1149, إنجاز توحيد دمشق مع حلب والموصل, ثم توحيدهما مع مصر, لتقوم دولة إسلامية قوية تطوق الغزاة من الشمال ومن الجنوب. أما حاكم دمشق الجديد (أبق) فخاف على حكمه, وجمع وجهاء المدينة وأبلغهم قراره تجديد التحالف القديم مع الصليبيين في القدس. بعث نور الدين برسالة لإبلاغ المسؤولين في دمشق أنه قادم إلى المدينة ليعين أهلها, ويعيد فلاحيها الذين شردهم الغزاة... فجاء جواب حاكم دمشق والمقربين منه سيئاً: "ليس بيننا وبينك إلا السيف"! ظل نور الدين مع جنوده في البساتين المحيطة بدمشق, يتودد للفقراء ويساعدهم, فزاد حبهم له. وعندما تأزم وضع أبق, وتأخرت نجدة الغزاة عرض أن يتم الدعاء لنور الدين في مساجد دمشق ويذكر اسمه بعد اسمي الخليفة والسلطان, وأن يوضع اسمه على النقود, في مقابل انسحابه إلى حلب دون قتال. عاد نور الدين إلى دمشق في العام التالي, فاستنجد حاكمها أبق بالصليبيين مجدداً, وجاء جيشهم يقوده الملك (بغدوين الثالث) ودخل دمشق بجنوده, فتذكر أهلها أبناءهم الذين قتلهم الغزاة قبل ثلاث سنوات. أما نور الدين فأبعد جنوده إلى الشمال, وظل يبعث الرسائل يحرض أهل دمشق ضد حاكمهم. أخيراً عاد جيش الصليبيين إلى القدس بلا قتال. تقدم نور الدين بجيشه مجدداً يوم 18/4/1154 وانتظر شرقي دمشق. تأخرت نجدة الصليبيين التي طلبها (أبق), فدخل نور الدين وجيشه دمشق يوم 25/4/1154 بلا قتال. هكذا اتحدت حلب ودمشق بقيادة نور الدين الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره لأول مرة منذ بدء الغزو الصليبي, فتأكد المسلمون أن نصرهم الكبير بتحرير القدس اقترب.‏

حين قاد نور الدين زنكي معركة تحرير مدينة بانياس, عند منابع نهر الأردن المطلة على شمال فلسطين, قرر أن تكون معركته التالية لطرد المحتلين الفرنجة من القدس. فبدأ يستعد, ويعزز قوة جيشه, طلب من أمهر نجاري حلب صنع منبر يليق بالمسجد الأقصى ليحمله إلى القدس ويضعه بجوار محراب المسجد الأقصى عند تحريره, فيخطب من فوقه شاكراً الله على النصر. لكن الزلزال الهائل الذي دمر أكثر المدن الشامية في آب سنة 1157 اضطر نور الدين إلى تأجيل معركة تحرير القدس حتى يتم إعمار ما تهدم. وشاء الله أن يتوفاه في هذه الأثناء, فقاد صلاح الدين تحرير القدس, لا نور الدين.‏

نقل مؤرخ حلب الشيخ راغب الطباخ جانباً من قصة ذلك المنبر فكتب قبل سبعين سنة في العدد الثالث من مجلة العاديات الصادر في ربيع الأول 1350, الموافق تموز 1935, قائلاً: "من جملة الصناعات التي حازت قصب السبق في العصور الغابرة صنعة النجارة, فقد كان لها فيها القدح المعلى, وتفوقت غيها على كثير من البلدان, والبقية الباقية من آثار ذلك المشاهدة بالعيان هي خير شاهد على ذلك. ومن هذه الآثار الخالدة المنبر الموجود إلى الآن في القدس الشريف في المسجد الأقصى.‏

هذا المنبر صنع في حلب وحمل إلى القدس فوضع ثمة وحفظته لنا أيدي الزمان من الحدثين وأبقته لنا إلى الآن. وإذا تأملت رسمه هذا تتجلى لك بداعة الصنعة فيه, وتبدو لك دقة هندسته, وتتذكر عندئذ قول من قال: ليس في الإمكان أبدع مما كان.‏

وقد أحببت الآن أن أذكر السبب الذي دعا لصنع هذا المنبر في حلب وحمله إلى المسجد الأقصى فأقول: ذكر المؤرخون ابن الأثير وصاحب الروضتين وغيرهم أن في رجب من سنة 583هـ فتح السلطان صلاح الدين بيت المقدس وقد كان أخذ من المسلمين سنة 492هـ. وبعد فتحه رتب فيه صلاح الدين خطيباً وإماماً برسم الصلوات الخمس وأمر أن يعمل له منبر فقيل له إن نور الدين محموداً كان قد عمل بحلب منبراً أمر الصناع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه, وقال هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس. فعمله النجارون في عدة سنين لم يعمل في الإسلام مثله.‏

فأمر بإحضاره, فحمل من حلب ونصب بالقدس. وكان بين عمل المنبر ونصبه ما يزيد على عشرين سنة. وكان هذا من كرامات نور الدين وحسن مقاصده.‏

قال في الروضتين نقلاً عن العماد الكاتب ما خلاصته أنه كان بحلب نجار... لم يلف له في براعته وصنعته قرين, فأمره نور الدين بعمل منبر لبيت الله المقدس وقال له اجتهد أن تأتي به على النعت المهندم والنحت المهندس, فجمع الصناع وأحسن الإبداع وأتمه في سنين واستحق بحق إحسانه التحسين. واتفق أن جامع حلب في الأيام النورية احترق فاحتيج إلى منبر ينصب فنصب ذلك المنبر وحسن المنظر, وتولى حينئذ النجار عمل المحراب على الرقم وشابه المحراب المنبر في الرسم, ومن رأى حلب شاهد منه على مثال المنبر القدسي الإحسان.‏

وجاء في كنوز الذهب في تاريخ حلب للحافظ أبي ذر قال قرأت في تاريخ الإسلام للذهبي وقد كان نور الدين أنشأ منبراً برسم الأقصى قبل فتح بيت المقدس طمعاً في أن يفتحه, ولم تزل نفسه تحدثه بفتحه. وكان بحلب نجار فائق الصنعة فعمل لنور الدين هذا المنبر على أحسن نعت وأبدعه, فاحترق جامع حلب فنصب فيه, ثم عمل النجار المذكور منبراً آخر شبه ذلك المنبر.‏

فلما افتتح السلطان [صلاح الدين] بيت المقدس أمر بنقل المنبر فنصب إلى جانب محراب الأقصى..".‏

ظل خطباء المسجد الأقصى يلقون خطبهم من على ذلك المنبر لنحو تسعمائة سنة, إلى أن أحرق الغزاة الصهاينة المسجد سنة 1968, فاحترق منبره, بعدما ظل طوال تلك القرون مع المنبر التوأم في جامع حلب الكبير, قرب ضريح النبي زكريا عليه السلام, رمزاً للتواصل الروحي بين القدس وحلب, وعنوان توأمة خالدة بين المدينتين..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244